Logo

"حبّوب... حبّوب لا تغضب"... خلاف زوجي خلّده الغناء اليمني

 حين قررت زوجة المغني والملحن اليمني أحمد السنيدار (1939)، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، مغادرة منزلها غاضبة والتوجه إلى بيت أهلها في حي الأبهر في صنعاء القديمة 

 لم تكن تتخيل أن خلافهما الزوجي لن ينتهي بمجرد الصلح التقليدي، بل سيتحول إلى مصدر إلهام لواحدة من أشهر أغنيات التراث الغنائي اليمني، وأغنية غدت عبر الأجيال بمثابة "دستور أخلاقي" لإنهاء الخلافات الزوجية: "حبّوب... حبّوب لا تغضب".

حدثت تفاصيل هذه القصة في حي الأبهر، حيث كان يسكن السنيدار، إلى جوار الشاعر الراحل عبد الله هاشم الكبسي، والد الفنان فؤاد الكبسي، وأحد أشهر شعراء القصيدة الغنائية.

 جمعت الرجلين علاقة صداقة وثيقة، تفيض بالمشاعر الوجدانية والإنسانية، وصفها الكبسي في أحد لقاءاته التلفزيونية بأنها "الروح بالروح".

في أحد أيام عام 1975، عاد الشاعر الكبسي إلى منزله، فاستقبلته زوجته أم فؤاد بخبر توتر الأجواء في بيت الجار والصديق. إذ نشب خلاف السنيدار وزوجته التي غادرت غاضبة إلى بيت أهلها. 

وبينما خيّم الصمت على البيت، وظل الموقف عالقاً بين المكابرة وتأزم الحوار، التقط الكبسي الإشارة، ورأى في ما حدث فرصة للتدخل الإيجابي ونزع فتيل الأزمة.
 
قرر الكبسي كتابة قصيدة على لسان الفنان السنيدار نفسه، متقمصاً مشاعره ورغبته في عودة شريكة حياته.

 فصاغ قصيدة غنائية تجمع بين الملاطفة والنصح والحكمة، وتفيض بمشاعر الحب والاحتواء. وكتبها وفق أسلوب الشعر الحميني متعدد القوافي، القائم على بنية شعرية تتوزع فيها القوافي على مقاطع متعاقبة، 

إذ تتألف الأبيات الأربعة الأولى من قافية، تليها أربعة أبيات بقافية مختلفة، ثم تأتي قافية ثالثة، قبل أن تعود القصيدة في مقطعها الرابع إلى قافية البداية. 

وكان مطلعها: "لا تجرح القلب لا تغضب... مابش لهذا الغضب داعي/ حاسب أنا أخشى عليك تحنب... ولي رجاء أن تكون واعي".
 
نجح الشاعر في صياغة رسالة اعتذار تحفظ للزوج كبرياءه، وتعيد الاعتبار للزوجة، لتتحول لاحقاً إلى ما يشبه ميثاقاً للحياة الزوجية. وأهدى القصيدة إلى صديقه الذي تلقاها بترحيب بالغ، وسارع إلى تلحينها بلحن رقيق ودافئ يعكس صدق مشاعره. 

وما إن غنى السنيدار الكلمات ووصلت الأغنية إلى مسامع زوجته، حتى أحدثت مفعولها، فعادت إلى المنزل وانتهى الخلاف.

لم تكن تلك اللحظة نهاية خصام زوجي فحسب، بل كانت ميلاد واحدة من أشهر أغنيات التراث الغنائي اليمني الحديث.

فبعد إذاعتها عبر البرنامج العام لإذاعة صنعاء منتصف السبعينيات، سرعان ما تحولت إلى حديث الشارع اليمني، واستقرت في وجدان البيوت التي تواجه عثرات الحياة الزوجية. 

جاءت الأغنية بمثابة منظومة من القيم التربوية والاجتماعية التي تعيد تعريف أدب الخلاف بين الزوجين. 

فقد انحازت إلى الاحتواء والملاطفة بدلاً من العناد وتأجيج الكبرياء، وحملت عبارتها "حبّوب حبّوب لا تغضب.. مابش لهذا الغضب داعي" دعوة إلى التهدئة وامتصاص انفعال اللحظة بأسلوب دافئ وحانٍ.
 
ولم تتوقف كلمات الأغنية عند التهدئة، بل تناولت جذور الخلافات الأسرية، محذرة من النميمة والتدخلات الخارجية، وداعية إلى الحوار المباشر بين الزوجين، وأن يبوح كل طرف بما في قلبه بعيداً عن التجني والوشايات الكاذبة. 

يقول الشاعر: "إن كان لهذا الحنق أسباب... أرجوك تشرح لي أسبابه/ أما التجني فما له باب... من غير سبب فأغلق أبوابهلا تسمع الواشي الكذاب.. كل الوشايات كذابه". 

ويختم هذا المقطع بحكمة تختصر جانباً من فلسفة الأغنية في التعامل مع الخلافات الزوجية، إذ تجعل الحب قوة قادرة على تجاوز الخصام: "الحب صادق وهو غلاب... ودولة الحب غلابه".

كما تتناول الأغنية عتب المحب، مستحضرة العشرة الزوجية وما يرتبط بها من عفة وأخلاق، ومؤكدة أن حرمة الحب تحول دون إنهاء المودة، وأن الحياة الزوجية تقوم على عهود ومواثيق تحفظها في مواجهة تقلبات الأيام. 

ويقول الشاعر: "لولا عفافي وأخلاقي... وحرمة الحب والأخلاق/ لنهيت حبي وأشواقي... ما دمت لا تعرف الأشواق/ لولا عهودي وميثاقي... وحرمة العهد والميثاق/ لأحرقت في الحب أوراقي... ما دمت لا تقرأ الأوراق". 

وتعزز الأغنية ثقافة الحوار والشراكة، رافضة استمرار الجفاء والخصام، قبل أن تختتم بالدعوة إلى الصفح وفتح صفحة جديدة: "إحنا اتفقنا وسدينا.. ماحدش يزعل من الثاني/ ما رأيكم لو تصافينا... وما مضى لا يعد ثاني".
 
ولم تقتصر شهرة الأغنية على أداء السنيدار، بل حظيت بانتشار واسع وتوزيعات مختلفة، من أبرزها التوزيع الذي قدمه أحمد بن عودل في عدن، وأدته فرقة الإنشاد الوطنية، التي أسهمت بدورها في انتشار العمل على نطاق أوسع.

أحمد السنيدار، المولود في صنعاء القديمة عام 1939، أحد أبرز أعمدة الأغنية الصنعانية، حتى لُقّب بأميرها. بدأ شغفه بالفن مبكراً، متأثراً بالفنان قاسم الأخفش، 

ودرس الموسيقى في القاهرة قبل أن يقطع دراسته ويعود لدعم ثورة 26 سبتمبر بأناشيده الوطنية. والتحق بإذاعة صنعاء عام 1967، وكان له دور خلال حصار صنعاء، وشغل لاحقاً منصب الأمين العام لنقابة الفنانين.

غنى لكبار الشعراء ولحّن عدداً من أعماله الخالدة، ليصبح عنواناً لتجليات الفن الصنعاني الذي يجمع بين عذوبة العتب وخفة الظل. 

وتميز أداؤه بالانسجام والصدق، ما رسّخ حضوره في وجدان الجمهور اليمني والعربي، وهو يقيم حالياً في القاهرة، حيث يعمل مستشاراً ثقافياً في السفارة اليمنية.

فخر العزب
صحافي يمني