Logo

"فلسطيني غير مرغوب فيه": له حق والحق لا يُعلى عليه

 كعادته، يُنجز عمر شرقاوي (دنماركي فلسطيني) فيلماً جديداً بلغة بصرية، توهم لوهلة أنها مرتبكة وغير سوية، قبل أن تكشف سلاسة مبطّنة في قولِ واقعٍ طاغٍ وقاسٍ. "فلسطيني غير مرغوب فيه" (2026، 73 د.)، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بالدورة الـ13 (17 ـ 23 سبتمبر/أيلول 2026) لمهرجان طرابلس للأفلام (شمال لبنان)، يؤكّد هذا مجدّداً:

 كاميرا (شرقاوي والدنماركي أسكِ فوس) تهتزّ كثيراً بالتقاطها مشاهد واقعية، وسرد يُربك متابعه قبل إيضاح المسار الدرامي للحكاية. 

والسرد غير تقليدي، فالتداخل بين أزمنة وأمكنة ومشاعر سمةٌ، تعكس حاصلاً في فلسطين، يمتدّ من نكبة 1948 (15 مايو/أيار) إلى إبادة غزة (منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023)، من دون تسلسل تأريخي تقليدي.

الشخصي أساس حبكة توثِّق نشاطاً في الدنمارك، وروابط عائلية، وذاكرة أفراد ترتبط بتاريخ بلد. ذلك أن "فلسطيني غير مرغوب فيه"، المعروض عالمياً للمرة الأولى في الدورة الـ23 (11 ـ 22 مارس/آذار 2026) لمهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية (CPH:DOX)،

 يُصوّر مواجهات المخرج وناشطين مثله مع سياسيين وإعلاميين وصحافيين دنماركيين يؤازرون إسرائيل في حرب إبادة غزة، ويستعيد نتفاً من سيرة أبٍ (وعائلة) يريد زيارة بلدةٍ له وأقارب، وبعض الأقارب في سورية. 

هذا يُتيح للحكاية أن تذكّر بالنكبة، فحرب الإبادة امتدادٌ لها. والفيلم، إذْ يروي هذا بتبسيط وانفعال قليل، يكشف دور الدنمارك: "دعم سياسي، تصدير أسلحة، خطاب عام يتّسم بالصمت، بل بالانحياز (إلى إسرائيل)، وشيطنة الفلسطينيين" (كاتالوغ مهرجان كوبنهاغن). 

كما يُشير إلى النكبة التي تفتتح إبادات كثيرة، رغم تغييب مقصود لمشاهد مباشرة من الحرب، إلاّ لماماً.
 
في سرده، الذاتي والتاريخي والعائلي، يظهر عمر شرقاوي أمام الكاميرا في حالات مختلفة: مُشاكس في شوارع المواجهة، مُطارد لأفراد يبدون لامبالاة بحقائق ووقائع (أو يزوّرونها)، رجل في منزله، ابن في عائلة، مرافق لأب يتلهّف إلى ماضٍ حاضر في راهن أقسى. 

انفعالاته غير حاجبة تساؤلاته، فهو، رغم كونه دنماركياً، ملتزم أصله الفلسطيني، ومدافعٌ عنه، ومتمسّك بتاريخه/تاريخ بلد وذاكرته/ذاكرة أهل.

يُقال إن الفيلم يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين انتماء المرء عند تدمير وطنه؟ (الكاتالوغ نفسه). لكن، هل الإجابة ضرورية؟ أميل إلى أن "فلسطيني غير مرغوب فيه" يريد أن يكون مرآة واقع وأزمنة وأمكنة وانفعالات، 

فيُقدّم فصلاً من الحكاية الفلسطينية بعيني مخرج، سيكون ابناً لأب لا يتغاضى عن جوهره الأصلي.

لعمر شرقاوي "نصف ثورة" (2012)، يُنجزه مع المصري الأميركي كريم حكيم: تقنيات حديثة غير سينمائية، قابلة لاحتواء مشاعر متضاربة لشباب مصريين وعرب محاصرين في منزل في وسط البلد (القاهرة)، في أحد الأيام الأولى لـ"ثورة 25 يناير" (2011). 

لم تحل قوة المشاعر دون تحقيق شريط وثائقي يميل إلى الفعل السينمائي، محافظاً في الوقت نفسه على براءة اللحظة وحيويتها.

 روائيّه الطويل الأول "المدينة" (2015) مختلف، شكلاً وتصميماً وهندسة بصرية وموضوعاً، لكنه يعكس سينمائية المخرج في تعاطيه مع حكايات أناس، لن أصفهم بالهامشيين، بل بالذين تُفرض عليهم أحوال، فيُواجهونها بما يمتلكون من براءة وعفوية، 

ومن إصرار على حقّ يمتلكونه، فلا يتهاونون بمحاولة انتزاعه منهم. في "المدينة"، يبدأ يوسف (شرقاوي) أسوأ انحدار صاعق إلى درْكٍ قاتل من الشقاء الإنساني، بعد أن "يقتل" خطأ مراهقاً، ينقضّ ورفاقه الكثر عليه، وعلى زوجته الدنماركية، طلباً للمال.
 
هذا واضح في "فلسطيني غير مرغوب فيه"، مع أن التمسّك بالحقّ يؤدّي إلى مواجهات عنيفة مع محتلّ يُبيد أرضاً وأناساً برضى قوى تحكم العالم. 

والواضح أيضاً أن كل ارتباكات الكاميرا تدلّ على ارتباكات من يُدافع عن حق، مستخدماً السينما لإشهار هذا الحق، أو بعضه على الأقلّ، علناً.

نديم جرجوره