Logo

"سلطان الألحان" بليغ حمدي... التوثيق في مواجهة الشائعات

لا ريب أن الملحن المصري بليغ حمدي (1932 - 1993) امتلك مسيرة فنية بالغة الثراء، سواء لجهة غزارة الإنتاج، أو أثر هذا الإنتاج على الجماهير، لكنه أيضاً كان من أكثر الشخصيات الفنية التي كابدت التقلبات الحياتية على مستويات مختلفة، موسيقياً وإنسانياً.

وقد تضافرت هذه الأسباب لتجعل من بليغ مادة دسمة لخيال شعبوي يستسهل النسج الأسطوري ويحبه ويروج له، فصُنعت حول الرجل حكايات شتى انضمت فيها الحقائق إلى الشائعات، والوقائع إلى الأوهام، وتراوحت بين العبقرية الفنية والعشوائية السلوكية، وتفاصيل قصص الحب الطويلة أو القصيرة. 

من هنا، تأتي أهمية كتاب "بليغ حمدي.. سلطان الألحان" للصحافي المصري أيمن الحكيم، الذي قرر أن يقدم جهداً توثيقياً، يصوب من خلاله الأخطاء، وينفي الأوهام والخرافات.

اختار المؤلف أن يتجنب إصدار الأحكام الفنية، أو أن يتورط في أحاديث النقد الموسيقي مدحاً أو قدحاً، كما ابتعد كلياً عن السرد الشخصي لتفاصيل الأحداث الإنسانية المهمة في حياة بليغ (رحل في 12 سبتمبر 1993)، وقدم كل ذلك عبر شهادات عدد كبير ممن اقتربوا من الملحن الراحل قرباً فنياً أو إنسانياً، أو جمعتهم به صداقة ممتدة.
 
صحيح أن المؤلف واكب حالة جماهيرية ملموسة على مواقع التواصل الاجتماعي عندما اختار عنوان "سلطان الألحان"، وهو ما يشي للوهلة الأولى بأن الكتاب سيكون مجرد مديح متواصل، يمتلئ بالعبارات الإنشائية التي تبدو فخمة في ألفاظها، مع فراغ وتهافت في معانيها. 

لكن مع مطالعة فصول الكتاب، يدرك القارئ أن المؤلف اختار أن يذهب مباشرة إلى منطقة المعلومات لا التحليل، وأن بعض عبارات المديح والثناء تأتي لترطب الجفاف التوثيقي الذي يأتي عبر الأوراق الشخصية والأحاديث المسجلة، والمستندات والصور النادرة، والشهادات المباشرة، ليخلّص سيرة بليغ من زوائد الخرافة، 

وينقل النقاش الصحافي والفني من مساحات النميمة والانطباعات السطحية، إلى مساحات التأريخ الجاد. اعتبر كثير من المهتمين بسيرة بليغ أن الكتاب نجح في رد الاعتبار للملحن الراحل، لا بتقديسه أو تبرئتة من أخطائه الإنسانية، ولكن بتقديم صورته شبه كاملة بكل تناقضاته وإبداعه وهشاشته.

في الفصل الأول، قدم المؤلف تعريفاً عاماً بشخصية بليغ حمدي، فنياً وإنسانياً، منذ الطفولة والنشأة، إلى ما قبل الرحيل، من خلال كلمات الملحن الراحل نفسه، مكتوبة كانت أم مسجلة بصوته، وأيضاً من خلال شهادات المحيطين به. 

وقد تضمن الفصل فوائد عديدة، من أهمها تنوع مصادر التلقي الموسيقي التي نهل منها الرجل، وهي روافد كثيرة تبدأ بمدرس البيانو الذي يأتي إلى المنزل، ثم إصرار والده على جذبه إلى تذوق الموسيقى الكلاسيكية الغربية،

 ثم التحاقه بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، قبل أن يستمع إليه الدكتور محمود أحمد الحفني، وينقله إلى المعهد العالي للموسيقى المسرحية، لدراسة الصولفيج على "مسيو جوليو"،

 وكذلك دراسة الهارموني على يد أستاذه الشهير كمال إسماعيل. وبتوجيه من مستشار الإذاعة محمد حسن الشجاعي، ذهب بليغ إلى البروفيسور ميناتو، لتعلم النظريات الموسيقية، والبروفيسورة جوليا لتعميق دراسة البيانو.

