أرسنال يراهن على الدفاع والكرات الثابتة لإسقاط باريس سان جيرمان في نهائي الأبطال
عندما يصطدم باريس سان جيرمان بأرسنال مساء السبت في نهائي دوري أبطال أوروبا على ملعب بوشكاش أرينا، فإن المواجهة لن تكون مجرد صراع على الكأس الأغلى في القارة، بل اختبارا حقيقيا لقدرة المدرسة الدفاعية الحديثة على إيقاف أكثر المشاريع الهجومية اكتمالا في أوروبا حاليا.
من الناحية النظرية، يبدو أن الكفة تميل لصالح باريس سان جيرمان، فالفريق الفرنسي هو حامل اللقب، وصاحب أقوى خط هجوم في البطولة، وأكثر الفرق قدرة على فرض الإيقاع والسيطرة على المباريات. ولكن أرسنال يدخل النهائي وفي جعبته عناصر قد تجعله الفريق الأكثر قدرة على قلب التوقعات وإفساد حلم باريس في الاحتفاظ بالكأس للعام الثاني على التوالي.
وتبدو المواجهة أقرب إلى صدام بين فلسفتين متناقضتين، حيث إن باريس سان جيرمان يمثل كرة القدم التي تقوم على السرعة والتحولات والضغط المستمر، بينما يجسد أرسنال مدرسة التنظيم والانضباط والتحكم في المساحات حتى دون امتلاك الكرة.
ورغم الفوارق الهجومية الواضحة بين الفريقين، فإن كثيرين داخل الوسط الأوروبي يرون أن أرسنال يمتلك الأدوات التكتيكية المناسبة لإرباك باريس، وربما حرمانه من الوصول إلى النسخة المثالية التي ظهر بها طوال الموسم.
وأحد أهم أسباب هذا الاعتقاد يتمثل في المنظومة الدفاعية التي بناها ميكيل أرتيتا خلال السنوات الأخيرة، فمدرب أرسنال لم يصنع فقط فريقا قادرا على المنافسة، بل كون واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تماسكا في أوروبا، حتى إن لويس إنريكي مدرب سان جيرمان نفسه وصف الفريق الإنكليزي بأنه “الأفضل دفاعيا في القارة”.
وتدعم الأرقام هذا التوصيف بشكل واضح، فقد خرج أرسنال بشباك نظيفة في تسع مباريات بدوري الأبطال هذا الموسم، واستقبل ستة أهداف فقط خلال 14 مباراة. أما محليا، فقد أنهى الدوري الإنكليزي كصاحب أقوى دفاع، بعدما استقبل 27 هدفا فقط، بفارق مريح عن أقرب منافسيه.
ولكن السر لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بطريقة الدفاع نفسها، حيث إن أرتيتا يعتمد على منظومة تجعل الفريق يبدو مسيطرا حتى عندما لا يمتلك الكرة. الضغط يتم بصورة منظمة، والمسافات بين الخطوط تكاد تكون مثالية، والتحولات الدفاعية تحدث بسرعة كبيرة تمنع الخصم من إيجاد مساحات مريحة.
وفي مواجهة فريق مثل باريس سان جيرمان، الذي يعتمد أساسا على المساحات والسرعة والحركة المستمرة، فإن هذا النوع من الانضباط قد يصبح السلاح الأهم.
وغالبا ما يبدأ المدرب الإسباني بخط دفاع يتكون فعليا من أربعة “قلب دفاع”، مع وجود لاعب ارتكاز بصفات دفاعية واضحة أمامهم، سواء ديكلان رايس أو مارتن زوبيميندي، ما يمنح الفريق كثافة كبيرة في العمق ويصعب كثيرا من مهمة الاختراق المباشر.
وحتى إذا نجح المنافس في تجاوز تلك الطبقات الدفاعية، يبقى الحارس دافيد رايا عنصر أمان إضافيا. والحارس الإسباني قدم واحدا من أفضل مواسمه، وتحول إلى عنصر حاسم في بناء اللعب والإنقاذ في اللحظات الحرجة.
ولكن أرسنال لا يراهن فقط على الدفاع. الفريق اللندني يملك أيضا سلاحا قد يكون حاسما في مباريات النهائيات، وهو الكرات الثابتة. فخلال السنوات الأخيرة، منح أرتيتا اهتماما استثنائيا لهذا الجانب، خاصة بعد تعيين المتخصص نيكولاس جوفر مدربا للكرات الثابتة في 2021. ومنذ ذلك الوقت، تحول أرسنال إلى واحد من أخطر الفرق الأوروبية في استغلال الركنيات والضربات الحرة.
وسجل أرسنال 25 هدفا من الكرات الثابتة في الدوري الإنكليزي هذا الموسم، بينها 19 هدفا من الركنيات، وهو رقم قياسي في نسخة واحدة من البطولة، وأهمية هذا السلاح تزداد أمام باريس تحديدا، لأن الفريق الفرنسي، رغم قوته الهجومية، لا يبدو دائما بنفس الصلابة داخل منطقة الجزاء أثناء الكرات العرضية، خصوصا تحت الضغط البدني.
