الإذاعة الحكومية المصرية... الغناء العربي على موجات القاهرة
كان انطلاق الإذاعة الحكومية المصرية عام 1934 لحظة مفصلية في تاريخ الفن الغنائي والموسيقي، لا في مصر وحدها، وإنما في كل منطقة الشرق الأوسط، وعموم البلاد العربية.
ولدت الإذاعة بعد إرهاصات ومقدمات تتبعها الباحث والناقد المصري عبد الرحمن الطويل، في فصل كامل من فصول كتاب "القاهرة الملكية" الصادر عن دار العين بالقاهرة، بإشراف وتحرير نزار الصياد، أستاذ العمارة وتاريخ العمران في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، بالولايات المتحدة الأميركية، وحسن حافظ، المؤرخ والباحث بجامعة القاهرة.
ينقسم الكتاب إلى 15 فصلاً، توزعت على 11 باحثاً، وتناولت جوانب مختلفة من تاريخ القاهرة في الحقبة الملكية، أي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1922 و1952. ومن أهم تلك الجوانب: العمارة، والثقافة والفنون، والسينما، والتماثيل، والصحافة، والجبانات، والإسكان.
وتحت عنوان "الإذاعة.. صوت مصر الملكية" رصد الطويل بدايات ظهور الإذاعات الأهلية في السنوات الأولى من عشرينيات القرن الماضي، وهي بدايات صدرت عن هواة، واتسمت بطابع فردي، وتعرض كثير منها للانتكاس،
قبل أن تصل إلى درجة من الاستقرار النسبي مع صدور مرسوم ملكي في مايو/أيار 1926 يحدد ضوابط الترخيص باستعمال "أجهزة الموجات الأثيرية في القطر المصري"،
وحدد المؤلف أسماء 25 محطة بث إذاعي أهلية، من أشهرها: سابو، فؤاد، فاروق، الأميرة فوزية، الأميرة فاطمة، مصر الجديدة، أمير الصعيد.
مثلت البرامج الموسيقية والغنائية الجانب الأهم من بث هذه الإذاعات، ويؤكد المؤلف أن فقراتها اشتملت على وصلات غنائية لعدد من مشاهير الطرب، مثل صالح عبد الحي، والشيخ أمين حسنين، وعبد الغني السيد.
كانت هذه الوصلات حية ومباشرة، ولم تكن من خلال تسجيلات، فحين يستمع الجمهور إلى صوت مطرب ما، فهذا يعني أن المطرب حاضر بنفسه في مقر الإذاعة، ويغني مباشرة من داخل استوديو البث.
وربما كان ذلك هو السبب الرئيس لفشل هذه الإذاعات في استقطاب أم كلثوم وعبد الوهاب للغناء المباشر عبر أثيرها.
يرى المؤلف أن مقاطعة قطبي الغناء للإذاعات الأهلية قد يكون راجعاً إلى عدم قدرة هذه الإذاعات على توفير شروطهما المادية، مع الإقرار بنجاح عدد من تلك المحطات في توفير مادة غنائية جيدة لسكان العاصمة، وتعويض غياب أم كلثوم وعبد الوهاب ببث أغانيهما المسجلة على أسطوانات.
لكن أهم ما أنتجه بحث عبد الرحمن الطويل في تاريخ الإذاعات الأهلية، يتمثل في خلخلة السردية المستقرة عن دور هذه الإذاعات في نشر التفاهة والانحطاط الفني وإغراق المستمع القاهري بالأغاني الخليعة والبرامج المتسمة بالخفة، مع تحرر شبه كامل من القواعد المهنية.
يؤكد المؤلف أن برامج المحطات الإذاعية الأهلية تضمنت في كثير من الأحيان تلاوات قرآنية، وقطعاً تمثيلية، ومحاضرات ثقافية، إلى جانب غناء بأصوات عدد من مشاهير الطرب.
وينقل المؤلف عن الموسيقي المخضرم عبد الحليم نويرة (1916- 1985) رؤية أكثر توازناً، إذ اعتبر أن المحطات الأهلية "قامت برسالة طيبة في نشر الغناء بين المواطنين"،
ويخلص الطويل إلى أن هذه المحطات كان لها دور مهم في تهيئة القاهريين لاستقبال إرسال الإذاعة الحكومية، وأنها وسعت الاهتمام بالراديو، الذي كان قد انتشر في المقاهي وبيوت الأغنياء والأعيان.
في 29 مايو عام 1934، وقبيل انطلاق صوت الإذاعة الحكومية الرسمية بيومين فقط، سكتت الإذاعات الأهلية إلى الأبد.
يرصد المؤلف تاريخاً طويلاً من المُكاتبات والمفاوضات بين الحكومات المصرية المتعاقبة وسلطات الاحتلال البريطاني بشأن إطلاق إذاعة حكومية رسمية.
