Logo

25 عاماً على رحيل سعاد حسني... هكذا يتذكرها النجوم

 تمرّ في 21 يونيو/ حزيران 2026 الذكرى الـ25 لرحيل سندريلا الشاشة العربية. ربع قرن مضى، والسؤال المطروح مع هذه الذكرى: كيف نرى سعاد حسني اليوم، بعد كل هذه السنوات؟ 

الغياب لم يزدها إلّا حضوراً، والزمن لم يزد هالتها إلّا بريقاً. لم تكن مجرّد ممثلة مرّت في تاريخ السينما، بل أيقونة فنية استثنائية، وعلاقة حب فريدة، جمعتها مع الكاميرا، التي كانت تعشق ملامحها، وتتنقل بسلاسة مذهلة بين شقاوتها الطفولية وعمق شجنها الإنساني.

تتجلّى عبقرية سعاد حسني في أنها النموذج الأبرز للفنانة الشاملة، بأبهى صُورها. ممثلة عبقرية، جسّدت أعقد الأدوار النفسية والدرامية بتلقائية ساحرة، وبساطة ممتنعة. 

في الوقت نفسه، مغنية رقيقة، دندن الجمهور أغانيها، وحفظت الأجيال صوتها المليء بالحياة. إنها أيضاً فنانة استعراضية، ملأت الشاشة خفة وحركة وبهجة.

لم يتوقف تأثير سعاد حسني عند حدود فنها، إذ تعلّق بها الجمهور أكثر فأكثر بعد وفاتها. هذا التعلّق لم يكن مدفوعاً بجمال ما قدّمته فحسب، بل ارتبط أيضاً بالغموض الإنساني والدرامي الذي أحاط بنهايتها التراجيدية في لندن، والجدل المستمر الذي لم ينقطع بين فرضيتي الانتحار والقتل. 

هذا اللغز أضفى على صورتها هالة من الشجن والتعاطف اللامتناهي. كأن الجمهور يرفض تصديق أن كتلة البهجة تلك يمكن أن تنطفئ ببساطة.

في هذه الذكرى، تحدّث نجوم ونقاد ومقرّبون منها لـ"العربي الجديد"، فاستعادوا ذكريات معها.

جاذبية وتواضع وتفانٍ

قالت يسرا إنها، في مشوارها الفني الطويل، تعاونت مع قامات عدّة، لكن، هناك فنانون، لوقوفها أمامهم تأثير إيجابي عميق في حياتها الفنية والشخصية،

 وفي مقدمتهم سعاد: "شاركتها في فيلمي "الجوع" و"الراعي والنساء". في التصوير، وتواصلي معها، لمست كم أنها إنسانة تؤثر الآخر على نفسها. الأنانية لم تكن موجودة أبداً في قاموسها الفني والإنساني. هذا النبل نابع من ثقة مطلقة في نفسها ونجوميتها.

 لذا، أقول بثقة: حتى لحظتنا هذه، لم تنجب السينما المصرية مثلها. لا أقصد الشكل طبعاً، بل الروح. لأنها الأهم والأبقى على الإطلاق".
 
استرجعت يسرا ذكريات أول لقاء بها، وكانت تبلغ 18عاماً: "هناك جمهور غفير يلتفّ حولها. عندما اقتربت لأرى ملامحها عن قرب، صعقتني تلك الجاذبية الكبيرة، والقبول الرباني الذي يصعب تكراره في شخص آخر.

 تمنيت حينها أن يأتي يوم أقف فيه أمامها، وأصبح مثلها". أضافت أنه، بعد مرور 25 عاماً، أو حتى 50 عاماً، صعبٌ أن تتكرر السندريلا التي جمعت كل المتناقضات المدهشة: "خفة ظل ورصانة، عقل حكيم وقلب طيب طفولي".

من جهتها، كشفت ميرنا وليد (أدت دور ابنة سعاد حسني في "الراعي والنساء") أن كواليس الفيلم لم تبدأ جيداً، إذ رفضت السندريلا مشاركتها. 

أوضحت السبب: "في أول لقاء جمعنا، كنت متوترة للغاية، فخافت سعاد ألا أتمكن من تأدية الشخصية المركّبة والصعبة بالشكل المطلوب. طلبت من المخرج علي بدرخان استبدالي، لكن أحمد زكي تدخّل وأقنعها بموهبتي. فشاركت فيه".

أضافت ميرنا وليد: "بعد بدء التصوير، ذاب الجليد، وتقرّبت منها جداً، حتى تحوّلت علاقتنا إلى مشاعر أمومة حقيقية. 

كنت أشعر أنها والدتي بالفعل. كانت مثيرة لدهشة كل من حولها، خاصة أنّها كانت تقدّم أعقد الأدوار بتفانٍ مرعب، ورغبة عارمة في إخراج أفضل ما لديها، لأنها تكره الاستسهال والشخصيات الضعيفة فنياً. 

هذا السرّ الحقيقي وراء تميّزها واستثنائيتها". وتُنهي كلامها بالقول: "رأيت سعاد في المنام. كانت تنظر إلي وتسألني: هل تصدّقين أني انتحرت؟ أجبتها في الحلم: لا. في الواقع، أثق تماماً أنها لم تنتحر".

إلى ذلك، لخّصت الناقدة الفنية خيرية البشلاوي سرّ عصيان سعاد على النسيان، بعد ربع قرن، بكونها حالة استثنائية نادرة، جمعت مواهب عدّة في آن واحد، 

إذ كانت الممثلة والمغنية والفنانة الاستعراضية، من دون أن يجور جانب من موهبتها على الجانب الآخر: "تميّزت أيضاً بأنها كانت الأكثر تعبيراً عن هوية الفتاة المصرية، بتلقائيتها وهمومها وأفراحها وأحزانها.

