مسلسل "مولانا"... الشيخ الهارب الذي جاء من الصدفة
لا يمكن تناول مسلسل "مولانا" من دون العودة إلى حكايات كثيرة تطرّقت إليها السينما أو الدراما العربية. يحكي "مولانا" قصة جابر (تيم حسن) الذي قتل صهره الضابط في الجيش السوري وفرّ هارباً. في عام 1986،
قدّم المخرج المصري أحمد فؤاد فيلم "الحدق يفهم"، بطولة الممثل محمود عبد العزيز (1946 ــ 2016) الذي لعب دور جابر أيضاً، وتحول بين ليلة وضحاها إلى شيخ صاحب طريقة في إحدى قرى الريف المصري.
في عام 2019، وضع الكاتب السوري سامر رضوان حكاية أمير ناصر (عابد فهد) محوراً أساسياً في مسلسل "دقيقة صمت"، إخراج الراحل شوقي الماجري، الذي سمح لأمير بالدخول إلى القرية بوصفه داعيةً، بعد هروبه من حكم إعدام كاد يُنفّذ به وبصديقه.
لكن قصة "مولانا" اليوم تتقاطع قليلاً مع تلك الحكايات، لجهة الشيخ الكاذب الذي يتحول إلى أيقونة في القرى البعيدة ويصبح مرجعية دينية.
المكان قرية العادلية. بعد أحداث مسلسل "الهيبة" والقرية التي حملت الاسم نفسه، وقدّمها الممثل السوري تيم حسن والمخرج سامر البرقاوي في خمسة أجزاء بين عامي 2017 و2021،
ها هما يرسمان اليوم نموذجاً آخر عن المكان والزمان للرواية؛ شارعان في بلدة دير القمر في جبل لبنان، التي تحولت إلى رمز آخر من رموز تيم حسن، الذي يدرك جيداً كيفية اللعب على الأحداث واختيار الحكايات منذ أن خرج من عباءة جبل شيخ الجبل في "الهيبة" قبل خمس سنوات.
عاد تيم حسن بعدها إلى مساحته في الدراما السورية وقدّم "الزند: ذئب العاصي" (2023)، إذ يواجه شاب يدعى عاصي الزند أكبر تحد في حياته بعد عودته من الخدمة العسكرية ليجد نفسه وسط مؤامرات خطيرة أطرافها شخصيات ذات سلطة في منطقة نهر العاصي.
كذلك، قدّم دور المحقق موسى في "تحت سابع أرض" خلال الموسم الرمضاني الماضي، للكاتب عمر أبو سعدة، إذ يكتشف الضابط النزيه موسى، أن أخويه يزوّران الدولارات، ويجد نفسه في مأزق أخلاقي:
إما أن يتركهما يواجهان العصابات بمفردهما، وإما أن يدير هذا العمل غير القانوني بنفسه لحمايتهما.
في "مولانا" (يُعرض خلال رمضان الحالي)، يؤدي تيم حسن دور جابر الذي يقتل صهره الضابط السوري الذي يعنّف شقيقته، ويهرب، ليلتقي صدفةً بسليم العادل (يحيى مهايني)، الذي برهن في حلقة واحدة أن قيمة الدور لا تُقاس بطوله.
في حلقة واحدة فرض نفسه وحضوره، وكان كافياً ليذكرنا بأن الحضور أمام الكاميرا يكون جيداً عندما يكون الممثل ممتلئاً بالشخصية، ولا يعوّل على حجم الدور، ليؤكد أن الفن الحقيقي يُقاس بالأثر، لا بعدد الحلقات.
ينتهي دور سليم العادل في بداية المسلسل بالموت في حادث سير على الطريق إلى العادلية، بعدما اصطحب معه جابر إلى القرية واختاره مساعداً شخصياً له.
يستغل جابر الحادث، ويسرق هوية العادل، ويتوجه إلى القرية نفسها مدعياً أنه سليم، المتحدر من عائلة صوفية تتمتع بكرامات دينية، ويولّي نفسه حاكماً على القرية.
في المواجهة، يجد جابر العاطفة والقبول من أهل القرية. تُقام له الولائم ويتبارى الناس في أخذ بركته، في قالب مشوّق لا يخلو من بعض التفاصيل التي أرادها تيم حسن والمخرج سامر البرقاوي لافتة.
يعاني جابر من لُثغة في حرف الجيم، إذ يحوّله إلى الزاي، فتحوّل اسمه إلى زابر.
ومع ذلك، استغل المتابعون على مواقع التواصل الاجتماعي الأمر، وعمدوا إلى إصدار مقاطع موسيقية إيقاعية من مفردات تيم حسن التي استخدمت في "مولانا".
ولم يقف الأمر عند حدود بعض الكلمات، بل تحوّل اسم جابر إلى ترند وغزا حملات إعلانية أطلقها كثير من المتاجر التي وضعت الاسم نفسه، نوعاً من الإعلان لكسب جمهور تيم حسن.
يطرح مسلسل "مولانا" قضية مهمة شائكة، بعيداً عن كليشيهات ما بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والمسلسلات التي خرجت حول النظام والقمع والتعذيب والسجون والمعتقلين إبان حكم الأسد.
في "مولانا" تتغير الخريطة في طريقة قلب الصورة في القصة والإخراج، واستغلال جابر في مواجهة السلطة السياسية والأمنية المتمثلة بقائد المنطقة العقيد كفاح الذي يؤدي دوره فارس الحلو؛
إذ أعاده البرقاوي إلى التمثيل بعد 14 عاماً من النفي الذي اختاره الممثل السوري بنفسه بفعل الحرب ومعارضته لنظام الأسد.
المواجهة إذاً تتركز بين سلطة العقيد كفاح والمرشد سليم العادل، الذي يمثل أبناء القرية بعدما ولّوه الأمر وأصبح حاكماً وولياً تُقدَّم له الهدايا والطعام والنذور.
فريق الممثلين كان موفقاً. الممثلة منى واصف (84 عاماً) إضافة مهمة كما في كل مشاركة لها مع تيم حسن.
واللافت أن البرقاوي ابتعد عن الوجوه التقليدية في الدراما السورية، مستفيداً من نجاح الممثلة نور علي بدور شهلا، شقيقة سليم، التي تتفق مع جابر بعدما يخبرها بحقيقة مصرع شقيقها لاستغلال بيع أملاك عائلة العادلي، ثم تنشأ بينهما قصة حب.
إلى جانب أهل القرية وتفرد زينة (نانسي خوري) بدور المعجبة التي تسعى إلى الفوز بقلب "مولانا"، وكذلك جواد (غابرييل مالكي) الذي يؤدي دوراً معارضاً لوجود "مولانا" ويتهكم على أهل قريته وموقفهم مما يحصل، وهو يبشّر بولادة ممثل يستحق مكانه.
كل هذا التغيير في مسار تيم حسن الدرامي يأخذه كل سنة إلى مشهد آخر، ويزيد من تفاعل جمهوره العريض في العالم العربي.
وتبقى الإشارة إلى انتظار المشهد الأخير في العادلية: هل تنتصر الثورة المفترض أن يقودها قاتل ومدّعٍ للتصوف بلباس الدعاة على سلطة أشد بطشاً وتنكيلاً بأهل القرية، وربما بالوطن كله؟