ويمتلك أرسنال الأدوات المناسبة لاستغلال ذلك؛ مدافعون أصحاب طول وقوة بدنية، إلى جانب مهاجم مثل فيكتور جيوكيريس أو كاي هافيرتز، مع جودة تنفيذ عالية عبر بوكايو ساكا وديكلان رايس.
وفي مباريات النهائيات، حيث تقل المساحات وتزداد الحسابات التكتيكية، كثيرا ما تصبح الكرات الثابتة عنصر الحسم الحقيقي، وهو ما يمنح أرسنال أفضلية محتملة لا يمكن تجاهلها.
والنقطة الأخرى التي قد تصنع الفارق تتعلق بالحالة الذهنية للفريق الإنكليزي. أرسنال يدخل النهائي بعد حسم لقب الدوري الإنكليزي لأول مرة منذ 2004، وهو إنجاز أزال ضغطا نفسيا ضخما ظل يلاحق الفريق في السنوات الماضية.
وعلى مدار سنوات، كان أرسنال قريبا من الإنجاز دون أن ينجح في إكمال المهمة؛ وصافات متتالية في الدوري، وخروج مؤلم أوروبي، وخسارة نهائي كأس الرابطة. لكن التتويج المحلي هذا الموسم غير الحالة العامة داخل النادي ومنح اللاعبين ثقة مختلفة.
وتحدث أرتيتا نفسه عن هذا الأمر بوضوح، معتبرا أن الفريق يدخل النهائي بطاقة ذهنية مختلفة، لأن اللاعبين لم يعودوا يشعرون بأنهم مطالبون بإثبات قدرتهم على الفوز بالألقاب.
وقد يكون هذا العامل مهما جدا أمام باريس سان جيرمان، الذي يتحمل ضغطا أكبر بحكم كونه حامل اللقب والمرشح الأول. الفريق الفرنسي لا يلعب فقط من أجل الفوز، بل من أجل صناعة تاريخ جديد كأول فريق فرنسي يحتفظ بدوري الأبطال.
ورغم الخبرة الأوروبية الكبيرة التي اكتسبها باريس خلال الموسمين الأخيرين، فإن الضغط النفسي في مثل هذه المباريات يبقى عنصرا معقدا، خاصة إذا طال الوقت دون تسجيل أو إذا نجح أرسنال في فرض نسقه الدفاعي.
وتكتيكيا، تبدو مهمة أرسنال واضحة: إبطاء المباراة قدر الإمكان، تقليل المساحات أمام ثلاثي باريس الهجومي، ومنع التحولات السريعة التي يجيدها الفريق الفرنسي.
أما باريس، فسوف يحاول رفع الإيقاع مبكرا، والاعتماد على التحرك المستمر لعثمان ديمبيلي وخفيتشا كفاراتسخيليا وديزيري دوي لسحب الدفاع الإنكليزي خارج مناطقه.
وتبدو المواجهة الفردية على الأطراف مفتاحا مهما أيضا، خصوصا إذا اضطر أرسنال للاعتماد على كريستيان موسكيرا في مركز الظهير الأيمن بسبب مشاكل الإصابات، وهي نقطة قد يحاول كفاراتسخيليا استغلالها باستمرار.
وفي المقابل، قد يجد باريس نفسه تحت ضغط مختلف عندما يفقد الكرة، لأن أرسنال يجيد جدا استغلال التحولات المحدودة بأقل عدد ممكن من اللمسات.
الصراع في وسط الملعب سيكون محوريا كذلك، خاصة بين ديكلان رايس وفيتينيا. الأول يمثل القوة البدنية والتغطية الدفاعية، بينما يعد الثاني العقل الذي يمنح باريس إيقاعه الهجومي. قدرة أي منهما على فرض أسلوبه قد تحدد شكل المباراة بالكامل.
ورغم أن الترشيحات العامة تصب نسبيا في صالح باريس سان جيرمان، فإن طبيعة النهائيات الأوروبية تجعل الحديث عن أفضلية مطلقة أمرا بالغ الخطورة.
وربما لا يملك أرسنال نفس القدر من الإبداع الفردي، لكنه يملك التنظيم، والانضباط، والقدرة على اللعب تحت الضغط، وهي عناصر كثيرا ما صنعت الفارق في مباريات من هذا النوع.
ولهذا، فإن قدرة أرسنال على قلب التوقعات لا تبدو مجرد فرضية رومانسية، بل سيناريو واقعي قائم على أسس تكتيكية ونفسية واضحة. وإذا نجح الفريق الإنكليزي في فرض إيقاعه الدفاعي واستغلال الكرات الثابتة واللحظات الانتقالية، فقد يجد باريس نفسه أمام أكثر اختبار تعقيدا منذ بداية رحلته الأوروبية هذا الموسم”.
(أ ب)