حين بكى اليمن فرحًا… خمسة أهداف أعادت إلينا الأمل
لم يكن اليمنيون الذين شاهدوا المباراة بين اليمن والبحرين رغم انها تحصيل حاصل يبحثون عن مجرد انتصار رياضي…
كانوا يبحثون عن شيء أكبر بكثير من كرة القدم.
كانوا يبحثون عن لحظة ينسون فيها، ولو لدقائق، كل ما أثقل أرواحهم، من صواريخ ورصاص وموت وكل ما جعلهم يعتادون الخوف والقلق والانتظار.
وحين جاءت الأهداف الخمسة، لم تكن المدرجات وحدها تهتز…
كانت قلوب اليمنيين تهتز معها.
كانت تلك الفتاة التي في الصورة تبكي من شدة الفرح، وكأنها لم تكن تبكي على هدف، بل كانت تبكي على سنوات طويلة من التعب، ثم وجدت فجأة نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.
يا الله…
كم نحن بحاجة إلى الفرح!
كم نحن بحاجة إلى لحظة تجعل اليمني يصرخ من قلبه
ما زال هناك أمل!
لم تكن الخمسة أهداف مجرد أرقام على لوحة النتيجة.
كانت رسالة.
رسالة تقول لنا إن هذا البلد، رغم كل ما مر به، ما زال ينجب شبابًا قادرين على الوقوف في وجه المستحيل.
شبابًا لم تمنعهم الظروف القاسية من الحلم.
لم تمنعهم قلة الإمكانات من الركض.
لم تمنعهم كل العواصف التي مر بها الوطن من أن يحملوا اسم اليمن على صدورهم، ويذهبوا إلى الملعب وكأنهم يحملون وطنًا كاملًا فوق أكتافهم.
وحين سجلوا، لم يسجلوا لأنفسهم وحدهم.
سجلوا لأم يمنية كانت تتابع المباراة وقلبها يرتجف.
ولأب أنهكته الحياة، فابتسم لأول مرة منذ وقت طويل.
ولطفل صغير رأى لاعبي منتخب بلاده فقرر أن يحلم بأن يكون واحدًا منهم يومًا ما.
ولكل يمني في الداخل والخارج، كان ينتظر من وطنه شيئًا يفرحه، أي شيء.
فجاءت الأهداف الخمسة.
وجاء معها ذلك الشعور الجميل الذي افتقدناه طويلًا
شعور أن اليمن يستطيع.
نعم…
اليمن يستطيع.
وشباب اليمن يستطيعون.
وهذه هي الرسالة الأهم التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج المباراة.
لا أحد يقول إن الطريق سهل.
ولا أحد يقول إن المستحيل اختفى.
لكن هؤلاء الشباب أثبتوا أن الإنسان اليمني، حين تُتاح له الفرصة، يستطيع أن يفاجئ العالم.
وهنا يصبح الانتصار الرياضي أكبر من الرياضة.
لأنه يعيد إلينا الثقة بأنفسنا.
يعيد إلينا شيئًا من صورتنا الجميلة عن وطننا.
ويذكرنا بأن اليمن ليس فقط أخبارًا مؤلمة، ولا أزمات، ولا صورًا حزينة.
اليمن أيضًا شباب يركضون خلف الحلم.
اليمن موهبة.
اليمن شجاعة.
اليمن كبرياء.
اليمن أم تنتظر ابنها بفارغ الصبر.
اليمن أب يرفع رأسه فخرًا.
اليمن طفل يركض في حارة ضيقة وهو يحلم بأن يصبح لاعبًا كبيرًا.
اليمن جمهور يصرخ حتى تبح أصواته.
اليمن دمعة فرح تنزل من عين امرأة، فتختصر حكاية شعب كامل.
أما أولئك الذين ينتظرون عثرة اليمن ليشمتوا، أو يخفون ما في صدورهم خلف كلمات الود حتى تأتي أول خسارة فيُخرجون سكاكينهم من أغمادها…
فنحن لا نحتاج إلى الرد عليهم.
دعوا الملعب يتحدث.
ودعوا شباب اليمن يجيبون بطريقتهم.
لا بالكراهية…
بل بالإنجاز.
لا بالصراخ…
بل بالعمل.
لا بالانتقام…
بل بالنجاح.
فأجمل ما يمكن أن يفعله اليمني لمن لا يريد الخير لليمن، هو أن ينجح اليمن.
أن ينهض.
أن يبتسم.
أن يعلّم أبناءه.
أن يبني.
أن يحلم.
وأن يقول للعالم كله
نحن هنا… وما زلنا قادرين على الحلم.
ربما كانت مباراة كرة قدم.
وربما كانت خمسة أهداف فقط.
لكنها بالنسبة لقلوب كثيرة كانت أكثر من ذلك بكثير.
كانت استراحة قصيرة من وجع طويل.
كانت دمعة فرح بعد كثير من الدموع.
كانت يدًا تربت على كتف اليمني وتقول له
لا تيأس… ما زال في هذا الوطن شيء جميل.
فيا شباب اليمن…
أنتم لا تلعبون من أجل تسعين دقيقة فقط.
أنتم تحملون أحلام أمهات وآباء وأطفال وشعب كامل.
استمروا.
قاتلوا من أجل أحلامكم.
احلموا أكبر.
وتذكروا دائمًا أن خلفكم وطنًا، مهما اشتدت عليه المحن، سيبقى فخورًا بكل يمني يرفع اسمه عاليًا.
اللهم احفظ اليمن وأهل اليمن.
اللهم احفظ شباب اليمن، وافتح لهم أبواب المستقبل، وامنحهم الفرص التي يستحقونها.
واجعل هذه الفرحة الصغيرة بداية لأفراح أكبر…
فقد تعب اليمنيون كثيرًا من البكاء.
وحان وقت أن يبكي اليمن… ولكن من الفرح.
اليمن يستطيع.
وشباب اليمن يستطيعون.
وما دام في اليمن شباب يحلمون… فما زال هناك أمل.
بقلم عادل الحبابي