الفن والموضة في مواجهة أسئلة الهوية والقلق النفسي
قبعة صيفية مربوط في مقدمتها شريط تتوسطه دائرة. لوحة بهذه البساطة رسمتها يايوي كوساما عام 2002 بالأكريليك على القماش مكتفية بالأسود والأحمر الزاهي، لكنهما سيتناوبان بُقعاً في خطوط ومستويات مختلفة التكوين فوق القبعة، تحاكي نقاط البولكا (polka dot)، التي تستخدم في عالم الملابس والأثاث وألعاب الأطفال والإكسسوارات، وتظهر خلفية من اللونين نفسهما في أشكال تكرارية غير دائرية تمثّل شبكة "اللّانهاية" التي تميّز معظم أعمال الفنانة اليابانية التي تفصلها سنوات ثلاث عن بلوغ المئة عام.
ظهرت القبعات في رسومات ومطبوعات وتركيبات كوساما في بداية الثمانينيات بعد انقطاعها عن الفن نحو عشر سنوات، حين عادت إلى اليابان من الولايات المتحدة وعاشت في بيتها معزولة عن الناس ودخلت أيضاً إلى المصحّ العقلي، لتُقدّم قبعاتها في خلطة تمزج بين المرح والجاذبية والغرابة، في أشكال ترتبط بالاضطرابات والهلوسات التي عانت منها منذ الطفولة،
إلى جانب الأحذية والكعوب العالية والحقائب، والعيون والأفواه والنباتات، خاصة القرع الذي خصصت له معرضاً يتواصل في متحف سينسيناتي للفنون بولاية أوهايو الأميركية حتى 18 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
الفنانة التي جذبها صخب نيويورك في ستينيات القرن العشرين، عمّقت دلالات القبعة وتأويلاتها، من غطاء للرأس إلى تمثيل رمزي بوصفها علامة للهوية الشخصية وإخفاء لها في الوقت نفسه.
ودمجت الموضة مع الفن والأداء إلى درجة ذابت فيها الحدود بينهما، ولم تفصل أيضاً بين حياتها الشخصية وآرائها وبين منظورها الفني، منخرطة في الحركات النسوية ودعوتها إلى حرية الجسد، وفي الأنشطة السياسية المعارضة لحرب فيتنام آنذاك.
في مقال نشرته الناقدة ليف غودبوي على موقع ماي آرت بروكر، في التاسع من يناير/ كانون الثاني الماضي، تشير إلى أن كوسوما قلبت رمزية القبعة تاريخياً والتي تُحيل إلى المكانة الاجتماعية أو المهنة أو الامتثال إلى تقاليد معينة،
من خلال "محو فردية كل قبعة تحت غطاء من النقاط"، وهو ما يعكس مفهومها حول تلاشي الذات. في سعي إلى فهم الموضة بوصفها أداةً تُعيد تخيل الذات وتعريفها، سواء في أعمال فنية أو في السلع التي أنتجتها شركات الأزياء المستنسخة عنها.
خيالات التمكين
في مكان آخر، يقف الفنان البريطاني النيجيري يِنكا شونيبار في أعماله المنسوجة من قماش الشمع الهولندي، متقصداً إيصال رسالة محدّدة من استخدام هذا النوع من القماش حصراً،
والذي أنتجه الهولنديون لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر خلال فترة استعمار إندونيسيا ولم ينجحوا في تسويقه،
لكن الإنكليز استخدموه في تصنيع ملابس صدّروها إلى غرب أفريقيا لتتحول إلى زيّ يمثّل ثقافة تلك الجغرافيا.
يُبرز شونيبار هذا التناقض الذي يبرهن على اختراع الثقافات الوطنية ورموزها، مثلما هو الحال مع لباس هجين، ما بعد استعماري، أصبح تعبيراً عن الأصالة الأفريقية، وينطبق ذلك على كثيرٍ من أزياء شعبية ترتديها شعوب أخرى، رغم أنها استُدخلت زمن استعمارها.
