Logo

مهرجان فيلم المرأة... جمهور وفيّ رغم غياب الصناعة

 على مدى أربعة عشر عاماً، حافظ مهرجان فيلم المرأة في عمّان على مكانته واحداً من أبرز الفعاليات السينمائية المتخصصة في الأردن والمنطقة العربية. فمنذ انطلاقه بوصفه "أسبوع أفلام المرأة"، سعى إلى تقديم مساحة بديلة للأصوات النسائية وتجارب النساء وقضاياهن، عبر برنامج سنوي يضم أفلاماً روائية ووثائقية وقصيرة من مختلف أنحاء العالم.

وخلال هذه السنوات، أصبح المهرجان موعداً ثابتاً لعشاق السينما المستقلة، ومنصة لعرض أعمال تتناول قضايا الهوية والاستقلالية والعنف والتمكين والمساواة، في وقت كانت فيه هذه الموضوعات لا تزال تحظى بحضور محدود في كثير من البرامج السينمائية العربية.

لكن بعد 14 دورة، وفي عامه الثاني بصيغته الجديدة مهرجاناً متكاملاً، يبرز سؤال أهم من استعراض برنامج الدورة الحالية: ماذا أضاف مهرجان فيلم المرأة فعلياً إلى المشهد السينمائي الأردني والعربي؟

 وهل نجح في تجاوز دوره منصةَ عرض ليصبح فاعلاً في تطوير سينما المرأة وصناعتها؟
 
ربما يكون الإنجاز الأبرز للمهرجان هو استمراريته. ففي منطقة تعاني فيها الفعاليات الثقافية من انقطاعات متكررة بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية وضعف التمويل، تمكن مهرجان فيلم المرأة من الحفاظ على وجوده عاماً بعد عام، متجاوزاً تحديات عديدة، من بينها جائحة كوفيد-19 والتحولات المتسارعة في المشهد الثقافي.

ترى المديرة الفنية للمهرجان غادة سابا أن أثر المهرجان يتمثل في خلق حالة مستمرة من العروض السينمائية المتخصصة بقضايا المرأة على مدى 14 عاماً، مؤكدة أن الجمهور بات ينتظر المهرجان سنوياً ويتابع برامجه، وهو ما ظهر بوضوح هذا العام بعد تأجيل الدورة حين بدأ الجمهور بالتساؤل عن موعد انطلاقها والأفلام المشاركة فيها.
 
هذه النقطة بالذات قد تكون الإنجاز الأوضح؛ فالمهرجان نجح في بناء جمهور مهتم بالأفلام التي تتناول قضايا النساء، وهي مهمة ليست سهلة في بيئة سينمائية تهيمن عليها الإنتاجات التجارية، وساهم في تعريف المشاهد الأردني بأفلام ومخرجات ربما لم تكن تجد طريقها إلى شاشات العرض التقليدية.
 
شهد العام الماضي نقطة تحول مهمة مع انتقال الفعالية من "أسبوع أفلام المرأة" إلى "مهرجان فيلم المرأة"، وهو تحول لم يكن شكلياً فقط، بحسب سابا، التي تؤكد أن الهدف كان الانتقال من مجرد أسبوع عروض إلى حدث سينمائي أكثر رسوخاً واستمرارية، قادر على استقطاب أفلام نوعية وجمهور وشركاء ضمن إطار مهني وثقافي أوسع.

تعتبر سابا أن نجاح هذا التحول يقاس أساساً بزيادة اهتمام الجمهور بالمهرجان وانتظاره سنوياً، إضافة إلى قدرة المهرجان على استقطاب عروض أولى وأفلام مستقلة بانتظام، وترسيخ حضوره مناسبةً سينمائية متخصصة.

غير أن هذا التحول ما زال، حتى الآن، أقرب إلى إعادة تموضع للهوية أكثر من كونه تحولاً جذرياً في البنية. فالمهرجان لا يزال يعتمد على برنامج عروض سينمائية وبعض الفعاليات النقاشية المحدودة، من دون أن يطور بعد البنية الموازية التي تميز المهرجانات السينمائية الراسخة.
 
فلا توجد مسابقات تنافسية واضحة، أو جوائز متخصصة يمكن أن تمنح الأفلام المشاركة قيمة إضافية على مستوى الترويج والتوزيع، كما تغيب الورش الاحترافية، وبرامج التطوير والإنتاج، واللقاءات المهنية التي تجمع المخرجات والمنتجات والممولين، وهي عناصر أصبحت جزءاً أساسياً من هوية المهرجانات المؤثرة في المنطقة.

في دورته الحالية التي تنطلق في السابع من يونيو/ حزيران، يقدم المهرجان برنامجاً يضم 19 فيلماً تتنوع بين الروائي والوثائقي والقصير والعائلي، وتمثل عدداً كبيراً من الدول والخلفيات الثقافية.

