Logo

سباق الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العالم

 لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد سباق تقني بين القوى الكبرى، بل تحوّل إلى قوة تعيد تشكيل الاقتصاد والبيئة وسوق العمل في آنٍ واحد. 

وبينما تتآكل الهيمنة الأميركية تدريجياً أمام صعود صيني متسارع، تكشف أحدث بيانات مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 عن مفارقة لافتة؛ قدرات غير مسبوقة تقودها نماذج أكثر قوة، 

لكن بثمن بيئي مرتفع، وضغوط متزايدة على الوظائف، وغموض أكبر يلفّ كيفية عمل هذه الأنظمة وتأثيرها الفعلي في المجتمعات.

الكلفة البيئية

وفي تفصيل هذه التحولات، يشير التقرير الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان إلى أن هذا التقدم التقني يأتي بكلفة بيئية متصاعدة، إذ تتطلب النماذج الحديثة كميات ضخمة من الطاقة والمياه.

 إذ بلغت انبعاثات التدريب المُقدّرة لنموذج "غروك 4" ما يعادل 72,816 طناً من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يُقارب كمية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة من قيادة 17 ألف سيارة لمدة عام. 

وارتفعت سعة الطاقة في مراكز البيانات إلى 29.6 غيغاواط، أي ما يعادل تقريباً الطاقة اللازمة لتزويد ولاية نيويورك بأكملها بالكهرباء في أوقات ذروة الطلب. 

وقد يتجاوز استهلاك المياه السنوي لتبريد خوادم البيانات أو تشغيلها بالطاقة الكهرومائية، لعملية الاستدلال في نموذج "جي بي تي 4o"، احتياجات مياه الشرب لـ12 مليون شخص.

الولايات المتحدة والصين تتنازعان الصدارة 

في موازاة هذا العبء البيئي المتصاعد، يكشف التقرير عن تحوّل لافت في ميزان القوى العالمي داخل قطاع الذكاء الاصطناعي. فبعد سنوات من التفوق الأميركي شبه المطلق، برزت الصين منافساً مباشراً يقترب تدريجياً من تقليص الفجوة. 

وتبادلت النماذج الأميركية والصينية المراكز الأولى في تصنيفات الأداء منذ عام 2025، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة متقدمة في جودة النماذج وبراءات الاختراع ذات التأثير، مقابل تفوق صيني في حجم الإنتاج البحثي وتركيب الروبوتات الصناعية.

وتضم الولايات المتحدة أكبر عدد من باحثي الذكاء الاصطناعي ومطوريه مقارنةً بأي دولة أخرى، إلا أن تدفق هؤلاء الخبراء إليها يشهد تباطؤاً ملحوظاً.

 فقد انخفض عدد باحثي الذكاء الاصطناعي الذين انتقلوا إلى الولايات المتحدة بنسبة 89% منذ عام 2017، وتسارع هذا الانخفاض حتى وصل إلى 80% خلال العام الماضي وحده.

قدرات غير متساوية

غير أنّ هذا التقدم لا ينعكس بالتساوي على جميع المجالات. 

فبينما باتت النماذج الرائدة تضاهي أو تتجاوز القدرات البشرية في مهام معقدة، مثل الأسئلة العلمية المتقدمة ومسائل الرياضيات، لا تزال تواجه صعوبات في مهام يومية أو تطبيقية،

 مثل فهم الفيديو أو تنفيذ الأعمال المنزلية والتحليل المالي، ما يعكس فجوة واضحة بين التطور النظري والتطبيق العملي.
 
تكنولوجيا

توجه لابتكار أداة ترصد التطرف والعنف على منصات الذكاء الاصطناعي

طفرة الاستثمار

على الصعيد الاقتصادي، يشهد القطاع تدفقاً غير مسبوق للاستثمارات، إذ بلغت استثمارات الشركات العالمية نحو 581.7 مليار دولار في عام 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق. 

وتتصدر الولايات المتحدة هذا الإنفاق بفارق واسع، إذ بلغت استثماراتها في الذكاء الاصطناعي 285.9 مليار دولار، أي ما يعادل 23.1 ضعف استثمارات الدولة التي تليها، أي الصين (12.4 مليار دولار). 

ومع ذلك، فإن المقارنات التي تعتمد فقط على الاستثمارات الخاصة قد تقلل من حجم رأس المال الذي توجهه الصين حقاً نحو الذكاء الاصطناعي، 

إذ توجّه بكين الموارد من خلال صناديق التوجيه الحكومية، وهي صناديق استثمارية تنشئها الدولة وتحقق عوائد مالية. بين عامي 2000 و2023، خُصّصت 912 مليار دولار من هذه الأموال لمختلف القطاعات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.

