Logo

كتاب "حكاية وردة": سيرة مطربة في قلب التحولات العربية

 إذا كانت التسجيلات كافية لحفظ المسيرة الفنية لمطرب أو مطربة، فإن كتاب "حكاية وردة" آثر رواية ما لا تستطيع التسجيلات روايته عن وردة الجزائرية. 

عبر 350 صفحة و22 عنواناً، قدّم الكاتب الصحافي المصري أيمن الحكيم إحاطة شاملة بأهم المحطات والمواقف التي شكلت مسيرة وردة الجزائرية (1939 - 2012)، 

وأثرت في قراراتها الفنية والإنسانية، منذ الميلاد في باريس، مروراً بسنوات النشأة والتكوين، ثم البدايات الفنية في بيروت، وتحقيق الحلم بالانتقال إلى القاهرة، وطبعاً قصة الحب والزواج والانفصال والتعاون الفني مع بليغ حمدي (1932 - 1993).

ينسج كتاب "حكاية وردة" شبكة دقيقة من العلاقات المعقدة بين الشخصي والعام، إذ لا يستغرق في الشرح الموسيقي والغنائي، بقدر اهتمامه بقصة الاغتراب الثقافي في باريس، وديناميكية الصراع الفني في القاهرة، وتقاطع البدايات الأولى مع أسئلة الهوية والبحث عن الذات، وسط تقلبات سياسية وفنية حادة عاشها العرب في ذروة الحقبة الناصرية. 

ومن خلال سبر أبعاد العلاقة الاستثنائية التي جمعتها ببليغ حمدي، ينجح الحكيم في تقديم قراءة نقدية تجاوزت الشائعات إلى الحقائق والمعلومات، ليضع القارئ أمام تشريح عميق للثنائيات الكبرى التي صنعت ظاهرة وردة:

 الهشاشة الإنسانية في مواجهة الصلابة الفنية، والشغف العارم المطلق في مقابل التضحيات الاجتماعية الجسيمة.
 
كان الظهور الفني الأول لوردة وهي ما زالت طالبة في المدرسة الثانوية، في مطعم "طم طم" الذي يمتلكه والدها في الحي اللاتيني وسط باريس، الذي كان مقصداً للجاليات العربية والزوار العرب.

 فيه استمعت وردة إلى تسجيلات أم كلثوم وعبد الوهاب وليلى مراد، وحفظت كثيراً من الأغاني المصرية. تغيبت مرة عن مدرستها أسبوعاً كاملاً، لتتردد على السينما، وتكرر مشاهدة فيلم الوسادة الخالية، مأخوذة بلحن أغنية "تخونوه" لبليغ حمدي. 

كان اللحن سبب تعلقها بصاحبه قبل أن تراه أو تتكلم معه. وكان لمكتشفها الأول، الإذاعي المغربي أحمد التيجاني، دور مهم في تشجيعها، قبل أن يتطوع لتعليمها اللغة العربية التي كانت حينذاك محظورة على الجزائريين أو عرب المغرب تحت الاستعمار الفرنسي. 

ولأن "طم طم" صار ملتقىً للشباب الجزائري الثائر ومعقلاً للنشاط الثوري، كان مصيره الإغلاق، لتنتقل وردة وأسرتها إلى بيروت.

يسرد مؤلف "حكاية وردة" وقائع تلك المرحلة، ومن أهمها أن المطربة الشابة تعاقدت مع ملهى "طانيوس"، أشهر أماكن السهر في منطقة عاليه في جبل لبنان.

 وجودها استقطب الزبائن إلى الملهى، ولفتت انتباه الملحن اللبناني المخضرم فيلمون وهبي (1918 - 1985) الذي أدرك مدى اهتمامها بقضية بلادها، فلحن لها أغنية تتحدث عن أيقونة الثورة الجزائرية جميلة بوحريد.

