تدشين عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي منخفض الكلفة
بعد مرور أقل من ثلاث سنوات على الانطلاقة التجارية الواسعة للذكاء الاصطناعي التوليدي، يبدو أن الشركات بدأت تدخل مرحلة مختلفة من علاقتها بهذه التقنية.
فبعد موجة الإنفاق المكثف على النماذج الأكثر تقدماً، تتجه مؤسسات من مختلف القطاعات إلى إعادة النظر في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي، لا بسبب تراجع الثقة بقدراته، وإنما نتيجة الارتفاع الكبير في كلفة تشغيله، وما يفرضه ذلك من ضغوط على الميزانيات.
ويعكس هذا التحول انتقال المنافسة من السعي وراء أقوى نموذج متاح إلى البحث عن أفضل توازن بين الأداء والكلفة، في وقت تتزايد فيه الخيارات المطروحة في السوق، ولا سيما مع صعود النماذج المفتوحة والنماذج الصينية منخفضة الكلفة.
وتفيد معطيات أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال، أمس السبت، بأن عدداً متزايداً من الشركات الأميركية لم يعد يعتمد حصرياً على خدمات شركتي أوبن إيه آي وأنثروبيك، بل بات يوزع مهامه على أكثر من نموذج بحسب طبيعة العمل المطلوب.
فالمهام المعقدة التي تحتاج إلى مستوى عالٍ من الاستدلال أو التخطيط ما تزال تُسند إلى النماذج الأقوى، في حين تُنفذ الأعمال الروتينية أو المتكررة عبر نماذج أقل سعراً،
بعضها مفتوح الأوزان، وبعضها الآخر طوّرته شركات صينية مثل "ديبسيك" و"مونشوت إيه آي" و"ميني ماكس". وأدى هذا التوجه إلى خفض واضح في الإنفاق، من دون التضحية بمستوى الأداء في كثير من الحالات.
وأشار المسؤول في شركة كيرسر (Cursor)، مايك سايكس، إلى أن كثيراً من المؤسسات كانت تستخدم نماذج فائقة القوة لإنجاز أعمال لا تحتاج في الأصل إلى هذا المستوى من القدرات.
"كيرسر" تساعد الشركات على قياس العائد الاقتصادي من استخدام الذكاء الاصطناعي عبر تحليل استهلاك "التوكنات"، وهي الوحدة التي تُحسب على أساسها معظم تكاليف تشغيل النماذج اللغوية.
ولا يقتصر هذا التحول على الجانب المالي، إذ يحمل أيضاً أبعاداً جيوسياسية تتصل بالمنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين في قطاع الذكاء الاصطناعي.
ففي حين تعتمد الشركات الأميركية الكبرى، مثل "أوين إيه آي" و"أنثروبيك"، على نماذج مغلقة تتحكم بالكامل في تطويرها وتشغيلها، توسعت الشركات الصينية في تقديم نماذج مفتوحة الأوزان تتيح للمؤسسات تنزيلها وتشغيلها على بنيتها الخاصة وتخصيصها بحسب احتياجاتها،
وهو ما يجعلها أقل كلفة وأكثر مرونة. واتهمت الشركتان الأميركيتان عدداً من الشركات الصينية بالاستفادة من تقنياتهما في تطوير نماذج منافسة، بينما أثار انتشار هذه النماذج نقاشاً سياسياً داخل الولايات المتحدة بشأن مخاطرها الأمنية وإمكان فرض قيود على استخدامها.
في المقابل، ترى شركات تكنولوجية أميركية كبرى أن تشديد القيود قد يضر بقدرة الولايات المتحدة على المنافسة.
ولهذا وقعت شركات مثل "إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"بالانتير" رسالة مشتركة أخيراً، دعت فيها صنّاع القرار إلى التعامل بحذر مع أي توجه نحو فرض قيود على النماذج المفتوحة، ونبهت إلى أن الابتكار يتطلب الحفاظ على بيئة تنافسية تسمح بتعدد الخيارات.
وتعكس التجارب العملية حجم التغير الذي يشهده السوق. إذ أجرت شركة كيرسر مثلاً تجربة لبناء متصفح إنترنت كامل باستخدام نموذج GPT-5.5 وحده، لتتجاوز كلفة المشروع عشرة آلاف دولار.
وعندما أعيد تنفيذ المهمة مع توزيع العمل بين أكثر من نموذج، انخفضت الكلفة إلى 1339 دولاراً فقط، أي بتراجع يقارب 87%. وتوضح هذه النتيجة أن توزيع المهام بين نماذج مختلفة قد يحقق وفورات كبيرة من دون تأثير ملموس في جودة المخرجات.
وتتبنى شركات أخرى النهج نفسه. فشركة زووم، التي بدأت منذ سنوات استخدام نموذج لاما المفتوح الذي تطوره "ميتا"،
تؤكد أنها استطاعت تحقيق وفورات كبيرة بعد تخصيص النموذج بما يتلاءم مع احتياجاتها، مع استمرارها في استخدام نماذج "أوين إيه آي" و"أنثروبيك" للمهام الأكثر تعقيداً.
أما شركة هِكس المتخصصة في تحليلات البيانات، فتقول إن نحو نصف عملائها أدخلوا خلال الأسبوعين الأخيرين نموذج كيمي، الذي طوّرته شركة مونشوت إيه آي الصينية، إلى سير العمل لديهم، في ظل قناعة متزايدة بأن المرونة أصبحت أهم من الالتزام بمزود واحد.
ومن بين أبرز الأمثلة على هذا التوجه تجربة شركة تيلنيكس (Telnyx) التي كانت تعتمد على نموذج كلود من "أنثرروبيك" لتشغيل ألف وكيل ذكاء اصطناعي مستقل.
لكن بعد تعديل سياسة التسعير، وجدت الشركة أن استمرار العمل بالنموذج نفسه سيرفع فاتورتها إلى نحو مئة ألف دولار يومياً، ما دفعها إلى الانتقال نحو نماذج مفتوحة من شركة زد إيه.آي (Z.AI) الصينية، مع الإبقاء على نماذج "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" للمهام التي تتطلّب تخطيطاً أو مراجعة نهائية فقط.
واتبعت شركة هارفي، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي القانوني، استراتيجية مشابهة، إذ توزع المهام بين أكثر من نموذج بحسب مستوى تعقيدها، بحيث لا تُستخدم النماذج الأعلى كلفة إلا عندما تستدعي المهمة ذلك.
ولا يبدو أن هذا التحول عابر أو مرتبط بظروف السوق الحالية، بل يعكس بداية مرحلة جديدة في صناعة الذكاء الاصطناعي، تتراجع فيها أهمية الاعتماد على نموذج واحد لصالح منظومات تجمع بين نماذج متعددة، يختار كل منها وفق الكلفة والأداء وطبيعة المهمة.
وفي مواجهة هذا الواقع، بدأت "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" بدورهما تطوير نماذج أكثر كفاءة في استهلاك التوكنات وإطلاق خيارات أقل سعراً، في محاولة للحفاظ على قاعدة عملائهما في سوق تزداد تنافسية يوماً بعد آخر.