"مرايا رقم 3": سينما موحية ومُنسابة وفيلم غامض وحسّاس
"مرايا رقم 3" فيلم مختصر وغامض وحسّاس ورائع وخفيف بشكل مخادع، أخرجه الألماني كريستيان بيتسولد الذي، بعد مسيرة طويلة، ظهر للمرة الأولى في "أسبوعا السينمائيين"، في الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ" بفيلمه هذا،
وكان يمكن إدراجه بسهولة في المسابقة الرسمية. في 85 دقيقة، يواصل بيتسولد نهجه الأكثر ريفية ومعاصرة منذ "سماء حمراء" (2023)، المتضمّن مشاهد عدّة لباولا بير (الممثلة الاستثنائية، ونجمة آخر أربعة أفلام له)، راكبة دراجة هوائية. هذه ليست وسيلة تنقل وحيدة تستخدمها شخصيتها لورا، لكنها في المتناول، وتقودها بعد حادث يغيّر حياتها.
في بداية جديده، تقف لورا أمام نهر، وتبدو بمزاج انتحاري. سريعاً، تُشاهَد منطلقة في رحلة عمل ـ إجازة مع صديقها وزوجين آخرين. لكن، بينما يتحدّثون جميعاً بنشاط، تنعزل لورا بين تشتّت وانفصال. عند وصولهم، تخبر صديقها برغبتها في العودة إلى برلين. وعندما يُقرّر على مضض إيصالها إلى محطة العودة، يقع حادث غريب، وتنقلب السيارة في طريق صغير متعرّج.
إصابات صديقها قاتلة، وإصاباتها طفيفة. هناك، التقت بيتي (باربرا أوير)، جارة رأتهما يمرّان أمام منزلها على الطريق السريع، وتبادلت معها لورا نظرات غريبة. تفضّل الفتاة المعنَّفة البقاء في منزل المرأة، بدلاً من الذهاب إلى المستشفى. يركّز الفيلم على هذه الإقامة غير العادية، التي تصبح أكثر غموضاً مع مرور الأيام، ومع ظهور ابن بيتي وشريكها (إينو تريبس وماتياس براندت)، العامِلَين في ورشة إصلاح سيارات قريبة.
بين وجبات وملابس مستعارة، واستماع متكرر لإحدى أعظم أغنيات البوب، والعزف على البيانو (لورا عازفة بيانو)، وبعض الارتباك، ولقاءات غامضة نسبياً، يتكشّف "مرايا رقم 3"، كما يخمّن المرء، حاملاً سرّاً مرتبطاً بالعلاقة الوثيقة بين لورا وتلك العائلة، خاصة بيتي، إلى درجة أن المرأة، بمجرد أن تُشفى من سكتتها الدماغية، تريد البقاء هناك فترة أطول. تبدو بيتي أكثر من سعيدة بهذا القرار. من ناحية أخرى، ينظر زوجها وابنها إلى كلّ شيء بمزيد من الشكّ.
هذا الغموض، كأفلام عدّة لبيتسولد، مهمّ، لكنه ليس حاسماً أو فريداً في القصة. لا يُقدَّم بالضرورة كلغز يجب حلّه، بل عنصر يشكّل منطق العلاقات بين الأبطال. في الواقع، لورا نفسها (لا يُعرف الكثير عنها، وليس واضحاً ما حدث لها في بداية الفيلم) غامضة بالقدر نفسه، وربما أكثر من هذه الأسرة البديلة، التي تأخذها كما لو كانت خارجة من قصة خرافية للأطفال.
الفيلم، المشارك في الدورة 46 (12 ـ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان القاهرة السينمائي، ينساب موحياً بروابط غير محدّدة. يتطلّب حدساً. وكغيره من أفلام بيتسولد، يدور حول شخصيات نسائية جذّابة، ويؤثر في المتفرّج من دون محاولة التلاعب به.
في سينما بيتسولد، كما في سينما التايلاندي أبيشاتبونغ فيراسيتاكول، هناك حضور بارز للأشباح. الشبح هنا (شخص فَقَد انتماءه)، المُهمّش والعاطل عن العمل، أو غير المحبوب، شخصية مهمة. كذلك السيارة، التي "تؤسّس فردانية وذاتية" (على حدّ تعبير المخرج). حادث السيارة دافعٌ سردي متكرّر في أفلامه الأخرى، كـ"يِلاّ" (2007) و"أمن داخلي" (2001). كما الماء وانعكاساته، وأصوات الطبيعة، كلّها مكررةٌ في أعماله. في "مرايا رقم 3"، تحضر الريح، تماماً كالماء في "أوندين" (2020)، والنار في "سماء حمراء".
المخرج الألماني مؤلِّف بالمعنى الحقيقي للكلمة، فهو يكتب سيناريوهاته الخاصّة، ويبني أكوانه الخاصة، وينظّم سلسلة أفلام يرتبط بعضها ببعض، موضوعياً وبنائياً. هنا، تعصف الريح بشخصياته، كما لو كانوا بحّارة غارقين يحاولون النجاة من كوارثهم الشخصية غير المعلنة. وكما أشار بيتسولد نفسه في مقابلة: "أحبّ الاعتقاد أنه في فيلمي توجد امرأة ميّتة وأخرى حيّة، وكل منهما تنظر إلى الأخرى في المرآة.
الأمر يشبه إلى حدّ ما "ريبيكا" لهيتشكوك". بالمناسبة، لا شيء في "مرايا رقم 3" فانتازياً عمداً. لكن، كما الحال غالباً مع أفلام بيتسولد، يحصل المرء على انطباع واضح بأنه رغم واقعيته يكون فيلم رعب متخفّ، يُفضَّل عدم الكشف عن نوعه، كـ"يِلاّ". هنا تكمن غرابته وجماله وغموضه.
هذا فيلم يلعب بأفكار هيتشكوك، عن استبدال الهوية، وفقدان الذاكرة المحتمل، والجنون. لكن، على عكس ميلودراما فيلمه السابق، "فينيكس" (2014)، يستخدم نبرة أخفّ وأكثر راحة، تذكّر بـ"رجل بلا ماضٍ" (2002) لآكي كاوريسماكي، لكن بمفتاح ـ بطولة نسائي/ة.
"مرايا رقم 3" (يُشير العنوان إلى الحركة الثالثة من متوالية بيانو منفردة، لموريس رافيل)، استكشافٌ آسرٌ للخسارة والشفاء، وكيفية مواجهة الماضي للمضي قدماً، بأسلوب بيتسولد الأنيق المميّز. عملٌ صغير في مُنجز السينمائي الألماني، لكنه مُحمّل بالقدر نفسه من مشاعر خفية، من النوع العابر الذي لا يدرك المرء قوته الحقيقية إلا لاحقاً.
إنّه كوميديا درامية عن الفرص الثانية، والعائلات البديلة، والإمكانية المأسوية المعجزة لعيش حياة جديدة وغير متوقّعة. إنّه ثمرة متأخرة لأحد أفضل صنّاع الأفلام المعاصرين.