Logo

مهرجان الموسيقى العربية... أزمة أبعد من التمويل

 بوتيرة سريعة، انتقلت ترتيبات مهرجان الموسيقى العربية في مصر، من الاستعداد لدورته الرابعة والثلاثين إلى أزمة متعددة الوجوه: 

ميزانية محدودة حسمت متأخراً، ومفاوضات مع الفنانين مرتبطة بحجم التمويل، وحديث عن تقليص بعض الحفلات، وصعوبة استقطاب أسماء كبيرة، إلى جانب مغنين خفضوا أجورهم أو تنازلوا عنها دعماً للمهرجان، وآخرين اعتذروا عن عدم المشاركة.

لاحقاً، جاء المؤتمر الصحافي لرئيس دار الأوبرا المصرية، رضا الوكيل، لينقل قضية المال إلى المجال العام ويجعلها محوراً رئيساً للنقاش حول دورة المهرجان المقررة بين يومي 20 و30 من الشهر الحالي. 

كان الوكيل قد أشار إلى عدم كفاية إيرادات التذاكر وحدها، والحاجة إلى الرعاية لتمويل المهرجانات. وكشفت تصريحاته عن تفاوت واضح في مواقف الفنانين.

وازدادت حدة الأزمة بموقف المطرب علي الحجار الذي ربط اعتذاره عن عدم المشاركة بالميزانية المخصصة لفرقته، معتبراً أنها لا تليق بأعضائها، لينتقل النقاش من أجر المطرب إلى حقوق الموسيقيين الذين يصنعون معه الحفل.

 فالفرقة، والمايسترو، والبروفات، والإعداد الموسيقي، كلها عناصر تدخل مباشرة في مستوى المنتج الفني.
 
كان اعتذار الحجار من أبرز وقائع الأزمة، ثم جاء موقف محمد ثروت بعد المؤتمر الصحافي لرئيس دار الأوبرا، ليؤكد عدم مشاركته بسبب ما اعتبره مساساً بمكانة الفنان المصري. 

واتخذ النقاش بعداً يتصل بصورة الفنان وعلاقته بالمؤسسة التي تستضيفه. ومع تأييد المطربة مي فاروق لموقف ثروت، اتسعت مساحة الجدل، مع بقاء الوقائع المتاحة بعيدة عن إثبات وجود موقف جماعي من الفنانين أو جبهة منظمة ضد إدارة المهرجان.

في المقابل، كان الوكيل أعلن تنازل آمال ماهر وعاصي الحلاني عن أجريها، وحصول خيرت على نصف أجره المعتاد. لاحقاً، أعلن كل من ماهر والحلاني عن انسحابهما من المهرجان. 

وتكشف هذه الحالات عن صيغ تفاوضية مختلفة، لكل فنان فيها ظروفه وشروطه وطبيعة حفله وفرقته.
 
يحتاج المهرجان إلى موازنة تُحسم مبكراً، ورعاية منظمة، وسياسة واضحة للأجور، وتخطيط دقيق لتكاليف الفنانين والفرق والإنتاج. 

ولا ريب أن الاعتماد على تنازلات استثنائية من بعض النجوم أو إعادة ترتيب البرنامج تحت ضغط الوقت يترك كل دورة معرضة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها. 

وهكذا أصبحت ميزانية الدورة الحالية أهم من رقم في ملف تنظيمي، فقد كشفت الفجوة بين طموح المهرجان وموارده، وأظهرت الحاجة إلى وضوح أكبر في أولويات الإنفاق ومصادر التمويل وآليات التخطيط الفني.
 
وإذا كانت الميزانية قد فجّرت الأزمة، فإن مواقف الفنانين أعطتها وجهاً أوضح. فقد ظهرت اعتذارات وانسحابات لأسباب مختلفة، بعضها مرتبط بالمقابل المالي أو بطريقة التفاوض، في الوقت الذي أظهر فيه فنانون آخرون استعداداً لتقديم تنازلات مالية دعماً للمهرجان.

ولعل وضع الفنانين في معسكرين، أحدهما يدعم المهرجان والآخر ينسحب منه، يختزل مشهداً أعقد. اعتذار الحجار مرتبط بميزانية فرقته، وموقف محمد ثروت اتخذ طابعاً متعلقاً بمكانة الفنان، 

بينما توجد اعتذارات أخرى لأسباب شخصية أو فنية أو تعاقدية. اختلاف الأسباب يكشف تعدد مستويات الأزمة، فقد يقبل فنان شهير بالتنازل عن أجره تقديراً للمهرجان، لكن ذلك يظل موقفاً شخصياً لا يمكن تحويله إلى قاعدة.

