سينمائيون يمنيون شباب... أن تكون البلاد موقع تصوير مفتوحاً
قبل أن يبزغ الضوء فوق مدينة تعز اليمنية، كان الشاب عامر الصبري وزميلته دانية عبود يستعدان لبدء يوم تصوير طويل. حملا معدات تصوير بسيطة، واستقلا السيارة في رحلة صعود نحو قرية المحزف على قمة جبل صبر، حيث كانا يعتزمان إنجاز فيلم قصير يقترب من حياة شخصيات لا تحتاج إلى كثير من الترتيب كي تتحول إلى حكاية سينمائية.
في السابعة صباحاً، وعلى ارتفاع يتجاوز ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر وفي أجواء باردة، طرق الاثنان باباً خشبياً لدار يسكنه مسن ثمانيني وزوجته.
كان الزوجان بطلي الفيلم الذي يحمل عنوان "سعيد بسلمى"، وكان المطلوب ببساطة أن تترك الكاميرا لهما مساحة كي يرويا حكايتهما بطريقتهما.
تقول المخرجة الشابة دانية عبود إن صناعة الفيلم الوثائقي يمكن أن تبدأ بأبسط الأدوات، فـ"كل ما تحتاجه لصناعة فيلم وثائقي هو أن تخرج من منزلك وفي يدك كاميرا أو حتى هاتف محمول".
وفي اليمن، وتحديداً في تعز، ترى أن القصص لا تحتاج إلى البحث بعيداً، إذ "تفيض الأزقة والبيوت بقصص ملهمة ومكتملة الأركان لم تُروَ بعد وتنتظر من يلتقطها".
في "سعيد بسلمى"، كان التحدي بالنسبة إلى فريق العمل ألا يفرض على الشخصيات مساراً معداً سلفاً، بل أن يترك لها حرية التصرف أمام الكاميرا. توضح عبود: "كنا مجرد شاهدين على قصة صنعتها تفاصيل حياة سعيد وسلمى"
مشيرة إلى أن حفيدهما نادر ساعد على إزالة الحواجز، فتحول فريق التصوير من غرباء إلى ضيوف يطرحون الأسئلة ويتلقون الإجابات.
ولا تنظر عبود إلى الفيلم بوصفه محاولة لتقديم صورة استثنائية عن اليمن، بقدر ما تراه وسيلة للنظر إلى الحياة اليومية من الداخل.
تقول: "أردنا من خلال هذا الفيلم إعادة تعريف أنفسنا بالطريقة التي نرى بها ذواتنا، لا كما يراها العالم من الخارج"، فمنزل سعيد وسلمى يمكن أن يصبح "مرآة لمنازلنا جميعاً".
تأتي تجربة "سعيد بسلمى" ضمن موجة من المحاولات التي يخوضها مخرجون شباب في اليمن لصناعة أفلام بإمكانات مالية وفنية محدودة. ومع غياب الاستوديوهات المجهزة والإنتاجات الكبيرة، يتحول الفضاء العام إلى موقع تصوير مفتوح،
وتصبح الشوارع والبيوت والأحياء جزءاً من لغة الفيلم بدلاً من أن تكون مجرد خلفية له.
لا يتطلب التصوير في هذه البيئات معدات ضخمة، بقدر ما يتطلب بناء علاقة سريعة مع المكان وأهله. ففي بعض التجارب، يتحول السكان إلى جزء من عملية الإنتاج؛ يفتحون أبواب بيوتهم، يساعدون فريق التصوير أو يظهرون في المشاهد عفوياً.
وبذلك يصبح الواقع نفسه أحد عناصر الفيلم، لا مجرد موقع يستضيف أحداثه.
هذه الظروف لا تعني أن محدودية الموارد تتحول تلقائياً إلى ميزة فنية، لكنها تفرض على المخرجين خيارات مختلفة. فحين لا تتوفر ميزانية لبناء ديكورات أو استئجار مواقع تصوير مكلفة، يصبح عليهم البحث عن القيمة البصرية والدرامية داخل المكان الموجود أصلاً.
في ما يعرف بـ"سينما الميزانية الصفرية"، تتقدم القصة والشخصيات على عناصر الإنتاج المكلفة، ويجد المخرج نفسه مضطراً إلى الاعتماد على قوة الفكرة، وصدق الأداء، وقدرته على استثمار ما هو متاح حوله.
وتدور موضوعات عدد من هذه الأفلام حول الحياة اليومية للشباب اليمنيين وأحلامهم، وآثار الحرب ومحاولات الاستمرار في ظروف قاسية.