شونيبار انشغل خلال دراسته ماجستير الفنون الجميلة في كلية غولدسميث بلندن بالآلية التي تُخترع فيها العلامات والرموز لتمثيل الثقافات، حيث ينزع البشر إلى تبنّي فكرة "النقاء" لتصور هوياتهم الوطنية في إنكار لتفاعلها وتمازجها مع هويات أخرى على مرّ الزمن.
اللباس هنا يشير إلى موضوع جوهري يطرحه الفنان النيجيري في تجربته الممتدة لأربعة عقود، وهو العلاقة الشائكة والمعقدة بين أوروبا وأفريقيا وما خلقته من صور نمطية يسعى إلى تفكيكها عبر وسائط مختلفة،
مثل الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي وفن التركيب والأفلام، في إطار ما يسميه "خيالات التمكين" في مواجهة الرجل الأبيض،
إذ يَحتمل الفن أن يحتل السود وغيرهم من الشعوب موقعاً اجتماعياً وطبقياً أفضل، وإن لم يتحقق هذا التوازن أو المساواة في الواقع.
أثر الموت على القماش
تستعير الفنانة المكسيكية تيريزا مارغوليز مشاهد الموت التي ألفتها أثناء عملها محنّطة جثث في مدينة مكسيكو، لأجساد سقطت في صراعات مسلحة خلال عمليات تهريب المخدرات على الحدود بين أميركا والمكسيك.
تستعين مارغوليز بنساء حرفيات لإنجاز معظم أعمالها، ومنها فستان فاخر من المخمل الأسود مطرز بخيوط من الذهب عيار 24، في محاكاة لشظايا زجاجية، ومثله أثواب أخرى من المخمل نفسه مرصعة بزجاج جمعته من حطام نوافذ سيارات استخدمت في معارك المخدرات،
في محاولةٍ لتسليط الضوء على ضحاياها الذين يقدّرون بالعشرات في كل عام.
تمتزج المأساة وذكرياتها المؤلمة للعائلات التي يذهب أبناؤها إلى الموت بإراداتهم، مع الأبهة والفخامة في هذه القطع المنسوجة، كما تقدمها في مجموعة ثانية من الستائر الخرزية إلى جوار صورة فوتوغرافية تُظهر كومة طلقات رصاص ذات لون أرجواني، كانت قد اشترتها من أحد متاجر مدينة إل باسو بولاية تكساس الأميركية،
حيث أطلق رجل أبيض النارَ، في 3 أغسطس/ آب 2019، متسبباً بمقتل 22 شخصاً وإصابة آخرين جميعهم مهاجرون من أصول لاتينية، في جريمة دوافعها عنصرية.
ملابس مزركشة وأنيقة صُممت في مشهد يذكّر بطقوس الحداد حيث القسوة والألم يحجبان كلّ هذا الجمال، وإمعاناً في تثبيت هذه المشاعر لدى المتلقي، تستخدم تيريزا مارغوليز في تجهيزاتها الفنية وعروضها الأدائية مواد "ما بعد الموت" مثل الدماء والخيوط الجراحية والشظايا المتبقية في ساحات العنف!
الموضة فنٌ أم نقيضه؟
ثمة انقسام في نظرة النقّاد إلى توظيف الموضة في الفنون المعاصرة، بين من يشيدون بتجارب فنانين سعوا إلى تحويل جزء من حياتنا اليومية إلى فن،
وبين من يرون ذلك نقيضاً للفن بالمطلق. التفكير بإمكانية التوفيق بين النقيضين استحوذ على عدد من الباحثين الذين أشاروا إلى تعاون فنانين مثل بيكاسو ودالي مع مصممين مثل كوكو شانيل وإلسا سكياباريلي في أوائل القرن العشرين،
وكذلك فنانين مثل يايوي كوساما وتاكاشي موراكامي مع دار الأزياء الفرنسية لوي فيتون، على ألا يتحول الفن إلى شكل من أشكال الدعاية، بل أن تغادر الموضة وظيفتها الاستهلاكية وتتبنّى رسائل اجتماعية وسياسية.
محمود منير
صحافي أردني