صالون دمشق السينمائي... أفلام ونقاشات بعد عقود من الصمت
حتى في أيام الثلج، كان يصل إلى أحد نوادي السينما في دمشق قبل الموعد، ويسأل إن كان العرض سيقام أم أُلغي بسبب الطقس. لم يكن شغوفاً بالسينما،
ولم يأت من أجل الفيلم، بل لأن عمله كان يقتضي ذلك، كان يجلس حتى نهاية العرض، وينتظر انتهاء النقاش، ثم يغادر من دون أي مشاركة.
مع مرور الوقت، بدأ بعض رواد النادي المتوجسين يشكون في أمره، قبل أن يكتشف أحدهم أنه مخبر أرسلته الأجهزة الأمنية لمراقبة ما يدور في القاعة.
ومع ذلك، لم يتوقف عن الحضور، ولم يتوقف النادي عن استقباله. وبعد سقوط نظام الأسد، اعترف الرجل، سرّاً، لأحد الحضور، بأنه لم يعد يأتي بدافع الوظيفة، فقد أحب السينما، وأحب طقس المشاهدة الجماعية، وأحب النقاشات التي كانت تدور بعد انتهاء الأفلام.
ما من شيء غرائبي في هذه الحكاية، فثمة ما هو كوميدي في جهاز مخابرات الأنظمة الديكتاتورية التي توغل في مراقبتها إلى حدّ أنها لا يمكن تغفل نظرها عن تجمع من عشرات الأشخاص يشاهدون فيلماً.
فحتى القاعة المعتمة، التي يفترض أن تكون مساحة للخيال والمشاهدة، كانت تتحول إلى مكان مراقَب، يزِن فيه الحاضرون تعليقاتهم وضحكاتهم.
لذا، لم يكن مستغرباً أن تتفجر مئات حلقات النقاش السياسية والثقافية بعد انهيار نظام الأسد، بما فيها من انكشاف لمساحات كانت موجودة، لكنها لم تكن متاحة أمام روادها بكامل إمكاناتها.
في الأسابيع الأولى، امتلأت دمشق بمبادرات صغيرة تحاول اختبار هامش جديد من الحريات، لم تمنحه السلطة الجديدة لهم بقدر ما اعتمد حصولهم عليه على اقتناص الفرصة، تحديداً في فترة لم تكن حدود الحريات فيها قد اتضحت بعد، وقبل أن ترسو السلطة الانتقالية على برّ،
إذ جاءت اللحظة التي تمكن فيها الناس من التعبير الحر عن الماضي وتفسيره بضوء الديكتاتورية وما تحدثه من تشوه في نفس الفرد والجماعة، وعجت المقاهي والفضاءات العامة بالسجال والحوار والعراك أحياناً.
كانت لحظة اختبار حقيقية للحرية، ومن هذه اللحظة، خرج صالون دمشق السينمائي في محاولة لاستعادة طقس المشاهدة والحوار.
اختار المؤسسان قصي الشهابي وجورج الأشقر غاليري زوايا في منطقة القصاع في دمشق مقراً لعروضهما السينمائية، وفتحا من خلالها مساراً لنقاش الواقع السوري وربطه بالحدث الراهن، وارتبط التأسيس بهوية وسياق خاصين يرتبطان بالحراك العام في تلك اللحظة.
"لم تكن الفكرة مجرد تنظيم عروض أفلام، وإنما تحديد هدف سياسي واجتماعي عام نسعى إلى الوصول إليه عبر الفن، والسينما تحديداً". يقول الشهابي، الذي كان هو والأشقر من بين من تخرجوا من الدفعة الأولى في المعهد العالي للسينما في دمشق.
وفي حين يصعب اختيار الفيلم الأول الذي يفتتح فيه نادي السينما عروضه، مثّل رجوع كبار السينمائيين السوريين إلى البلاد، بعد عقد ونيف من التغييب على خلفية مواقفهم السياسية، فرصة لاستضافة أحد المخرجين وترتيب لقاء للجمهور معه بعد انقطاع طويل عن اللقاء في سورية.
وقع الاختيار على أسامة محمد الذي أتى من فرنسا إلى سورية في أوائل عام 2025 حاملاً معه نسخة مرممة من فيلمه "نجوم النهار". يقول الشهابي: "كنا نخطط لأن نبدأ نشاطنا بالأفلام السورية التي مُنعت من العرض في زمن نظام الأسد.
وكان أحد الخيارات الرئيسية بالطبع فيلم نجوم النهار، تحديداً لكون حافظ الأسد تدخل شخصياً في تقييد عرضه داخل سورية". أما الأشقر، فيشير إلى أن هذا العرض الأول وضعهما على خريطة نوادي السينما في دمشق.