حِرص وردة على أداء الأغاني الثورية في ملهى "طانيوس" جذب إليها أنظار أهل الفن، وتجلى ذلك في أكثر من موقف، إذ اختيرت للمشاركة في حفل "أضواء المدينة" الذي نظمته الإذاعة المصرية في دمشق عاصمة "الإقليم الشمالي" في دولة الوحدة،

 كذلك اختيرت للمشاركة في أوبريت "الوطن الأكبر" من عدد من ألمع نجوم الغناء في مصر وبألحان محمد عبد الوهاب الذي زكّاها لاحقاً لأداء دور البطولة في فيلم "ألمظ وعبده الحامولي" (1962).
 
يتوقف المؤلف طويلاً أمام أطوار العلاقة بين وردة وبليغ حمدي. فقصة الحب والزواج، ثم الانفصال، كان لها أثرها الكبير على مسيرتهما وإنتاجهما الفني. أحبها قبل أن يلتقيا، وازداد تعلقه بها بعد اللقاء عند زيارتها الأولى للقاهرة.

خلال تلحينه بعض أغنياتها في فيلم "ألمظ وعبده الحامولي"، كان يتردد على منزلها كثيراً، لتحفيظها الألحان. بدا واضحاً حينها الاختلاف الشديد بين طبيعته المتحررة حد الاستهتار، وطبيعة أسرتها المحافظة. 

إذ لم تكن الأسرة تسمح لوردة بالخروج أو الغناء في أي مكان من دون أن يصحبها أحد أشقائها. 

وعلى الرغم من ذلك، بدأت بعض الصحف تنشر عن العلاقة بين الملحن والمطربة، فازداد نفور الأسرة. لكن الضربة القاصمة كانت مع انتشار شائعة عن زواج وزير الدفاع المشير عبد الحكيم عامر من وردة. 

ازداد قلق وردة وأسرتها، فاستغلت دعوة من الحكومة الجزائرية للمشاركة في الاحتفال بذكرى استقلال الجزائر لتغادر القاهرة إلى بلدها الذي لم تكن قد زارته من قبل. 

هناك، تزوجت المجاهد السابق في جيش التحرير جمال قصري، لتنقطع عن مصر والغناء تسع سنوات، أصبحت خلالها أماً لطفلين.

لم ينتهِ الصمت الغنائي لوردة إلا بعد تدخل الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي اتصل بزوجها، وطلب زيارته في منزله، وبالفعل حصلت الزيارة، وخلالها طلب بومدين من وردة المشاركة في احتفالات العيد العاشر لاستقلال الجزائر. 

رحب المجتمع الجزائري رسمياً وشعبياً بعودة وردة الغنائية، وبدأت هي تفكر في الأعمال التي ستقدمها، وأخذها تفكيرها إلى بليغ حمدي الذي قبل على الفور، وطار إلى الجزائر للقائها وتدريبها على اللحن الذي وضعه لكلمات قصيدة وطنية للشاعر الجزائري صالح الخرفي.

 وبالفعل، غنت اللحن، وحقق نجاحاً جماهيرياً. لكن زوجها وضعها أمام مفترق طريق، وخيّرها بين الاستمرار في الغناء والطلاق، مع بقاء الولدين في حضانته. اختارت الغناء، وانفصلت عن زوجها.

كتاب حكاية وردة

يستعرض مؤلف كتاب "حكاية وردة" تفاصيل عودتها إلى القاهرة، ثم زواجها من حمدي، لتبدأ مرحلة لعلها الأهم والأكثر ثراءً في رحلتها الفنية،

 فبعد أشهر قليلة من زواجهما، اندلعت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وقدمت حينها بألحانه أشهر أغنيات الحرب: "وأنا على الربابة بغني".

 كذلك قدمت أوبريت "تمر حنة" الذي حقق نجاحاً جماهيرياً واسعاً. لكن المنافسة الفنية فرضت عليها أحياناً مستوىً من الصراع أو معارك تكسير العظام، ولا سيما بينها وبين فايزة أحمد.

وبسبب زيارة وردة وبليغ حمدي ليبيا للمشاركة في احتفالات ثورة الفاتح، ومجاملتها لمعمر القذافي بموال مديحي، من دون انتباه إلى التوتر الشديد بين الزعيم الليبي والرئيس أنور السادات، فوجئت عند عودتها بقرار منع أغنياتها من الإذاعة والتليفزيون. 