 قدّمت أدواراً وجدت فيها كل فتاة عربية جزءاً من نفسها. هذا الصدق التعبيري الطاغي كان جواز مرورها الأبدي إلى قلوب الجماهير".
 
وأشارت البشلاوي إلى أنه، رغم نجاح بعض تجارب إعادة إنتاج أعمال سينمائية قديمة، وتحويلها إلى مسلسلات درامية، أثبت التاريخ فشل أي تجربة لإعادة تقديم أعمال لها: 

"أي فنانة تحاول إعادة تقديم شخصية قدمتها سعاد، تظلم نفسها، وتغامر بموهبتها، وإن كانت ممثلة ممتازة. فلسعاد مكانة وحالة وجدانية خاصة، لا يمكن لأحد اقتناصها. عاشت قصة عشق حقيقية لا تنتهي مع الكاميرا، والكاميرا لا تخون عشاقها".

سعاد حسني الحاضرة دائماً

أما حسين فهمي، الذي شكل مع سعاد حسني ثنائياً سينمائياً حفر في ذاكرة المشاهدين، فقال إنه ما زال لا يشعر برحيلها: "أشاهد أفلامها باستمرار، فلا تمر أيام إلا وأجد نفسي أتابع فيلماً لها. في كل مرة أشاهدها، أكتشف تفصيلة جديدة، وعبقرية لم ألاحظها من قبل". 

وعن كواليس زمالتهما، قال إنه قدّم معها أفلاماً عدة في مراحل عمرية مختلفة: "رغم تطوّرها ونضجها الفني المذهل من عمل إلى آخر، حافظت على براءتها، ولم تكبر أبداً. 

كانت أشبه بفراشة منطلقة محبّة للدنيا والحياة والبشر. تكره الخلافات، وتسعى دائماً إلى السلام مع الجميع".

وأضاف فهمي ضاحكاً: "هي التي جعلتني "الواد التقيل". فالجمهور، إلى اليوم، يربط بيني وبين أغنيتها الشهيرة لي في "خلي بالك من زوزو". إلى الآن، إذا كنت في حفل أو مناسبة، يحرص المطرب/ المطربة على غنائها فور رؤيتي. 

كانت سعاد بحق "وِشّ الخير" علي" (يذكر أن لهما روائع سينمائية لا تنسى، أبرزها "غرباء" لسعد عرفة عام 1973، و"أميرة حبي أنا" لحسن الإمام عام 1975، و"موعد على العشاء" لمحمد خان عام 1981).

وتحدثت شقيقتها جانجاه حسني، مؤلّفة كتاب "سعاد.. أسرار الجريمة الخفية" (مؤسسة روائع للثقافة والفنون والنشر، القاهرة، 2016)، الذي سردت فيه حقائق صادمة،

 أكدت بها أن شقيقتها قتلت ولم تنتحر (حين صدوره، اعتبره البعض نوعاً من مخاطرة أو جنوناً ربما يُؤذيها): "عندما قرّرت إصدار الكتاب، لم أفكر في العواقب، أو في ما سأتعرض له. 

كان همي كشف الحقيقة، لأني علمت أن القضاء في مثل هذه القضايا الدولية الشائكة يعجز أحياناً عن الوصول إلى الأدلة القاطعة لإصدار أحكامه، فقرّرت أن أتولى تبيان الحقيقة بنفسي، وتوثيقها للتاريخ". 

لم يقتصر الكتاب على قضية مقتلها فقط، بل تطرّق أيضاً إلى معاناتها المرضية وإصابتها بالعصب السابع (شلل بوجهها)".

وختمت جانجاه حديثها بنبرة مؤثرة: "رغم مرور 25 عاماً على الفراق، لا تغيب سعاد عني لحظة واحدة، كما أنها لم تغب عن وجدان جماهير الوطن العربي كلّه. أحبها الناس، ولا يزالون، لأنها ببساطة أيقونة فنية عصية على الموت".
 
محمد فاضل، كاتب سيناريو "حب في الزنزانة" (1983) ومخرجه، قال إن سعاد حسني "تتمتع بطلّة وأداء خاصين، ينفرد به الطراز الأول من النجوم".

 قال عن كواليس تعاونه معها التالي: "قبل العمل معها، وتخوّفاً من نجوميتها الطاغية، كنت أخشى أن تصاب بشيء من التعالي، أو تتأخر عن مواعيد التصوير، كما يحدث أحياناً مع بعض النجوم.

 لكني فوجئت باحترافية مذهلة، إذ كانت أكثر التزاماً وانضباطاً من الوجوه الشابة الصاعدة. هذا الالتزام يعكس ثقة شديدة بالنفس، وأتمنى أن تتعلّم الأجيال الجديدة من سيرتها المهنية".
 
كما كشف فاضل عن جانب من تضحياتها الفنية: "لم تكن سعاد حريصة على سلامتها الشخصية قدر حرصها على صدق اللقطة. لذا، كانت ترفض تماماً الاستعانة بدوبلير. 

كانت من الفنانات القلائل اللواتي يتمسكن بأداء المشاهد الخطرة بأنفسهن، رغم محاولاتي المستمرة لإقناعها بالعكس. 

كانت تصرّ على أن تتألم فعلياً، وأن تتعرّض للضرب والسقوط من على الدرج بنفسها، لإيمانها الراسخ بأن إتقان الدور يتطلّب الصدق الكامل، مهما كانت العواقب الجسدية".

مروة عبد الفضيل