 يؤكد بليغ أن هذه الدراسات كان لها الأثر الأكبر على حياته الفنية.
 
خصص المؤلف الفصل الثاني لشهادات عدد من أهم الشخصيات التي عرفت بليغ واقتربت منه، وفي مقدمتهم شقيقه سعد الدين مرسي الذي كتب عن عدة محاور مهمة في حياة بليغ الفنية والشخصية. 

وأيضا تضمن الفصل شهادة مهمة للإذاعي المصري الشهير وجدي الحكيم (1934 - 2014) عن ظروف ميلاد أغاني حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، فروى تفاصيل مجيء بليغ إلى مبنى التلفزيون،

 واستمراره في العمل المتواصل لتلحين أغان تواكب ظروف المعركة والجبهة المشتعلة. 

وبالفعل، أنتجت جهود الرجل أشهر أغاني الحرب: "باسم الله" بصوت المجموعة، و"أنا على الربابة بغني" بصوت وردة، وعبرنا الهزيمة، بصوت شادية، وكلها من كلمات الشاعر عبد الرحيم منصور.

جمع المؤلف شهادات سجلها بنفسه مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، والمطرب محمد رشدي، والمطربة عفاف راضي، والملحن كمال الطويل، وعازف الأوكورديون فاروق سلامة، والكاتب الصحافي محمود عوض، والملحن صلاح عرام، والمهندس الإذاعي كامل البيطار، وغيرهم من أصدقاء بليغ.

ومن أهم ما قاله الأبنودي، أن بليغ كان هو مؤلف الكثير من الأغاني التي لحنها، أو على الأقل كان واضع مطلع الأغنية، وأن عوده كان يسبق باللحن أحياناً، ثم يبحث هو عن كلمات مناسبة. 

ويضيف الأبنودي: "بدأ بليغ يتوغل في طريق الفلكلور الشعبي، وأوجدنا معاً تيار الأغنية الشعبية الذي ساد في الستينات، والذي كان موائماً للشعارات السياسية السائدة، وكان يكفيك فخراً أن تكون مؤلف أغنية مثل "عدوية" أو أن تكون ملحنها أو مغنيها".
 
واعترف المطرب محمد رشدي في شهادته بأن بليغ على رأس مجموعة صغيرة من المثقفين الذين ساندوه وعلموه، حتى وقف على قدمين ثابتتين، وأصبح نجم الأغنية الشعبية لفترة طويلة. 

يضيف رشدي: "إن بليغ ليس مجرد ملحن، هو مفكر وصاحب رؤية، ولم يصل إلى مكانته بسهولة، إنه دائم الاطلاع والتعلم والتنقيب والبحث في كل ما يخص الموسيقى. 

عرفته وهو يبحث عمّن يكتب له النوتة الموسيقية، وعرفته بعدما درس كتابتها، وتعمق فيها، وأصبح يكتبها ويوزع كل الآلات بنفسه".

في الفصل الثالث، يتناول المؤلف قضية انتحار المغربية سميرة مليان، التي تورط فيها بليغ، مستعرضاً مسارها القضائي، أمام محكمة الجنح التي قضت بسجنه عاماً. 

وقالت في حيثيات الحكم إن المتهم أدار ظهره للثقة التي أولاها له الشعب. كما تتبع حركة القضية أمام محكمة الاستئناف التي أيدت الحكم. 

يرصد المؤلف كيف اضطر بليغ، نتيجة الضغط والملاحقة القانونية وظروف المرض، إلى مغادرة مصر والعيش في منفاه الاغترابي في باريس ومدن أوروبية أخرى. 