وفي المقابل، يحتاج الفنان إلى معرفة واضحة بإمكانات المؤسسة، كذلك تحتاج المؤسسة إلى التزام ما تستطيع دفعه فعلاً. وتصبح المسألة أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بالموسيقيين. 

خفض أجر النجم قرار تفاوضي بين طرفين، بينما تخفيض المقابل المخصص لفرقة كاملة قد يؤثر في عدد أفرادها وفي مستوى التحضير الموسيقي. وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من العملية الفنية نفسها.

تنتقل الأزمة إلى مستوى أعمق يرتبط بالقرار الفني، وتلك مسألة لا تتعلق باسم شخص بعينه، وإنما بالبنية التي تصنع الدورة: 

من يختار الفنانين، ومن يحدد البرنامج، ومن يوزع الحفلات، ومن يضع التصور العام، وما المساحة التي يمتلكها مدير المهرجان لتحويل رؤيته إلى برنامج فعلي؟ 

اكتسب هذا الجانب أهمية خاصة مع تصريحات المايسترو محمد الموجي، مدير الدورة الحالية، الذي تحدث عن تدخلات في الرؤية الفنية والبرنامج، 

وأكد حاجة مدير المهرجان إلى مساحة واضحة تمكنه من اختيار الأسماء وبناء البرنامج وفق تصور فني محدد. أهمية التصريحات أنها جاءت من المسؤول عن إعداد الدورة نفسها، لتجعل قضية الصلاحيات جزءاً مباشراً من الأزمة.
 
لا يمكن أن يكون المهرجان -بحكم تبعيته لدار الأوبرا- مشروعاً منفصلاً عن المؤسسة التي تنظمه وتموله. وهناك اعتبارات إدارية ومالية واعتمادات ولجان، 

وفي الوقت نفسه توجد رؤية فنية يفترض أن تمنح كل دورة شخصيتها. ومن الضروري أن تكون الحدود بين هذه المستويات واضحة، فالقرار المالي يحتاج إلى فهم الأسباب التي تجعل البرنامج ذا قيمة فنية وجماهيرية، 

وفي المقابل، لا يمكن للرؤية الفنية تجاهل الميزانية. إن المهرجان مؤسسة عامة تعمل بموارد محددة، وكل مشروع له تكلفته.

لذلك فإن الصيغة المطلوبة صلاحية فنية واضحة داخل إطار مالي معروف مسبقاً: ميزانية محددة، ورؤية تُبنى على أساسها، ومسؤول واضح عن البرنامج، وآلية مؤسسية للمراجعة لا تتحول إلى تدخل يومي في التفاصيل.

 تكشف الأزمة كذلك حاجة المهرجان إلى هوية مستمرة تتجاوز تغير الأشخاص. فكل مدير فني يجب أن يعرف ما الذي ورثه وما الذي يستطيع تطويره، مع الحفاظ على خط عام يسمح بالتجديد من دون فقدان المهرجان هويته المتميزة.

تشير تصريحات رئيس المهرجان، وما صدر عن رئيس دار الأوبرا بشأن اختياراته الفنية، إلى أن الحدود بين السلطة الفنية والإدارية لم تكن واضحة بما يكفي. 

ومع إعلان الأخير اعتذاره عن الاستمرار في رئاسة الأوبرا، ثم عودته عن الاستقالة، اتسعت الأزمة لتشمل المؤسسة نفسها. أعلن الوكيل أنه كان يرغب في الاستمرار حتى نهاية مدة تكليفه، ثم أعلن اعتذاره عن عدم الاستمرار، 

موضحاً أنه لا يقبل أن يتحكم أحد في اختياراته الفنية، متحدثاً عن ضرورة "تغيير أساليب عمل قديمة". هذه هي الوقائع المعلنة. أما الجزم بأن أزمة المهرجان أو ميزانيته كانت السبب المحدد لرحيله، فيحتاج إلى معلومات تتجاوز التصريحات المتاحة.
 
