زياد الرحباني... ما لا يصدأ لا يعيش
بين أرشيف مجلات وجرائد قديمة في بيتي، وقعتُ على خبرٍ من بضعة أسطر، يفيد ونحن في الربع الأخير من عام 1977، بأن المسرحية الجديدة المنتظرة في فبراير/شباط المقبل 1978، لن تكون بعنوان "بدك تضل شرشوح.. اصطفل"،
ذلك، لأن صاحب الشأن، زياد الرحباني (1956 - 2025)، الشاب ذا الاثنين والعشرين عاماً قرر تغييره، ليصبح "بالنسبة لبكرا شو؟" وها هو يشرف على التمرينات في صالة جان دارك قرب الجامعة الأميركية.
في نهايات المسرحية، تصيح ثريا (نبيلة زيتوني) في وجه زوجها زكريا (زياد الرحباني) صيحتها المشروخة: "بدك تضل شرشوح اصطفل"، التي مثلت في لحظة ما إغراء يناسب عنفاً مسرحياً يساوي بين الشرشحة والمنسوب الطبيعي للكرامة.
الدردشة اليوم في ذكرى رحيله الأولى حول أي شأن يخصه/يخصنا تنجم دائماً عن عاطفة مباشرة تجاه هذه التجربة الفريدة في الموسيقى والتأليف والتمثيل والإخراج المسرحي والشعر، ومن قبل ومن بعد: الثقة.
حين يصل المبدع في علاقته بالمتلقي إلى تلك المرحلة التي تكون كلمته الفنية "كلمة شرف" وبالتالي محل ثقة.
وعليه، فإن هذا "الاكتشاف" الصغير الموجود في صفحة مجلة حائلة تعود إلى نصف قرن، هو مجال تأمل عناوين وسياقات مسرحية وغنائية ولقاءات صحافية ذات طابع فني سياسي، وفرعياً منها العبارات الأيقونية عند زياد،
ومن قبل ومن بعد إزجاء التحية إلى شخص تمرد على جماليات الأسطورة الرحبانية الأب والعم وفيروز. لقد حول ذهبهم إلى حبال غسيل.
في هذا التحويل يكمن رهانه كله. المدونة الرحبانية بنت لبنان من معدن لا يصدأ، قرية معلقة خارج التاريخ، محصّنة ضد التآكل بجمالها نفسه.
هذا خيار سيعيش إلى أبد بعيد. وزياد بدوره أدرك مبكراً أن ما لا يصدأ لا يعيش، وأن بلداً يلمع لا يمكن أن يسكنه بشر لهم أظافر تتسخ ورواتب تتأخر، فأدخل الرطوبة إلى المادة، وترك الخشب يتشقق أمام الملأ.
هذا خيار لا يلغي خيارات الأب والعم، ولكنه لن يكون موجوداً سوى بالقدر الذي يدير ظهره للمعجم.
لماذا تغير العنوان؟ إن الجواب أسهل من "مرور الرمح في خصر نحيل"، كما يقول الشاعر، أبسط من موت ولد وضياع بلد.
نأخذ العنوان الأول، فنجده تعبوياً يصِف ويندد بمن هو في هذه المكانة، بمعنى أنك الآن اقتصادياً واجتماعياً في القاع،
وهذه أخف استعارة من مفردة الشرشوحة في معجم "دوزي" التي تصبح مؤنثة وتعني الحذاء البالي. وعلاوة على تعبويته في التو واللحظة، إن كنتَ يا زكريا ستبقى شرشوحاً فلتتحمل مسؤولية نفسك، يبدو العنوان مثل شفرة الحلاقة استعمال مرة واحدة.
تكون في ذروة غضبك صباحاً فتقوله، ثم تسأل حتماً "بالنسبة لبكرا شو؟". يأتي يوم آخر وتأتي أيام أخرى وتعيد السؤال ذاته الذي يتفوق دائماً بسبب العجز والضرورة والأمل.