ويشير كاتب "حكاية وردة" إلى أنها اضطرت إلى الدفاع عن نفسها، والتأكيد أنها زارت ليبيا بعد أن نقل إليها السفير الجزائري عتب الليبيين عليها، لكونها الفنانة الوحيدة التي لم تزرهم ولم تغنِّ في طرابلس. 

لم تجد تبريرات وردة آذاناً مُصغية، واستمر منع أغانيها، فكانت على يقين من أن هناك من قام بدور الدسّ والوقيعة لدى السادات، وتوجهت أصابع الاتهام إلى فايزة أحمد.

يؤكد المؤلف أن قرار المنع استمر إلى أن توسط محمد عبد الوهاب لوردة لدى السادات الذي وافق على عودة أغانيها، وكذلك وافق على مشاركتها في الاحتفال السنوي بحرب أكتوبر. 

ولمحو آثار الأزمة، طلب عبد الوهاب من الشاعر حسين السيد أن يكتب أغنية تتضمن اسم السادات ليلحنها وتغنيها وردة أمام الرئيس، فكانت أغنية "إحنا الشعب" التي جاء فيها: "وفي ظل السادات، ومع شعب السادات، هتعيشي يا مصر منارة، وتعيش يا سادات".
 
عام 1979، انفصلت المطربة عن الملحن بعد تفاقم الخلافات بينهما، ويرصد المؤلف الآثار الفنية الكبيرة لهذا الانفصال، وما تبعه من تعاونها مع ملحنين آخرين، في مقدمتهم محمد عبد الوهاب وسيد مكاوي ومحمد الموجي. 

كذلك سعت إلى تصفية خلافها مع رياض السنباطي، الذي انقطع عن التلحين لها 18 عاماً، قبل العودة بقصيدة "لا تقل لي ضاع حبي من يدي"، ليجدد التعاون الذي بدأ بينهما عام 1960، وأثمر واحدة من أشهر أغنيات وردة وأنجحها، "يا لعبة الأيام".

ويتوقف المؤلف في "حكاية وردة" أمام تجاربها الجديدة مع جيل أحدث من الملحنين، من أمثال عمار الشريعي وحلمي بكر ثم صلاح الشرنوبي، ومواكبتها ما يعرف بالأغنية الشبابية، وتغير بوصلة المنافسين من فايزة أحمد ونجاة وشادية إلى نانسي عجرم.

ويسير المؤلف إلى تأثير تعاون وردة مع الشاعر عمر بطيشة الذي مثل "كلمة السر" في أغنياتها ذات الطابع الخفيف أو "الشبابي". 

ولعل أبرز أمثلة التعاون بين وردة وكل من بطيشة والشرنوبي في هذا النوع من الأعمال أغنية "حرمت أحبك" التي حققت نجاحاً جماهيرياً كاسحاً، وانتشرت في أوساط الشباب انتشاراً واسعاً، لكنها بقيت في نظر كثير من المهتمين أغنية لا تليق بوردة ولا بمسيرتها الفنية.

تشرّح صفحات الكتاب ظاهرة وردة الجزائرية باعتبارها نموذجاً للفنان المعجون بأسئلة الهوية والتقلبات السياسية في المنطقة العربية، إذ لم تكن مسيرتها نتاج لموهبة صوتية فقط، 

بل أيضاً قصة مواجهة مستمرة بين الهشاشة الإنسانية والصلابة الفنية، وبين الشغف المطلق للموسيقى والتضحيات الاجتماعية الجسيمة.

في كتاب "حكاية وردة" يتجاوز أيمن الحكيم منطق السرد التقليدي للسيرة، ليقدم وثيقة تاريخية واجتماعية، تُبرز كيف تضافرت الثنائيات الكبرى في حياتها، كالعاطفة الجارفة مع بليغ حمدي، والتنافس الفني الشرس، والانتقالات القسرية بين الاعتزال والعودة،

 لتؤكد أن الأثر الذي تركته كان نتاج إرادة فولاذية صمدت أمام التحولات الثقافية والسياسية، وظلت حيّة وحاضرة عبر العقود.

هيثم أبوزيد