Logo

"مطبخ المدينة"... ما أحدثته الحربُ في الإنسان السوري ومزاجه

 يهتمّ مسلسل "مطبخ المدينة" (سيناريو وحوار علي وجيه وسيف رضا حامد، إخراج رشا شربتجي) برصد الإصابات التي أحدثتها الحرب السورية في النفوس، وهي إصابات لم ينجُ منها أحد، على عكس الإصابات الجسديّة.

يحدث ذلك من خلال رصد أحوال أفراد عائلةٍ ظلَّت تعيش في دمشق خلال السنوات السابقة، بكلِّ ما شهدته من أهوال، هي عائلة الجمل، التي تُدير مطعماً كان يعمل فيه الأب وصار يُديره، بعد هجرة صاحبه إلى كندا.

يبدو لافتاً حجم الضغط النفسي والإرهاق البدني الذي تعيشه الشخصيّات، في ظلِّ الظروف الأمنية، والغلاء المستمرّ في أسعار المواد الذي يُسابق زيادة أسعار وجبات المطعم، 

ويجعل التعب والجهد المبذولين في العمل بالكاد كافيين لسدّ الرمق، ما يُسعّر الجشع إلى تحصيل المال بأيّة طريقة، مُسقِطاً المحرَّمات كافّة،

 إضافةً إلى التنافس والغيرة وسوء التفاهم بين رجال العائلة الأربعة؛ الأب المكافح والعصامي (عباس النوري)، وأبنائه الثلاثة مختلفي الأمزجة، الذين يغرق كلٌّ منهم في مشاكله ومشاغله الخاصّة.
 
تسير الأحداث زمنياً في خطّين: الأول هو الزمن الحاضر، وهو في المسلسل سنة 2024، في الأشهر التي سبقت سقوط النظام، والخط الثاني أقدم، يعود إلى ما قبل 12 سنة. 

يؤرِّخ لذلك ضياع الابنة الوحيدة للعائلة، بعد أن فقدها خالها الكبير عبد الكبير (عبد المنعم عمايري) في مدينة ألعاب، ما خلّف لديه مشكلة نفسية، وخللاً في النطق،

 كما زعزع ثقته بنفسه وأفقده المكانة التي كانت له في العمل مساعداً أوّل لأبيه الشيف الرئيسي في المطبخ المعروف.

يفتح ضياع البنت الباب أمام منحى جديد في قصّة المسلسل، فما دام لم تُطلب فِديةٍ مقابل إعادتها، فهناك شكوكٌ قويّة بأنّه اختُطفت لتشغيلها في إحدى شبكات التسوّل العديدة التي انتشرت في دمشق خلال سنوات الحرب والتي تدرُّ كثيراً من المال،

 حتى أنّ دخلها يفوق الدخل في أيّ عمل آخر، ما يُثير دهشة المشاهد التي عبّر عنها الشيف طلحت الجمل، الذي صار يوزّع سندويش الحمّص فطوراً للأولاد قبل أن ينتشروا في الشوارع، علّه يجد ابنته بينهم.
 
غيّرت الحرب في نفوس أفراد العائلة، كما تفعل دائماً في نفوس الناس الذين يعيشون مآسيها، وورَّطتهم في الفساد المواكب لها وفي الاقتصاد الناشئ عنها، خاصّة حين يوجد من يُيسِّر هذا التورّط ويرعاه، وهو في حالة أفراد هذه العائلة قريبهم المحامي صادق (خالد القيش).

 بحثُ طلحت الجمل عن ابنته الضائعة لم يشمل التكفّل بالفطور اليومي للشحّاذين وحسب، بل إنّه اتّفق مع عاملٍ في مشرحة أحد المستشفيات لكي يُخبره عندما ترده جثّة فتاة يتراوح عمرها بين 16 و17 سنة، ليفحص بعدها بطنها بالإيكو للتأكّد من امتلاكها ثلاث كلى، 

وهو الأمر المميز لابنته الضائعة، حتى لو تطلّب ذلك إخراج الجثة من المستشفى إلى عيادة طبيب خاص.
 
أمام هذا، يجد الأب الملهوف نفسه مُجبراً على ردّ الخدمة للعامل في المشرحة، فيضطرّ إلى تخزين أدوية مسروقة يأتي بها الأخير في برّاد مطعمه، قبل أن يصحو ضميره ويخشى من انكشاف أمره أمام أولاده، فيُبلغ عن الأدوية ويرضى بعقوبة السجن لتعاونه في الجريمة.

لا يعرف طلحت أن ابنه الأكبر يمتهن شهادة الزور في القصر العدلي مقابل أجر مادّيّ، حاله حال مجموعة من الأشخاص الآخرين، 

وأنّه ينتحل صفة ضابط أمنٍ كذلك، يحصل على رشى ماليّة مقابل التستّر على المخالفات في المحالّ التجارية التي ينقضّ عليها ليلاً في سيارة أمن حقيقية يقودها عنصر يشترك معه في غزواته. 

لا يعرف كذلك أن ابنه الأوسط، شجاع (مكسيم خليل) يحترف السرقة، خاصّة سرقة السيارات، بعد أن شاهد النهب الذي قام به الجيش في ضواحي دمشق خلال فترة خدمته العسكريّة الإلزامية واعترض عليه، ثم وجد نفسه متورّطاً فيه.

أما الابن الأصغر رضا (ملهم بشر)، فقد نجا في الحلقات الأولى من أيّ تورّط مُخِلّ بالقانون أو مسيءٍ إلى تربيته، وذلك ربّما لأنّه تدارك نفسه بالذهاب إلى طبيبٍ نفسي، بعد الفراغ والصدمة اللذين خلّفهما فيه ضياع أخته.
 
يتسلّم هذا الابن الحسابات في المطعم، وقد تأكّد من شكّ الأب بحدوث سرقةٍ لزيت الزيتون في المطعم الذي لا يعمل فيه أحد من خارج العائلة، تبيّن أن المسؤول عنها زوجة الأخ الأكبر (ميسون أبو أسعد)، التي تُجمّع المال، سرّاً، تمهيداً لأمر تُخطّط له.

إلى جانب عمله البعيد عن ضغوط طلبات الزبائن وتحضير الأطباق، يُفرّغ رضا قلقه وخيباته من خلال فقراتٍ من ستاند أب كوميدي يُلقيها في ملهى، كما يُتابع قصّة حبّه المضطربة بفتاةٍ تعاني من الاكتئاب، التقاها في عيادة الطبيب النفسي نفسه، 

وقد حاولت هذه الفتاة الانتحار بعد أن تلقّت خبراً يُفيد باحتضار أمّها، التي تركتها وانتقلت للعيش عند ابنها الآخر في أوروبا.

أحداثٌ عديدةٌ يعد بها السيناريو المشوّق في الحلقات القادمة من "مطبخ المدينة"، أمام كل المخبوء المُرجّح للانكشاف في الحياة السرّيّة للشخصيات، وأحوالها المضطربة ودروبها المتقاطعة، ومحاولاتها للانسحاب ممّا تورّطت فيه، التي تُشبه حركةً في رمالٍ متحرّكةٍ لن تؤدّي إلّا إلى المزيد من الغرق،

 إضافةً إلى العالم الواسع لشبكات التسوّل، والخدمات المتعدّدة التي يمكن لأفرادها تقديمها، والتي تبدأ بمراقبة الشوارع التي يطلبون الصدقات فيها، ومعرفة الأشخاص الذين يقطنونها أو يملكون محالّ فيها، ولا تنتهي بالمشاركة في سرقة السيارات وتفكيك قطعها وبيعها.

ساري موسى
كاتب من سورية