تضم القائمة أفلاماً بارزة، مثل "السيدة روبنسون" للمخرجة إيفة كيليهر، و"مطعم النورس" لناوكو أوجيغامي، و"القرية المجاورة للجنة" لمو هاراوي، و"راديو بنما" لإدغار سوبرين تورشيا، و"على مقربة من الغيوم" لمانويل كانيبيه، و"نادي الجدات للشعر" لكيم جاي-هوان، و"أحلام وردية" لداريل جيمس رودت، و"نظرية مارغريت" لآنا نوفيون.
 
ويضم البرنامج الفيلم الوثائقي "ردود فعل عنيفة: كراهية النساء في العصر الرقمي"، الذي يناقش أشكال العنف الرقمي الموجه ضد النساء، إلى جانب الفيلم التونسي "نورة تحلم"، والفيلم الفلسطيني "شكراً لأنك تحلم معنا"، والفيلمين الأردنيين "سمسم" لسندس سميرات و"من الحامض لاوي" لعز رزق.

تعكس هذه الاختيارات اتساع الخريطة الجغرافية للمهرجان، الذي يجمع أعمالاً من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية والعالم العربي، في محاولة لتقديم صورة عالمية للتحديات التي تواجه النساء، مع اختلاف السياقات الثقافية والسياسية.

المفارقة التي تطرحها سابا أن القضايا الأساسية التي تتناولها الأفلام لم تتغير كثيراً مقارنة بالدورات الأولى. فما زالت أفلام المهرجان تدور حول العنف المنزلي والتمييز والعنف السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضد النساء.

لكن ما تغير هو السياق العالمي. فالحروب والنزاعات في فلسطين والسودان واليمن، جعلت معاناة النساء أوضح وأشد حضوراً في الخطاب السينمائي. ترى سابا أن المرأة ما زالت الطرف الأكثر تضرراً في أوقات الحروب والأزمات، ما ينعكس بوضوح على الموضوعات التي تطرحها الأفلام المشاركة.
 
هذه الاستمرارية في القضايا تفسر أيضاً سبب تمسك إدارة المهرجان بفكرة التخصص. فبرغم التقدم الملحوظ في حضور النساء داخل الصناعة السينمائية العربية والعالمية، ترى سابا أن التحديات التي تواجه المرأة في الأردن لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في بقية أنحاء العالم، وإن تفاوتت نسبتها وأشكالها.

إذا كان المهرجان قد نجح ثقافياً في خلق مساحة مستمرة لعرض الأفلام النسوية، فإن تقييم أثره على مستوى الصناعة يبدو أكثر تعقيداً. فخلال 14 دورة، ساهمت التظاهرة في تعريف الجمهور بأعمال مخرجات من مختلف أنحاء العالم، 

لكنه لم يتحول بعد إلى منصة إنتاج أو تطوير مشاريع، كما لم ينجح في بناء شبكة دعم احترافية للمخرجات الأردنيات والعربيات، على غرار ما تفعله مهرجانات أخرى في المنطقة.

يبدو أن إدارة المهرجان تدرك هذه الحدود. فبحسب سابا، يبقى التمويل واستدامة العمل التحدي الأكبر، وهو ما يفرض التركيز على الحفاظ على استمرارية المهرجان قبل التوسع في برامج جانبية واسعة أو إطلاق مبادرات تحتاج إلى موارد أكبر.

وربما يفسر هذا أيضاً اقتصار الفعاليات الموازية هذا العام على حلقتي نقاش مرتبطتين بفيلمين فقط، هما "السيدة روبنسون" و"ردود فعل عنيفة: كراهية النساء في العصر الرقمي"، في حين تقدم مهرجانات مشابهة جلسات موسعة وورشاً مهنية وبرامج تطوير مشاريع.
 
بعد 14 دورة، يمكن القول إن مهرجان فيلم المرأة نجح في تحقيق ما عجزت عنه مبادرات ثقافية كثيرة: البقاء والاستمرار وبناء جمهور وفيّ لفكرة سينمائية متخصصة. لكنه يقف اليوم عند مفترق طرق واضح. فالتحول من أسبوع أفلام إلى مهرجان منح الفعالية هوية جديدة، لكنه يطرح أيضاً تحديات جديدة.

وإذا كان المهرجان قد أثبت قدرته على أن يكون منصة عرض مستقرة للأفلام التي تتناول قضايا المرأة، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب الانتقال إلى دور أكثر تأثيراً في دعم الصناعة نفسها، عبر التدريب والتطوير والتشبيك والإنتاج.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الدورات المقبلة: هل سيبقى مهرجان فيلم المرأة مساحة لعرض القصص النسائية فقط، أم يتحول إلى منصة قادرة على المساهمة في صناعة هذه القصص أيضاً؟

إسراء الردايدة 
صحافية أردنية