من يبدل عنواناً وهو على أبواب التمرينات إنما يزن جملة بيده، يقلبها ويقيس احتمال بقائها، ويدرك أن اختصار أربع كلمات في مستطيل طويل إلى ثلاث آخرها كلمة من حرفين مختومة بحرف علة، في المبنى والمعنى ستصل إلى أبعد مدى.
هو يعرف بقلبه أن الجملة الصغيرة ستبدو كأنها تسير سير المثل، كلما استعملت عاشت إلى أبد جديد.
بعد أربعين عاماً، طلبت منه صبية في لقاء عام أن يجيب بكلمتين على سؤال "بالنسبة لبكرا شو؟". أعاد الكرة إليها وطلب أن تجرب هي، إن كان لديها أمل في غدها، وتركه هو ليعيد إنتاج نفسه وجودياً فيصبح عامل مياومة بين شمسين للشروق والغياب.
هذه الصبية، ومثلها ملايين يسألون سؤال "بالنسبة لبكرا شو؟"، بذات الحيوية التي يرددون فيها عبارات مثيلة دارت في الكلام اليومي وظل صاحبها يمشي خلفها،
كعبارة "خليك بالبيت" التي استُعملت اسماً لبرنامج، ثم للتوعية في غير دولة عربية إبان جائحة كوفيد-19، و "أنا مش كافر" و"كيفك انت"، و"بلا ولا شي"، والجملة الاسمية "فيلم أميركي طويل" التي غداً سنقول: حقاً لا توجد لحظة تناسبها أكثر من هذه.
ودائماً علينا أن نلاحظ قدرة النص على الشيوع وفرض حضوره المتمرد بسبب طاقته الفنية، لا فقط إعجاباً بتمرده الصعلوكي على ممالك رحبانية مرسومة بألوان مائية، تغني فيها فيروز بقمطة عنبية وفستان تركواز طويل.
كان باختصار شديد وضروري، على طريقة ألبرتو مورافيا يقف يساراً وينظر إلى العالم، لذلك سيكون لفيروز أن تتوقف عن إطعام الزغلولة اللوز والسكر وتهرع ببلوزة وبنطلون تبحث عن حبيبها في العمارة التي يسكنها فلا تجده،
وكل مرة تسأل جاره لا تحصل على جواب مفيد فتدعو "انشالله ما بو شي!".
الشاب الذي خلق عنوان "بالنسبة لبكرا شو؟" استقطب كل مشاركيه من ممثلين ومغنين من كانت لهم إمكانيات التعبير ببساطة، تدعوك إلى كرسي خيزران أو إلى فيء حيث "مش لحدا هالفي".
لا يمكنني تخيل وجود وديع الصافي في عمل لزياد الرحباني. هو لم يسعَ أبداً وراء العضلات في الصوت بلا الحاجة الدرامية إليها، أو يمكن القول الأصوات التي من عفويتها تغني كأنها تحكي،
وتحكي كأنها أليفة تكفيها مساحتها. هل خطر ببالك نموذج سلمى مصفي؟ نعم هي أولاً التي يعرفها غالبنا باسمها الأول سلمى.
حين أستمع إلى واحدة من أحب أغنيات لوتشيو دالا إلي "كاروسو"، أفكر في أن أداءه المذهل في وصول صوته مشروخاً إلى الجواب بينما بافاروتي وبوتشيلي يلعبان في ملعبهما،
فأعرف أي نوع من هؤلاء الفنانين الذين بالصوت الذهب يجعلونك تصفق، بينما الصوت الخشب يجعلك تؤمن.
هذا التعبير الصوتي في هذه الحدود تجد حاملين لها في كل العالم، وهم يشبهون بعضهم بعضاً من حيث الانتماءات الكبرى لا شبه البطاقة الشخصية.
جميع من شاركوا في مسرحيات زياد الرحباني ومشاركاته الإذاعية على "صوت الشعب" ومغنيه ومغنياته، هم من حيز صوتي يكفي لجعل الجميع يصيخ السمع،
ويحولهم إلى اشتراكيين شركاء في الحب والسخرية والكلمات العادية التي تتحول إلى شعر لسبب غامض لا نريد أن نعرفه.
محمد هديب
كاتب وصحافي أردني