لا تملك دار الأوبرا تصوراً ثابتاً لإدارة المهرجان، إذ يستمر ويتطور بغض النظر عن تغير الأشخاص، وقد كشفت الأزمة عن قضية تتجاوز أسماء الفنانين والميزانية والخلافات التي ظهرت إلى العلن. 

ارتفع طموح المهرجان عبر السنوات، بينما تحتاج آليات تمويله وإدارته إلى قدر مماثل من التطور، فكل دورة ترفع توقعات الجمهور في رؤية أسماء كبيرة، وتوقعات الفنانين في الحصول على شروط مناسبة، وتوقعات المؤسسة في الحفاظ على مستوى فني يليق باسم المهرجان.

ومع ارتفاع سقف هذه التوقعات ترتفع كلفة الأجور والفرق والبروفات والإنتاج والانتقالات والإقامة والدعاية والتوثيق. وتظهر مشكلة التمويل بوضوح في توقيت اعتماد الميزانية، 

فإذا تأخر الاعتماد تأخر التفاوض، وإذا تأخر التفاوض ضاقت الخيارات، وأصبح تعديل البرنامج في اللحظات الأخيرة أكثر احتمالاً وأكثر إرباكاً. وهكذا يصبح المهرجان أمام نتائج مالية لا تسمح ببناء رؤية مستقرة.
 
أما الرعاية، فهي مصدر مهم يمكن أن يمنح المهرجانات مساحة إضافية، لكنها تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى وقواعد تحافظ على استقلال القرار الفني. والرعاية الموسمية التي تظهر قرب موعد المهرجان لا تستطيع وحدها بناء نموذج مستقر.

إن اسم مهرجان الموسيقى العربية يفرض مسؤولية تتجاوز إقامة حفلات لمطربين عرب، فهناك تراث واسع من المؤلفات والملحنين والقوالب الموسيقية يحتاج إلى تقديم وإعادة اكتشاف، وأجيال جديدة تحتاج إلى مساحة حقيقية، 

هذه الوظيفة تحتاج إلى تخطيط يبدأ قبل أشهر طويلة من افتتاح الدورة.
 
لكل هذا تبدو الأزمة الحالية كاشفة لطبيعة النموذج أكثر من كونها أزمة ميزانية منفردة. فقد اجتمع الضغط المالي مع صعوبة استقطاب بعض الأسماء، واعتراضات فنانين، وأجور الموسيقيين، وحدود القرار الفني، ثم أزمة على مستوى قيادة دار الأوبرا نفسها.

 ومع ذلك، لا ينبغي تحميل دورة واحدة أكثر مما تحتمل. فالمعيار الحقيقي سيكون في ما يحدث بعدها، وما إذا كانت المشكلات الحالية ستتكرر، أو تظهر عقبات جديدة. 

وأيضاً، تبدو السلطة في مصر غير مكترثة للجوانب الثقافية، ولا للتاريخ الفني الذي تراكم عبر عقود، ولو حظي المهرجان بأي قدر من الاهتمام لدى الدولة، لجرى توفير الميزانية اللازمة بصورة فورية ومبكرة.

إن الحفاظ على تاريخ المهرجان لا يعني تكرار الشكل نفسه كل عام. وينبغي أن تتجاور مساحة للتراث، ومساحة للفنانين الكبار، ومساحة للأجيال الجديدة، ومشروعات لإعادة تقديم الأعمال المهمة، إلى جانب الندوات والتوثيق والدراسات التي تجعل المهرجان مؤسسة فن ومعرفة. 

كذلك تحتاج المؤسسة إلى تطوير علاقتها بالجمهور، فالتواصل المبكر والواضح حول البرنامج واختياراته يمكن أن يقلل من التوتر الناتج من التصريحات المتعارضة وأخبار الانسحاب والاعتذار.

يحتاج مهرجان الموسيقى العربية إلى تصور طويل المدى يجعل كل دورة امتداداً لما قبلها وتمهيداً لما بعدها. فالمهرجان الذي يستحق اسمه لا يعيش على قوة تاريخه وحدها، بل يجدد أسباب حضوره مع كل جيل. 

وأزمة الدورة الحالية تضع أمام القائمين عليه فرصة لإعادة ترتيب البيت من الداخل: المال معروف قبل بدء البرنامج، والصلاحيات محددة قبل المفاوضات، وحقوق الفنانين والموسيقيين واضحة قبل فتح المسارح، والرؤية الفنية معلنة قبل أن تفرض الضرورات الطارئة نفسها.