Logo

لماذا تعيش أغاني نصر أكتوبر في الذاكرة المصرية؟

 تحمّس المطرب الراحل فريد الأطرش كثيراً وهو يروي في لقاء تلفزيوني عام 1967 أنه أقنع السيدة الراحلة أم كلثوم بغناء لحنه لقصيدة "وردة من دمنا" للشاعر اللبناني الراحل بشارة الخوري (الأخطل الصغير). 

كانت القصيدة تتناول الكفاح الفلسطيني العربي للتحرر من الصهيونية والطغيان، لكن الراحلة فاجأته في اليوم التالي بأنها غيّرت رأيها لأنها ترى الأغاني الوطنية لا تعيش إلّا لأشهر.

كان لأم كلثوم تجارب كثيرة في هذا المضمار لم تعدّدها لفريد، لكن ذكرها تاريخ الغناء، فقد غنت للملك فاروق قبل توليه العرش عام 1936 مقطوعات الفاروقيات التي فقد بعضها، 

وكانت قد غيّرت بعض الكلمات لأنها غنتها من قبل للسلطان الأب الراحل الملك فؤاد عام 1932. 

كذلك، غنّت كثيراً للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، سواء قبل هزيمة 1967 أو بعدها. لكن أغانيها الوطنية فقدت معناها وشهرتها حتى بوادر توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كامب ديفيد عام 1979، حين أعيدت للإذاعة والتلفزيون أغنية "بالسلام إحنا بدينا".

 ولعل الأخيرة، على قلة متذكريها اليوم، أشهر أغاني أم كلثوم الوطنية.

وفيما لم تشارك أم كلثوم في أغاني انتصار 6 أكتوبر 1973 بسبب المرض الذي أدى إلى وفاتها في فبراير/ شباط 1975، إلّا أن هذه الأعمال، على عكس ما قالته كوكب الشرق لفريد الأطرش، لا تزال محتفظة برونقها وحضورها إلى اليوم.

عقب فرحة الانتصار المفاجئة التي لفّت ملايين المصريين والعرب، أفاق الملحن المصري الراحل بليغ حمدي وذهب إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري (ماسبيرو)، مُصرّاً على القيام بالدور الذي رأى أن أحداً لا يقوم به.

 لكن، لظروف الحرب، وتحسباً لأيّ طارئ، كان حضور قوات الأمن مكثفاً حول المبنى لمنع غير المصرح لهم من الدخول، وعبثاً حاول بليغ إقناع ثلاث شخصيات بالسماح له بالدخول،

 أولها قائد الأمن، ثم مسؤول الغناء بالإذاعة الراحل وجدي الحكيم، وأخيراً رئيس الإذاعة محمد محمود شعبان، الشهير بـ"بابا شارو" لتقديمه برامج الأطفال.

في النهاية، تراجع المسؤولون تدريجياً، خصوصاً بعد انفعال بليغ وإعلانه أنه "سيقيم" أمام المبنى ولن يذهب إلى بيته، ومن ثم تهديده بالذهاب إلى قسم الشرطة التابع له المبنى ليحرّر بلاغاً هو الأول منذ أن اندلعت الحرب،

 إذ لم يسجل قسم شرطة في طول مصر محضراً واحداً يوم 6 أكتوبر 1973، وانشغل حتى الخارجون عن القانون بالاحتفال. ومع تزايد غضب بليغ، وتهديده بتكسير الزجاج لدخول المبنى، اتصل رئيس الإذاعة بوزير الإعلام عبد القادر حاتم الذي صاح به: "أدخله فوراً!".
 
وداخل المبنى كان عود بليغ حاضراً والأمر بإخلاء استوديو 64 جاهزاً مع ملازمة مهندسه للموسيقار، ولما كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً، 

ومرت ثلاث ساعات كاملة على العبور، لم ينتظر بليغ المصعد، بل "طار" إلى الطابق السابع على قدميه، ليتصل بالشاعر الراحل عبد الرحيم منصور، طالباً منه كلمات تناسب الموقف، احتار الأخير، فصرخ بليغ به: "تعال وافعل مثلما فعلت لتدخل المبنى".

 وجاء عبد الرحيم مهرولاً وأصوات جموع المصريين في الشرفات وأعالي البيوت كما على الجبهة تصمّ أذنيه: "بسم الله .. الله أكبر"، لتأتي كلمات واحدة من أروع الأغنيات على الإطلاق بشكل فوري.

وبعد تلحينها، احتار بليغ أكثر، فمن سيغنيها الآن وهو يحتاج إلى مجموعة قوية الصوت تحسن التعبير عن لحظات انتصار بعد هزيمة استمرت أكثر من 6 سنوات مريرة، وكيف سيدخل 15 مغنياً مبنى التلفزيون في هذه الأجواء؟ 

فجأة، وببديهة الفنان الذي لا يعجزه تحدٍّ، نظر بليغ إلى مهندسي الصوت والموظفين وعمال النظافة وصرخ: "أريدكم أن تغنّوا". 

وفيما الذهول يشدّهم، كان الراحل يهتف بكلّ على حدة: "قل بأعلى صوتك بسم الله.. الله أكبر.. لكن كما سأقولها"، وهكذا ظهر 15 مطرباً للمرة الأولى والأخيرة ليشاركوا في أغنية أذيعت مساء يوم الانتصار وعاشت وستعيش.
 
ولأن الكلمة الصادقة المخلصة تبقى، فقد صارت "بسم الله .. الله أكبر" أشهر أغاني مصر، ولأن الاحتلال من أجبن أهل الأرض، فقد خاف من أغنية أطربت ملايين العرب، 

وهي من غناء موظفين وعمال لا علاقة لهم بالغناء أو الطرب، وتردّد بقوة أن ملاحق معاهدة "كامب ديفيد" السرية سجّلت طلب إسرائيل اختيار نشيد قومي جديد غير "والله زمان يا سلاحي" الذي أقرّه عبد الناصر عام 1960 من غناء أم كلثوم وكلمات الراحل الفنان صلاح جاهين، وألحان الراحل كمال الطويل،

 على ألَّا يكون "بسم الله .. الله أكبر"، فجاء "بلادي .. بلادي" فور هبوط الراحل الرئيس أنور السادات من طائرة العودة من "كامب ديفيد"، ليصير النشيد القومي الجديد، وهو من كلمات الراحل محمد يونس القاضي وتلحين الراحل الموسيقار سيد درويش، وتوزيع الراحل الفنان محمد عبد الوهاب.

تلت "بسم الله" أغنيات لم تنل شهرتها، لكنها امتازت بشفافيةٍ وتلقائيةٍ وألق فرحة عبور الهزيمة رغم الأحزان السابقة فكانت: "سمينا وعدينا" للمطربة الراحلة شهرزاد، "وأنا على الربابة بغني" للراحلة المطربة وردة، و"شايلين في إيدنا سلاح" للمجموعة.

تُرى كيف يمكن أن يقارن وطني هذه الأغاني بما صرنا نسمعه على أنه "غناء وطني" في أيامنا؟ وكنا في عهد الراحل المخلوع حسني مبارك قد سمعنا بأغنية عاطفية فشل ملحنها بإقناع مغنيها بالقبول بأجر رآه الأخير متواضعاً، فما كان من الملحن إلّا أن طلب من الكاتب أن يحوّلها إلى قصيدة وطنية، لتصدر في النهاية أغنية "مائعة" استمع إليها ملايين الناس.

محمد ثابت