ضغوط على الوظائف

بسبب الذكاء الاصطناعي بدأت فرص العمل للمبتدئين بالتراجع، فقد انخفض توظيف مطوري البرمجيات الذين تراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنسبة تقارب 20% منذ 2024، على الرغم من ازدياد أعداد زملائهم الأكبر سناً. 

ويتكرر هذا النمط في وظائف أخرى ذات مستويات أعلى من استخدام الذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء. ويتوقّع المديرون التنفيذيون تسارع هذا الاتجاه، في تغيير جذري لا يزال في بدايته.

الذكاء الاصطناعي في العلم والمختبرات

يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع الأبحاث العلمية، متجاوزاً دوره بكونه أداة مساعدة في كتابة الأوراق أو التحقق من البيانات، إلى أداة تقود نحو اكتشافات فعلية.

 ففي سابقة لافتة، طوّر نظاماً متكاملاً للتنبؤ بالطقس يعتمد على بيانات الأرصاد الجوية الخام واللحظية، ليُنتج مباشرة توقعات نهائية تشمل درجات الحرارة والرياح والرطوبة. 

كذلك يشهد علم الفلك تحولاً مماثلاً، مع تطوير أول نموذج أساسي قادر على أتمتة عمليات الرصد عبر شبكة تضم عشرة تلسكوبات.

قوة أكبر وغموض أكثر

باتت النماذج الأكثر تقدّماً اليوم من بين الأقل شفافية. إذ تتركّز هذه النماذج الضخمة لدى كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، التي تميل بشكل متزايد إلى حجب تفاصيل أساسية، مثل شفرات التدريب وحجم مجموعات البيانات.

 وفي هذا السياق، سجّل "مؤشر شفافية النماذج الأساسية" تراجعاً ملحوظاً، إذ انخفض متوسط الدرجات إلى 40 نقطة، مقارنة بـ58 نقطة في العام الماضي، وهو مؤشر يقيس مدى إفصاح الشركات عن بيانات التدريب، والقدرات الحاسوبية، والمخاطر، وسياسات الاستخدام. 

ويخلص المؤشر إلى مفارقة لافتة: كلما زادت كفاءة النموذج، قلّ مستوى الشفافية المحيط به.
 
مشاعر متضاربة

أظهر استطلاع عالمي ارتفاعاً في التفاؤل حيال الذكاء الاصطناعي، إذ أعرب 59% من المشاركين عن نظرة إيجابية لفوائده، مقارنة بـ52% في الاستطلاع السابق. 

في المقابل، سجّل القلق أيضاً زيادة طفيفة بمقدار نقطتين مئويتين ليصل إلى 52%، ما يعكس توازناً لافتاً بين التفاؤل والحذر. 

وتبرز الولايات المتحدة بوصفها أكثر تحفظاً مقارنة بغيرها، إذ لا يتوقع سوى 33% من الأميركيين أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين وظائفهم، مقابل متوسط عالمي يبلغ 40%. 

كذلك يُعدّ الأميركيون من بين الأكثر اعتقاداً بأن هذه التقنية قد تؤدي إلى فقدان الوظائف بدلاً من خلق فرص جديدة، إلى جانب تسجيلهم أدنى مستوى من الثقة في قدرة حكومتهم على تنظيم هذا المجال بين الدول المشمولة في الاستطلاع.

انتشار غير مسبوق

ينتشر تبني الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، ويستفيد المستهلكون بشكل كبير من الأدوات التي غالباً ما يحصلون عليها مجاناً. 

وقد وصل تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى 53% من السكان خلال ثلاث سنوات، أي أسرع من انتشار الحاسوب الشخصي أو الإنترنت، مع اختلاف الوتيرة من دولة لأخرى.

موجة تعلّم ذاتي

يتخلّف التعليم الرسمي عن استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن الناس يتعلمونه في جميع مراحل حياتهم. يستخدم أربعة من كل خمسة طلاب في المدارس الثانوية والجامعات الأميركية الذكاء الاصطناعي في مهامهم الدراسية،

 لكن نصف المدارس الإعدادية والثانوية فقط لديها سياسات خاصة بالذكاء الاصطناعي، ويقول 6% فقط من المدرسين إن هذه السياسات واضحة.

 خارج الفصول الدراسية، يكتسب المحترفون مهارات الذكاء الاصطناعي الناعمة (مثل التوجيهات) بالإضافة إلى المهارات التقنية.

الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطبيب

كذلك بدأ الذكاء الاصطناعي يرسّخ حضوره في القطاع الصحي، فقد ساهم في تقليل الأعباء الإدارية عن الأطباء، عبر أتمتة كتابة الملاحظات الطبية وتحسين كفاءة العمل، ما انعكس إيجاباً على تقليل الإرهاق المهني داخل المؤسسات الصحية.

حمزة الترباوي
صحافي مغربي، متخصص في الشؤون التقنية