Logo

كأس العالم 2026.. أرقام الإنفاق الأولى لا تكفي لتأكيد وعود فيفا

 بعد نحو عشرين يوماً من انطلاق كأس العالم 2026، بدأت المؤشرات الاقتصادية الأولى تظهر في المدن المستضيفة داخل الولايات المتحدة. فبحسب دراسة صادرة عن بنك أوف أميركا الخميس الماضي حللت بيانات إنفاق بطاقات مصرفية مجهولة الهوية بين 10 و21 يونيو/حزيران،

 ارتفع إجمالي الإنفاق في المدن المستضيفة بنسبة 6.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وكان إنفاق الزوار غير المحليين المحرك الأوضح لهذا النمو، بعدما زاد بنسبة 16.7% على أساس سنوي. 

وتوضح الدراسة أن البيانات اعتمدت على إنفاق البطاقات الائتمانية وبطاقات الخصم في نقاط البيع داخل المدن المرتبطة بملاعب البطولة، وأنها بيانات مجمعة ومجهولة الهوية، وتقدم مؤشراً اتجاهياً لا صورة كاملة عن كل الإنفاق.

تقديرات فيفا أمام أول اختبار

تأتي هذه الأرقام في وقت تحدث فيه فيفا، في تقرير الأثر الاقتصادي والاجتماعي الصادر في مارس/آذار 2025، عن إجمالي ناتج اقتصادي في الولايات المتحدة بقيمة 30.5 مليار دولار،

 وإضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 17.2 مليار دولار، و185 ألف وظيفة بدوام كامل.

 لذلك، تفتح بيانات بنك أوف أميركا باب المقارنة بين المؤشرات الأولية للإنفاق الفعلي وبين تقديرات فيفا الكبيرة التي سبقت البطولة، مع التأكيد أن بيانات أيام البطولة لا تكفي وحدها لحسم الأثر النهائي.

الزوار يصنعون الفارق

الفارق بين نمو الإنفاق العام بنسبة 6.3% ونمو إنفاق الزوار غير المحليين بنسبة 16.7% يظهر أن الدفع الأقوى جاء من خارج المدن المستضيفة. 

وهذا مهم اقتصادياً، لأن إنفاق الزائر يمثل إضافة أوضح للاقتصاد المحلي مقارنة بإنفاق المقيم الذي قد يعيد توجيه أمواله من نشاط داخلي إلى آخر.

وقال أستاذ الاقتصاد في كلية الصليب المقدس فيكتور ماثيسون، لمجلة فورتشن الأميركية، إن "الزائر الأجنبي هو المحرك الحقيقي للمكاسب الاقتصادية للدولة المستضيفة، 

لأن إنفاق المقيم المحلي على تذكرة أو نشاط مرتبط بكأس العالم قد يكون في كثير من الأحيان بديلاً عن إنفاق محلي آخر".
 
أين تكمن مبالغة التقديرات؟

وشرح ماثيسون لـ"فورتشن" أن تقديرات البطولات الكبرى قد تتضخم بسبب ثلاثة عوامل رئيسية. الأول هو أثر الإحلال، عندما يستبدل السكان إنفاقا محلياً عادياً بإنفاق على البطولة. 

والثاني هو الإزاحة، عندما يحل مشجعو كأس العالم مكان سياح أو مؤتمرات كانت المدينة ستستقبلها أصلاً. والثالث هو تسرب الإيرادات إلى خارج الاقتصاد المحلي، خصوصاً عندما تذهب عوائد التذاكر إلى الجهة المنظمة.

وبحسب فورتشن، قال ماثيسون إن إنفاق 400 دولار على تذكرة لكأس العالم يذهب إلى فيفا، ولا يعود إلى الاقتصاد المحلي كما يحدث عندما ينفق الزائر المبلغ نفسه في مطعم أو نشاط محلي.

المدن تدفع وفيفا يجمع الجزء الأكبر

ذكرت "فورتشن" أن فيفا سيجمع نحو 8.9 مليارات دولار من كأس العالم 2026، بينما قد تواجه المدن الأميركية المستضيفة عجزاً جماعياً يتجاوز 250 مليون دولار. 

وأوضحت المجلة أن فيفا يدير نسخة 2026 مباشرة، ويتحكم في معظم الإيرادات، من حقوق الإعلام والرعاية إلى التذاكر والضيافة والمنتجات. 

في المقابل، تتحمل المدن تكاليف الأمن والنقل وتجهيزات الملاعب والإدارة ومناطق المشجعين. 

ونقلت "فورتشن" عن أندرو زيمباليست، من كلية سميث، أن المدن المستضيفة لا تحصل على إيرادات يوم المباراة بصورة كافية، بينما قد تتحمل تكاليف تتجاوز 100 مليون دولار.
 
تجربة 1994 تعود إلى الواجهة

وتعود تجربة كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة إلى الواجهة مع تجدد النقاش حول العائد الاقتصادي للبطولات الكبرى.

 وفي مقابلة نشرتها جامعة ولاية كارولاينا الشمالية يوم 24 يونيو/حزيران الماضي، قال مايكل إدواردز، أستاذ إدارة المتنزهات والترفيه والسياحة في الجامعة، إن العديد من دراسات الأثر الاقتصادي تميل إلى تضخيم المكاسب لأنها تحتسب إجمالي الإنفاق، 

من دون أن تخصم تكاليف الاستضافة أو تأخذ في الحسبان الإنفاق الذي كان سيحدث حتى في غياب البطولة.

وأضاف إدواردز أن امتلاء الفنادق وازدحام المطاعم ومناطق المشجعين لا يشكل دليلاً بحد ذاته على تحقيق نمو اقتصادي صاف، 

مؤكداً أن المعيار الأدق هو قياس الدخل الإضافي الذي بقي داخل الاقتصاد المحلي، والوظائف التي أوجدتها البطولة بعد احتساب التكاليف العامة ومقارنتها بما كان سيحدث لو لم تستضف المدينة الحدث.
 
مكاسب سريعة لكنها مركزة

لا تنفي هذه التحفظات وجود مكاسب مباشرة. فبحسب إدواردز، تستفيد بعض الشركات المحلية فعلاً، خصوصاً الفنادق والمطاعم وشركات النقل والأعمال القريبة من مناطق البطولة، لأن أعداداً كبيرة من الزوار تنفق على الإقامة والطعام والتنقل والترفيه. 

غير أن إدواردز أشار إلى أن هذه المكاسب غالباً ما تكون مركزة ومؤقتة. فبعد نهاية الحدث وعودة الزوار، يعود الطلب في العادة إلى مستوياته الطبيعية، ما يحد من الأثر الطويل على الاقتصاد المحلي الأوسع.
 
الحكم بعد نهاية البطولة

حتى الآن، تؤكد بيانات بنك أوف أميركا أن كأس العالم رفعت الإنفاق في المدن المستضيفة، وأن الزوار غير المحليين كانوا المحرك الأبرز لهذا النمو، لكنها لا تحسم وحدها ما إذا كانت تقديرات فيفا بشأن إجمالي الناتج الاقتصادي بقيمة 30.5 مليار دولار ستتحقق. 

فالحساب النهائي يحتاج إلى مقارنة ما أنفقه المشجعون بما تحملته المدن من تكاليف، ومعرفة ما بقي داخل الاقتصاد المحلي بعد ذهاب عوائد مركزية إلى فيفا. عندها فقط تمكن معرفة ما إذا كان الارتفاع الذي رصدته بطاقات الدفع بداية أثر اقتصادي صاف، أم انتعاشاً مؤقتاً مرتبطاً بأيام المباريات.