يرى الناقد الفني أسامة عبد العزيز، أن هذه التجارب تفتح نقاشاً حول علاقة السينما بالتكنولوجيا والتمويل،
موضحاً أن المخرجين الشباب يثبتون أن صناعة الفيلم لا تتوقف بالضرورة على امتلاك معدات متطورة، وأن "رأسمال هذه التجربة هو الصدق الشعوري والتكثيف البصري المصاغ بأبسط الإمكانات".
يضيف أن محدودية التمويل قد تمنح بعض صناع الأفلام مساحة أوسع للتحرر من القوالب الإنتاجية الجاهزة، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تطوير أدواتهم الفنية.
فالفيلم، في رأيه، "لا يكتمل بصناعته بل بوصوله للجمهور"، ما يجعل دعم الترويج والعرض داخل اليمن وخارجه جزءاً أساسياً من أي مشروع لتطوير السينما المحلية.
يشير عبد العزيز إلى الحاجة إلى حاضنات سينمائية وورش تدريبية في السيناريو والإخراج، إلى جانب مهرجانات محلية تساعد على منح هذه الأفلام مساحة للعرض وبناء جمهور لها.
فالتحدي، كما يرى، لا يكمن فقط في إنتاج الفيلم بأقل تكلفة ممكنة، بل في تحويل المبادرات الفردية إلى حراك سينمائي أكثر استدامة.
لا تبدأ محاولات بناء السينما اليمنية المستقلة من الصفر تماماً؛ فقد استطاعت أفلام يمنية خلال السنوات الأخيرة الوصول إلى مهرجانات عربية ودولية، مقدمة نماذج على قدرة صناع السينما في البلاد على تحويل القصص المحلية إلى أعمال تجد طريقها إلى جمهور خارج اليمن.
من أبرز هذه التجارب فيلم "المرهقون" (2023) للمخرج عمرو جمال، إلى جانب فيلمه "10 أيام قبل الزفة" (2018)، الذي حظي بعروض وجوائز وفتح مساحة أوسع أمام السينما اليمنية في المحافل الدولية.
وقدمت المخرجة خديجة السلامي فيلم "أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة" (2014)، فيما واصلت أفلام يمنية قصيرة ومستقلة حضورها في المهرجانات العربية والدولية.
تكشف هذه التجارب عن مفارقة أساسية: فالمشكلة لا تتمثل في غياب القصص أو المواهب القادرة على تحويلها إلى أفلام، وإنما في صعوبة توفير بيئة إنتاج وتدريب وتوزيع مستدامة تتيح لهذه المواهب مواصلة العمل.
لا تنتهي رحلة الفيلم عند لحظة الانتهاء من تصويره ومونتاجه. ففي بلد يفتقر إلى شبكة واسعة من دور العرض السينمائي والتوزيع التقليدي، يصبح العثور على الجمهور تحدياً لا يقل أهمية عن صناعة الفيلم نفسه.
لهذا، يلجأ المخرجون الشباب إلى المنصات الرقمية، وفي مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي و"يوتيوب"، بوصفها منافذ عرض يمكن أن تصل من خلالها الأفلام القصيرة مباشرة إلى الجمهور اليمني والعربي.
وتوفر المهرجانات والمبادرات السينمائية المستقلة فرصة أخرى لإخراج هذه الأعمال من نطاقها المحلي وإدخالها في دائرة أوسع من المشاهدة.
لكن الوصول الرقمي لا يحل كل المشكلات؛ إذ يحتاج صانع الفيلم إلى معرفة بكيفية الترويج للعمل، وإلى منصات ومهرجانات قادرة على اكتشافه، وإلى جمهور مستعد لمنح الفيلم القصير فرصة وسط تدفق هائل من المحتوى.
تبدو "سينما الميزانية الصفرية" في اليمن، في نهاية المطاف، أقل ارتباطاً بغياب المال وحده من ارتباطها بالسؤال عن كيفية صناعة فيلم عندما تكون الموارد محدودة. في قرية على قمة جبل صبر، يمكن لبيت قديم وزوجين مسنين أن يصبحا فضاءً لفيلم؛
وفي شارع مزدحم، قد يتحول المارة إلى جزء من المشهد؛ ومن قصة يومية بسيطة يمكن أن تبدأ حكاية تصل إلى جمهور أبعد من حدود المكان.
لكن استمرار هذه التجارب لن يعتمد على الشغف وحده. فالمخرجون الشباب يحتاجون إلى التدريب والتمويل والتوزيع ومساحات العرض، حتى تتحول المبادرات الفردية إلى صناعة أكثر رسوخاً.
وبينما يمكن للكاميرا أن تبدأ وحدها تقريباً، تحتاج السينما في النهاية إلى منظومة كاملة كي تستمر.
فخر العزب
صحافي يمني