يوضح المؤلف أن الأخذ والرد بين مصر وبريطانيا بشأن الإذاعة بدأ مبكراً، وتحديداً في عام 1926 حين أرسل المندوب السامي البريطاني جورج لويد كتاباً إلى رئيس الوزراء أحمد زيوار باشا، يحظر إنشاء إذاعة حكومية، كما يشير المؤلف إلى أن هذا الحظر استمر إلى عام 1932.
وفي كل هذه الفترة، بدا واضحاً أن سلطات الاحتلال كانت قلقة من تحويل الإذاعة إلى منبر سياسي، وكانت الموافقة على تدشينها مشروطة بعدم استخدامها للأغراض السياسية والحزبية.
وقد طاولت الهواجس البريطانية جانب الفنون التي ستقدمها الإذاعة المنتظرة، وفي مقدمتها الموسيقى والغناء، وينقل المؤلف عن مصادر تأريخية أن خبراء وزارة المستعمرات البريطانية، وضعوا خلال اجتماعهم بالقاهرة في يناير/ كانون الثاني 1934، عدة بنود لضبط الحالة الغنائية في الإذاعة المنتظرة،
منها "أن تظل السيطرة للأغاني الشرقية ذات التخت، وعدم ضم مصر إلى اتفاقيات حقوق المؤلف، وتضييق الخناق على المؤلفين بتشديد قوانين الرقابة، وتمجيد المطرب على حساب الكاتب والملحن".
يرى المؤلف أن السلطات البريطانية خشيت أن يتسرب صوت القضية الوطنية إلى الإذاعة عبر كلمات المؤلفين.
رغم كل الصعاب والعقبات، جاءت اللحظة المنتظرة، مساء 31 مايو 1934، وانطلق بث الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، أو "إذاعة القاهرة" التي مثّل بدء إرسالها لحظة مفصلية في تاريخ الغناء والموسيقى في مصر والبلاد العربية وكل بلدان الشرق الأوسط.
كان يوم الإذاعة الأول إعلاناً بأن الفن الغنائي والموسيقي ستكون له المساحة الكبرى والأهم في بث الإذاعة التي بدأت عملاقة في أول أيام إرسالها، فبعد تلاوة قرآنية بصوت الشيخ محمد رفعت، توالت الفقرات الموسيقية والغنائية، بأصوات أم كلثوم، وعبد الوهاب، وصالح عبد الحي وفتحية أحمد، ورياض السنباطي.
أنصتت الجماهير إلى مستوى رفيع، لا يقبل بأدنى تهاون، وأدرك كل مهتم بالفنون أن هذه الإذاعة محكومة بمعايير عالية وقواعد صرامة، وأن الوصول إلى أثيرها لن يناله إلا أصحاب المواهب الفذة من المطربين والموسيقيين.
برأي المؤلف، فإن النقل الخارجي للحفلات الغنائية كان من أهم أنشطة الإذاعة في سنواتها الأولى، إذ تشكّلت ثم ترسّخت ثقافة الاستماع إلى المادة الحية المباشرة لا المسجلة، وترتب على ذلك أن أصبح الجمهور شريكاً في إنتاج المادة الإذاعية، من خلال تفاعله مع المطرب بالتصفيق وكلمات الاستحسان.
يوضح المؤلف أن نقل الفعاليات الغنائية والموسيقية حظي بمساحة كبيرة من بث الإذاعة، التي نقلت الحفلات الغنائية من معهد الموسيقى الملكي، ومن دار الأوبرا، ومن مسرح حديقة الأزبكية، ومسرح الليسيه بشارع الفلكي، ومن قاعة إيوارت بالجامعة الأميركية، ومن مسارح شارع عماد الدين، ومن النادي الأهلي، ونادي فاروق (الزمالك لاحقاً) ومن كازينو كوبري الجلاء وغيرها..
وينقل المؤلف عن مصادره أن أول حدث غنائي نقلته إذاعة القاهرة كان حفلاً لفريد الأطرش عند سفح الهرم.
يقف المؤلف مطولاً أمام نقل الإذاعة لحفلات أم كلثوم، باعتباره الحدث الأهم والأعمق تأثيراً على المستوى الفني والثقافي والاجتماعي لنحو أربعة عقود، إذ أصبح هذا اللقاء "أخطر موعد فني، وأهم تقليد سماعي تجتمع على أجهزة الراديو من أجله الناس في البيوت والمقاهي،
وتلغى من أجله الارتباطات، وتؤجل له المواعيد، لتمسي تلك الفعالية الشهرية عيداً مقدساً لأهل القاهرة وسائر القطر المصري والبلاد العربية".