في ظل إغلاق جميع دور العرض في دمشق، باستثناء "سينما سيتي" المملوكة للقطاع الخاص، علا شأن نوادي السينما التي تميزت بهامش من الانفتاح في العروض والنقاش الحر.
مع ذلك، تفرد صالون دمشق السينمائي بارتباط الأفلام المعروضة براهنية الحالة السورية ومراعاة القضايا التي تشغل الشارع السوري بعد الأسد.
يقول الأشقر: "أسسنا هوية الصالون عرضاً بعد عرض، عرضنا أفلاماً ممنوعة، وأفلاماً لم تكن لها فرصة عرض في سورية، مثل فيلم قفص السكر لزينة قهوجي. كما عرضنا أفلاماً قصيرة لمحمد ملص وعمر أميرالاي وأسامة محمد وقيس الزبيدي".
لم يقتصر الأمر على إعادة عرض أفلام سورية مُنعت سابقاً أو لم تحظ بفرصة لقاء جمهورها، بل امتد إلى استحضار تجارب بلدان أخرى مرت بتحولات سياسية واجتماعية شبيهة بالحالة السورية الناشئة.
وكان من أبرز ضيوف صالون دمشق السينمائي المخرج اليوناني الفرنسي كوستا غافراس الذي شارك عبر تطبيق زوم في لقاء مباشر مع الجمهور السوري، مجيباً عن أسئلة الحاضرين حول السينما والسياسة.
ونظم الصالون تظاهرة بعنوان "العدالة الانتقالية والمغيبون قسراً في السينما"، عرض خلالها أفلاماً من دول واجهت ملفات مشابهة،
واستضاف ناشطين معنيين بهذه القضية، من بينهم وفا مصطفى، لمناقشة الدور الذي يمكن أن تلعبه السينما، إيجاباً أو سلباً، في التعامل مع ملفات شديدة الحساسية. ومساء اليوم، سيحضر المخرج هيثم حقي ضمن عرض لفيلم "الليل الطويل"، تحيةً لمخرجه الراحل حاتم علي.
لا يُختتم العرض بكلمة "النهاية" المعروضة على الشاشة، ولا ينظر مؤسسا صالون دمشق السينمائي إلى أثر هذه المساحة من خلال عدد العروض أو حجم الجمهور، بل باعتباره أثراً تراكمياً تصنعه الاستمرارية وطريقة البرمجة والنقاشات التي تعقب الأفلام.
فبالنسبة إليهما، لا يكفي عرض فيلم لإحداث أثر اجتماعي، وإنما ينبغي أن يكون جزءاً من سياق أوسع يفتح المجال للاختلاف وتبادل الآراء والإنصات للآخر.
ومن هنا، جاء اختيار تسمية صالون دمشق السينمائي بدل نادٍ سينمائي. فالمصطلح، كما يقولان، لا يشير إلى مكان لعرض الأفلام فحسب،
بل يستدعي تقليداً ثقافياً ارتبط بالحياة الفكرية والسياسية في سورية، لا سيما في دمشق، ويعكس محاولة لاستعادة فضاءات الحوار والتجمع التي تعرضت للتضييق والإفراغ خلال عقود حكم البعث.
يستند هذا التصور إلى قناعة بأن السينما لا يمكن فصلها عن المجتمع والسياسة، حتى حين تقدم بوصفها فناً خالصاً.
لذلك، يسعى القائمون على الصالون إلى توسيع نشاطهم خارج دمشق، عبر عروض جوالة في مناطق مدمرة، مثل داريا ومخيم اليرموك، يخصص معظمها للأطفال،
إلى جانب جولة لأفلام تخرج طلاب المعهد العالي للسينما والجامعة السورية الدولية في عدد من المحافظات، بهدف خلق شبكة تواصل أوسع في ظل غياب الصالات ودور العرض المناسبة.
غير أن هذا الطموح لا يخلو من الحذر؛ فهامش الحرية الحالي، على اتساعه النسبي، لا يزال محاطاً بأسئلة الرقابة وحدودها، إذ تتداخل الرقابة السياسية مع تلك المجتمعية، بينما يحمل كثيرون داخلهم آثار سنوات طويلة من الخوف والمنع.
ومع ذلك، يصر القائمون على الصالون على التعامل مع هذه الحريات بوصفها مكسباً ينبغي الدفاع عنه، وعدم التفريط بها بسهولة.
ميار مهنا
كاتبة سورية