لكن الكتاب يبين كيف تحول هذا المنفى القسري إلى طاقة إبداعية، أنتج خلالها بليغ ألحاناً تحمل قدراً واضحاً من الألم والشوق، قبل أن يرجع إلى مصر ليحضر إجراءات النقض على الحكم الصادر بحبسه.

 وبالفعل، أصدرت محكمة النقض في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1990 حكماً ببراءة بليغ.
 
تُبرز ملابسات قضية سميرة مليان كيفية تعامُل المؤسسات الرسمية والشبكات الاجتماعية مع النجم الفني فور اختراق حياته الفردية المجال العام، إذ تحول المسار القانوني المحض إلى مساحة لاستعراض القيم وحراسة الأخلاق العامة.

 تكشف الحيثيات الصادرة بحق بليغ عن تحميل الرمز الثقافي مسؤولية رمزية تتجاوز نطاق الفعل المجرد، لتصبح محاكمته اقتطاعاً من رصيده الجماهيري ومحاولة لإعادة رسم الحدود بين حماية المبدع ومساءلته.

توج المؤلف جهده الاستقصائي بإرفاق ملحق وثائقي ليصبح الكتاب مرجعاً معلوماتياً مهماً ودقيقاً لكل باحث في مسيرة الملحن الراحل. ضم الملحق صوراً نادرة لبليغ تُنشر لأول مرة، في مراحل عمرية مختلفة،

 وفي جلسات عمل مغلقة مع كبار أهل الفن والسياسة. قبيل هذا الملحق، قدم المؤلف فائدة بعيدة الأهمية، تتمثل في ثبت كامل، بكل أعمال بليغ حمدي، من ألحان أغان، وموسيقى تصويرية، وشارات مسلسلات، وأعمال مسرحية، ومؤلفات آلية، بلغت 1465 عملاً. 

وكشف المسرد أن المطربة وردة كانت صاحبة النصيب الأكبر من ألحان بليغ، وبما يجاوز 100 لحن. 

وأوضح المؤلف أن القائمة مستمدة من جمعية المؤلفين والملحنين في مصر، وليست نتاجاً لعملية رصد وتجميع عشوائي أو فردي.

يتجاوز النتاج الفني لبليغ حمدي حدود التلحين النمطي ليصبح مشروعاً يعكس التحولات الاجتماعية والفنية الكبرى في الشارع المصري. 

أثبتت الشهادات الحية للمحيطين به أنه كان صانع رؤية، ومتدخلاً في البنية النصية والجمالية للأغنية، بل موجهاً للمناخ الثقافي برمته. إن قدرته الكبيرة على مزج الفلكلور الشعبي بالموسيقى السائدة، صاغت الذائقة العامة لستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وحولت الأغنية الشعبية من نمط ترفيهي إلى معبر عن الشعارات الوطنية والتحولات السياسية. 

وبذلك، يعيد الكتاب شكل الفهم الجماهيري لشخصية بليغ، وفهم المكانة التي يحظى بها. امتلك الرجل حساسية استثنائية لنبض الجماعة الوطنية، وفهم الوجدان العام جيداً، فاستطاع أن يمنح قطاعات واسعة من الجماهير لغة نغمية تصوغ أفراحهم وانكساراتهم على حد سواء.

تطرح المعالجة التوثيقية لسيرة بليغ حمدي إشكالية التعامل مع الرموز الفنية، التي تحولت حياتها الشخصية ونتاجها الإبداعي إلى مادة لاستسهال النسج الأسطوري والشائعات الشعبوية.

 وقد جاء كتاب أيمن الحكيم متجاوزاً إصدار الأحكام النقدية والسرد الشخصي لمصلحة جمع الشهادات المباشرة، والأوراق الشخصية، والمستندات النادرة، وتحييد النميمة الصحافية، ما أتاح تقديم صورة واقعية شبه كاملة للملحن الراحل، تحضر فيها عبقريته الفنية جنباً إلى جنب مع تناقضاته وإخفاقاته الإنسانية. 

هيثم أبوزيد