الأغنية العراقية... تراث في مهبّ القرصنة الرقمية
لم يعد القول إن التراث العراقي مهدّداً بالضياع كافٍ لوصف ما يجري فعلياً في العصر الرقمي. فمع اتساع منصات التواصل الاجتماعي وانتشار المحتوى العراقي على نحو غير مسبوق،
دخلت الأغنية العراقية القديمة مرحلة جديدة من المخاطر لا تتعلق فقط بفقدان الأرشيف أو تلف التسجيلات، بل بقرصنة الحقوق ونسب أعمال فنية إلى جهات لا تمتلكها، في وقت تتحول فيه ملايين المشاهدات إلى عوائد مالية قد لا تصل إلى أصحابها.
في هذا السياق، أثار الصحافي والناقد العراقي، سامر المشعل، في مقال له نشر في صحيفة الصباح الحكومية الرسمية، عن وجود تسجيلات وأعمال لفنانين عراقيين بارزين،
مثل سليمة مراد ووحيدة خليل وزهور حسين وناظم الغزالي وداخل حسن، سجلتها شركات أجنبية. إذ تظهر أحياناً بيانات حقوق على منصات رقمية تنسب بعض هذه الأعمال إلى شركات أو جهات خارج العراق.
أضاف المشعل أن "هذه الظاهرة تثير أسئلة عن مدى قدرة المؤسسات العراقية على حماية التراث الغنائي في البيئة الرقمية، خصوصاً أن كثيراً من التسجيلات القديمة لم تكن محفوظة ضمن قواعد بيانات إلكترونية متكاملة،
فيما تعرّض جزء من الأرشيف العراقي خلال عقود الحروب والاضطرابات إلى التلف والضياع والسرقة".
وطالب وزارة الثقافة العراقية بإنشاء منصة رقمية وطنية معنية بالتراث الغنائي والموسيقي العراقي بهدف حمايته من الضياع والسرقة، من خلال تسجيل ألوان الغناء العراقي والألحان والأغاني بأسماء كتابها وملحنيها ومغنيها ضمن قاعدة بيانات رسمية،
وعبر تشريع القوانين الجديدة التي تواكب عصر الثقافة الرقمية بالتنسيق مع نقابة الفنانين والبرلمان، كي تتاح إمكانية محاكمة السراق ضمن المحاكم العراقية والدولية، فضلاً عن محاولة استعادة التراث العراقي من شركات القرصنة بالطرق القانونية والأدلة الفنية والتاريخية.
يقول الشاعر والمؤلف خليل إسماعيل "لم تعد سرقة الأغنية تعني نسخ شريط أو أسطوانة وبيعها في الأسواق. اليوم يمكن رفع تسجيل قديم على منصة رقمية، وإضافة بيانات حقوق إليه والدخول في منظومات إدارة المحتوى وتحقيق الدخل،
بما قد يجعل الجهة التي رفعت التسجيل تبدو أمام المنصة صاحبة الحق ما لم يكن هناك صاحب حق موثق يستطيع الاعتراض وتقديم الأدلة".
يضيف إسماعيل أن "هذه المشكلة تزداد تعقيداً مع إعادة نشر الأغاني القديمة من قبل صفحات وقنوات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها لا يعرف أصلاً صاحب الحقوق، بينما قد تستغل جهات تجارية هذا المحتوى وتعيد تسجيله ضمن أنظمة حقوق رقمية، مستفيدةً من غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة يمكن الرجوع إليها للتحقق من ملكية العمل".
يتابع: "هنا، تظهر مفارقة لافتة؛ فالأغنية العراقية التي عانت طويلاً محدودية الانتشار خارج العراق، أصبحت اليوم تصل إلى جمهور عربي وعالمي بفضل المنصات الرقمية، لكن الانتشار لا يعني بالضرورة أن أصحاب الحقوق هم المستفيدون من هذا النجاح".