ويستعرض الطويل قصة أم كلثوم مع البث الإذاعي، التي بدأت منذ الليلة لأولى لانطلاق الإذاعة حيث غنّت أم كلثوم في الساعة السابعة إلا الثلث مساء، ثم غنّت مرة ثانية بعد الافتتاح بيومين، وكانت مدة كل وصلة 40 دقيقة.
يشير المؤلف إلى أن مزاج أم كلثوم لم يكن متوافقاً مع الغناء مدة طويلة داخل استوديو مغلق، ويرجّح أن المنافسة مع عبد الوهاب الذي قبل الغناء من استوديوهات المحطة الحكومية، فرضت على كوكب الشرق أن تقبل بما لا ترتاح إليه.
كان ذلك من الأسباب التي عجّلت لاحقاً بقبولها عرض الإذاعة لنقل حفل شهري لها على الهواء، وهو ما تحقق للمرة الأولى من قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأميركية في ميدان التحرير، يوم الخميس الموافق 11 مارس/آذار عام 1937، ثم استقر موعد الحفل في الخميس الأول من كل شهر.
كما استقر في الحياة الفنية ما عرف بالموسم الغنائي، وهي الفترة السنوية التي تقدم فيها كوكب الغناء حفلاً شهرياً، ويبدأ هذا الموسم غالبا بشهر سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول، وينتهي في شهر يونيو/حزيران.
يشير الطويل إلى أن الجماهير العربية في كل مكان باتت تترقب هذا الموسم للاستماع إلى زعيمة الغناء، وكذلك الاستماع إلى جمهورها وهو يصفق تحية لها عند فتح الستار، وعند وقوفها بعد انتهاء المقدمة الموسيقية، أو وهو يهتف طالباً أغنية بعينها، أو مستعيداً مقطعاً من الأغنية،
أو وهو يصيح بعبارات التعظيم والشوق إذا طال غيابها، أو وهو يتفجر بالآهات حين تأتي بتصرف مفاجئ أو ارتجال مطرب.
ويرى الطويل أن سلطان حفلة أم كلثوم الشهرية بلغ درجة كبرى من الهيمنة التي لا يمكن تجاوزها، إلى درجة أن تلغي السفارة البريطانية حفلاً رتبته للممثلة الإنكليزية فيفيان لي (1913- 1967) من أجل الترفيه على الجنود البريطانيين في مصر، لأن موعده تصادف مع موعد الحفل الشهري لأم كلثوم.
استمر هذا التقليد الإذاعي 36 عاماً، حيث خُتم بحفل أم كلثوم الأخير الذي أقيم بدار سينما قصر النيل مساء 4 يناير/ كانون الثاني عام 1973. رسخ حفل أم كلثوم الشهري مكانة سيدة الغناء، إذ ظلت لعقود المطربة الوحيدة التي يحضر لها الجمهور بانتظام حفلاً شهرياً، لكنه أيضاً رسّخ - برأي المؤلف - مكانة إذاعة القاهرة بين جماهير البلاد العربية.
تناول الطويل في بحثه أثر الإذاعة على مهن الغناء والفنون القولية المباشرة، مثل الحكواتي أو شاعر الربابة، الذي كان يقدم فنه على المقاهي وسط تجمع من روادها.. اقتنت المقاهي أجهزة الراديو، وصار جمهورها يستمع من الإذاعة إلى فقرات أكثر تنوعاً وأقدر على تسلية الزبائن، واختفت تلك المهن الفنية المباشرة.
تناول الباحث أيضاً أثر الإذاعة على الأسطوانات الغنائية، التي انتشرت في مصر منذ بدايات القرن الماضي، وظلت لعقود الوسيط الآلي الوحيد للاستماع إلى الغناء والعزف، ومع انتشار أجهزة الراديو أخذت الأسطوانات وأجهزة الفنوغراف في الاندثار التدريجي، إلى أن انتهت تماماً، وصارت إلى نهاية متحفية، لا يهتم بها إلا عدد محدود جدا من الهواة.
من نحو عامين، حصل عبد الرحمن الطويل على جائزة الدولة التشجيعية عن كتابه "الفسطاط وأبوابها"، وهو شاعر وروائي وناقد ومهتم بتاريخ القاهرة، صدرت له مؤخراً رواية بعنوان "درب الصفا"
كما صدر له عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان "بُنّ الليل"، وهو باحث مهتم بالموسيقى والغناء وفنون التلاوة والإنشاد الديني. يوظف الطويل أسلوبه الأدبي فيما يكتب، وتتسم كتاباته النقدية بقدر عال من الجدية والرصانة، وحرص كبير على إظهار المناطق الجمالية التي يغفل عنها كثير من الناس، وهو ما انعكس على فصله البحثي عن الإذاعة في الحقبة الملكية.
هيثم أبوزيد