Logo

التوائم الرقمية: جيوش تختبر قراراتها في عالم افتراضي

 لم تعد تدريبات الجيوش الحديثة تقتصر على ميادين الرماية والذخيرة الحية، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على بيئات افتراضية فائقة الدقة تحاكي المدن وساحات القتال بكل تفاصيلها. ولم يعد الهدف تدريب الجنود على استخدام الأسلحة أو قيادة الدبابات والطائرات فحسب 

بل اختبار التأثيرات المحتملة للقرارات العسكرية على البنية التحتية والسكان وشبكات الإمداد، قبل تنفيذها على أرض الواقع.

ووفق تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان البريطانية، تقود شركة سكايرال (Skyral) هذا التوجه عبر تطوير ما يعرف بـ"التوائم الرقمية" للمدن، في إطار ائتلاف فاز أخيراً بعقد تبلغ قيمته ملياري جنيه إسترليني من وزارة الدفاع البريطانية لتحديث منظومة تدريب الجيش.

 وتبدأ إحدى عمليات المحاكاة بقافلة تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) تتحرك في أحد شوارع العاصمة اللاتفية ريغا، قبل أن تتعرض الدبابة التي تتقدمها لانفجار عند أحد التقاطعات.

 وتبدو الشوارع والمتاجر والمباني وحتى المارة حقيقية، لأنها مستوحاة من المدينة نفسها، لكن المشهد بأكمله افتراضي، صُمم لمحاكاة سيناريوهات قد تواجهها القوات في العمليات العسكرية.

تستخدم الجيوش المحاكاة في التدريب منذ سنوات طويلة، فعام 2002 أطلق الجيش الأميركي لعبة America's Army، وهي لعبة تصويب متعددة اللاعبين هدفت إلى محاكاة ظروف القتال، لكنها تعرضت لاحقاً لانتقادات باعتبارها أداة دعائية للتجنيد.

 إلا أن الجيل الجديد من المحاكاة يختلف عن تلك النماذج. فبدلاً من التركيز على أداء الجندي أو السلاح، يسعى إلى بناء نموذج رقمي يحاكي مدينة كاملة، بما يشمل البنية التحتية، وشبكات الكهرباء والمياه، والطرق، والكثافة السكانية، وحتى السلوك المتوقع للمدنيين عند وقوع الأزمات.

التوائم الرقمية

تعتمد هذه التقنية على مفهوم "التوأم الرقمي" (Digital Twin)، وهو نموذج افتراضي يحاكي كياناً حقيقياً ويُحدَّث باستمرار بالبيانات، بما يسمح بدراسة النتائج المحتملة لأي تغيير أو قرار قبل تطبيقه فعلياً.

 وتوضح "سكايرال" أن الهدف لا يقتصر على تدريب طيار مقاتلة على قيادة طائرة أو جندي على استخدام دبابة، بل يمتد إلى تدريب القادة العسكريين على فهم التداعيات غير المباشرة لقراراتهم. 

فإذا أصاب صاروخ شارعاً مزدحماً، قد يفر السكان من المنطقة، لكن إذا أدى القصف نفسه إلى تعطيل محطة كهرباء في يوم شتوي، فقد تتغير حركة السكان وطرق الإخلاء والضغط على الخدمات الأساسية، وهو ما قد ينعكس بدوره على سير العمليات العسكرية.

وتحاول المنصة محاكاة هذه السلسلة من التأثيرات، بدلاً من الاكتفاء بإظهار نتائج الضربة العسكرية المباشرة.

 تقول الرئيسة التنفيذية المشاركة لشركة سكايرال، نايومي هولم، إن المنصة "ربما يمكن وصفها بأنها نسخة فائقة التطور من لعبة فورتنايت لكنها تختلف عنها في الهدف والوظيفة". 

وتوضح، في حديثها لـ"ذا غارديان"، أن الشركة استفادت في بداياتها من تقنيات تطوير العوالم الافتراضية، قبل أن تحولها إلى منصة تجمع طبقات متعددة من البيانات لبناء نموذج يحاكي مدينة حقيقية وساحة معركة في الوقت نفسه. 

وتضيف أن النماذج التي كانت تُطوَّر سابقاً بصورة منفصلة، مثل شبكات الطاقة أو الخصائص السكانية أو أنظمة النقل، أصبحت اليوم تُدمج في نموذج واحد، بحيث يمكن تتبع تأثير أي قرار على باقي عناصر النظام.

ورغم أن مصطلح "التوأم الرقمي" أصبح مرتبطاً أخيراً بالتطبيقات العسكرية، فإنه ظهر أساساً في القطاع الصناعي، حيث استُخدم لمحاكاة أداء الآلات والمعدات والتنبؤ بالأعطال واحتياجات الصيانة. 

لكن تطور قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي سمح بتوسيع المفهوم ليشمل المدن والأنظمة المعقدة، وأصبح يُستخدم في مجالات متعددة، من بينها التخطيط الحضري، وإدارة الكوارث، والبعثات الإنسانية، وحتى العمليات الجراحية.

محاكاة الحروب

في السياق نفسه، تعمل شركة باور سايز تكنولوجيز (Power Size Technologies) مع الجيشين البريطاني والأميركي على تطوير نماذج رقمية لأنظمة الطاقة العسكرية 

 بدءاً من بطاريات الدبابات ووصولاً إلى الألواح الشمسية المستخدمة في القواعد العسكرية، بهدف اختبار الخيارات المختلفة قبل استثمار ملايين الدولارات في تنفيذها.

وعلى الرغم من أن الأبحاث حول فاعلية هذه التقنيات لا تزال محدودة، فإن الدراسات تشير إلى أن التدريب بالمحاكاة يحسن أداء العسكريين في عدد من المجالات، ولا سيما الطيران، كما يتيح تكرار التدريب مرات عديدة بكلفة أقل كثيراً من المناورات الميدانية. 

وتبقى هذه المحاكاة عاجزة عن تمثيل الواقع بكل تعقيداته، لكنها توفر للقادة والجنود فرصة لاختبار سيناريوهات يصعب أو يستحيل تنفيذها عملياً، وهو ما يفسر الاستثمارات الضخمة التي تضخها الجيوش في هذا المجال.

وترجح "ذا غارديان" أن يكون الجيش البريطاني من أوائل الجيوش التي تعتمد "التوائم الرقمية" على نطاق واسع، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيئات الافتراضية لإعادة صياغة أساليب التدريب والتخطيط العسكري.