بدوره، يقول الصحافي والكاتب والموظف في وزارة الثقافة، حسن جعفر، إن "الملكية الفكرية للفنان والأديب وصاحب المنجز حق على المؤسسات الثقافية والرسمية والقانونية، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية يشترك فيها المبدع نفسه".
يضيف أن "حماية التراث الفني العراقي تبدأ من المستفيد، سواء كان مستمعاً أم قارئاً من خلال رفض المعلومات غير الدقيقة أو المضللة التي تنشر مع الأعمال، ثم تنتقل المسؤولية إلى جهات البث والنشر عبر تحري الدقة في كتابة أسماء صناع العمل ومراعاة الأمانة والمهنية والاعتذار عن أي خلل منشور".
يرى جعفر أن "على وزارة الثقافة وهيئة الإعلام والاتصالات جعل ملكية التراث العراقي وحفظه أولوية عبر خطوات تواكب أدوات العصر، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يعمل مساعداً تقنياً في رصد المخالفات وحفظ الحقوق".
من جهتها، تؤكد وزارة الثقافة والسياحة والآثار، من خلال المركز الوطني لحماية حق المؤلف، رفضها لأعمال القرصنة والسرقة الفكرية التي تطاول المصنفات الأدبية والفنية، سواء داخل العراق أو خارجه، مشددة على أهمية حماية النتاج الثقافي والفني العراقي.
يقول الحقوقي في المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة، ياسر علي الربيعي، إن "الوزارة عبر المركز تعمل على حماية النتاجات الفكرية والفنية العراقية، لا سيما الأعمال الغنائية والأدبية والشعرية التي تتمتع بالحماية القانونية بموجب قانون حماية حق المؤلف العراقي رقم (3) لسنة 1971 المعدل عام 2004".
ينص القانون على حماية المصنفات الموسيقية والتسجيلات الصوتية، كما يمنح المؤدي حماية قانونية، فيما تشمل حقوق المؤلف أيضاً الاستنساخ والتخزين في الوسط الرقمي والإلكتروني، وإتاحة المصنف للجمهور بوسائل مختلفة.
يوضح الربيعي أن "صاحب الحق في حال تعرض مصنفه للسرقة أو الاستغلال أو التعدي، يستطيع اللجوء إلى المحاكم المختصة وتقديم الأدلة والأوراق التي تثبت ملكيته للمصنف، لتتولى الجهات القضائية النظر في الدعوى واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة".
يشير إلى "أهمية تسجيل المصنف لدى المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لما يوفره التسجيل من وسيلة عملية لإثبات الحق"،
مؤكداً أن "تأييد التسجيل الصادر عن المركز يمثل مستنداً رسمياً يمكن الاستناد إليه أمام الجهات القضائية المختصة، ويسهم في تسهيل إجراءات إثبات الملكية عند حصول النزاع".
يوضح: "المشكلة في التراث القديم تبدو أعقد؛ إذ إن صاحب العمل قد يكون متوفّىً، وقد تكون حقوقه انتقلت إلى ورثته،
كما أن بعض الأعمال القديمة تحتاج إلى بحث تاريخي وفني لتحديد مؤلفها وملحنها ومؤديها والجهة التي امتلكت التسجيل الأصلي".
يتابع الربيعي أن "الإشكالية لا تكمن دائماً في تحديد اسم المغني؛ فالأغنية قد تكون من كلمات شاعر وَلحّنها موسيقي وأداها مطرب،
فيما قد تكون هناك حقوق أخرى مرتبطة بالتسجيل الصوتي نفسه، ولهذا فإن حماية التراث الغنائي تحتاج إلى أكثر من مجرد حفظ الملفات الصوتية: إنها تحتاج إلى توثيق سلسلة الحقوق المرتبطة بكل عمل،
تشمل اسم الشاعر، والملحن، والمغني، والموزع إن وجد، وتاريخ التسجيل، ومصدره، والجهة المالكة للتسجيل، وأماكن وجود النسخ الأصلية".
صفا الطائي