أفلام طويلة في مهرجان الجونة الـ9: عنف ومراهقة وشيخوخة وإبادة
في دورة مهرجان الجونة التاسعة (15 ـ 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، يتجاور الهمّ الفلسطيني الآنيّ مع قلق المُراهقة وتعب الشيخوخة وانفعالاتها، ويحضر التاريخ، بزمنيه القديم والمعاصر، وتُطرح أسئلة عن الحبّ والذاكرة والعلاقات البشرية.
هذا يظهر في الوثائقيّين "المواطن أسامة" لأحمد حسونة، المعروض أولاً في برنامج Venice Open ـ خارج المسابقة، بالدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) لمهرجان فينيسيا؛ و"من قتل ألكس عودة" لجايسون أوسْدر وويليام لافي يومانس، المعروض أولاً في برنامج "عرض خاص للبرليناله"، بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين: الأول يتابع يوميات المُصوّر الغزّاوي أسامة العشي، في فترة حرب الإبادة في غزة، قبل وقت قليل على ولادة ابنه البكر، إلى ما بعد الاحتفال بأول عام له في الحياة؛ والثاني يستعيد شخصية فلسطينية ناشطة سلمياً في كاليفورنيا الأميركية، يغتالها متطرّفون يهود إسرائيليون في مكتبها (11 أكتوبر/تشرين الأول 1985).
في "المواطن أسامة"، يترافق توثيق أسامة العشي يوميات حرب الإبادة، بكاميرا فوتوغرافية وتسجيلية وأخرى بهاتفه الخلوي، مع توثيق أحمد حسونة لذاك التوثيق، ما يجعل الوثائقي مُستَنَداً بصرياً لفصل من فصول الإبادة الإسرائيلية المستمرة، غير المحصورة (الإبادة) بقصف وقتل وتدمير، وبسحق وإلغاء كامل لبلدات وقرى وعائلات،
كما تعتاد إسرائيل فعله في فلسطين وغيرها، أقلّه منذ عام 1948 (النكبة/إنشاء دولة إسرائيل). فالاغتيال (يُوسم أحياناً بالسياسي) أساسي في نهج الكيان المحتل، خاصة إن يكن الهدف شخصية فاعلة ومؤثّرة في أي تقارب سلمي، أو مواجهة عسكرية.
ألكس عودة (مواليد 4 إبريل/نيسان 1944 بجِفنا، ثمانية كيلومترات شمال رام الله، في عائلة كاثوليكية) ناشط فلسطيني، يناضل سلمياً عبر اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز، المُمارَس (التمييز) ضد الأميركيين العرب، واللجنة تواجه "الصُور النمطية السلبية في وسائل الإعلام"، كما يقول عودة في لقاء عام.
هذا النشاط اليومي وحده كافٍ لممارسة عنفٍ متنوّع الأشكال عليه، فعلاقاته تبلغ شخصيات يهودية وأميركية وعربية، تبحث عن مشتركات سلمية بين الناس، بلغة هادئة ومنفتحة، ومحصّنة بوعي معرفي ثريّ.
إليهما، تُعرض أربعة أفلام روائية طويلة، حديثة الإنتاج: "خروج آمن" للمصري محمد حمّاد، و"روز" للنمساوي ماركوس شلاينزر، و"ملكة البحر" للأميركي لانس هامّر، المعروضة كلّها بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين (الأول في بانوراما، والثاني والثالث في المسابقة)، و"بعد ثلاثة أسابيع" للصربي ميروسلاف تيرزيتش و"الضيفة" للدنماركي مادس مينغل، المعروضين في مسابقة الكرة الكريستالية بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري.
مشترك أساسي بين هذه الأفلام، يتمثّل في عنفٍ يُصيب أفراداً في علاقاتهم بأنفسهم وبآخرين وأخريات، فيجهدون في الخروج من مآزقهم بشتى الوسائل، من دون تبيان واضح لمصائر غالبيتهم. هذا العنف غير محصور في بالغين وبالغات (هناك من يعاني أهوال حرب وذكورية، كما في "روز")، فمراهقون يمارسونه أيضاً بما يتفوّق على عنف بالغين أحياناً (بعد ثلاثة أسابيع)، وبعض الشيخوخة تعرفه أيضاً، وإن بشكل أقلّ حدّة (ضيفة): روز (ساندرا هولر) عائدة من حرب مديدة، وترغب في سلام يُنقذها من عنف الحرب. تصل مرتدية زيّ جندي، وتُقدّم نفسها، بصفتها جندياً ذكراً، وريثاً يملك مستنداً يُفيد بملكيته أرضاً ومنزلاً. انكشاف هويته/ها الجنسية مدخلٌ إلى تساؤلات عن الجندرية والحرب والعلاقات الجسدية.
مراهقو مدرسة يؤخذون في رحلة بعد "انتحار" زميل لهم/لهنّ. لكن الإقامة المؤقتة في فندق تتحوّل إلى مساحة لفضح المخبّأ، ولتنفيس غضب وأحقاد وكتمان وقمع وفوضى بينهم وبينهنّ. أما الـ"ضيفة"،
فيبيكي (تريني ديرهولم)، فتزعزع احتفالاً بعمادة حفيدها، إذ يُشكّل اقتحامها المفاجئ ذاك الاحتفال مفتاحاً لماضٍ مرتبك وقاسٍ بينها وبين ابنها كارل (سيمون بينيبيارغ)، والد حفيدها، وابنتها ريكي (جوزفين بارك).
الحب، أو الرغبة في التواصل الجسدي بين عجوزين (ملكة البحر) يُثير توتّر أماندا (جولييت بينوش)، فوالدتها مرتبطة بعجوز منذ أعوام، وأمراض ذاك العمر تبدأ بالظهور. محاولة مارتن (توم كورتني) ممارسة الجنس مع زوجته/والدة أماندا (آنا كالدر ـ مارشال) تُدخل الجميع في دوامة التساؤلات الحياتية والفكرية والجسدية والبشرية، في سياق درامي سلس، رغم ثقل التساؤلات.
أخيراً، يجهد سمعان (مروان وليد) في "خروجٍ آمن" من واقع يعيش فيه مصائب جمّة. يريد متنفّساً، أو يوهم نفسه والآخرين بذلك، مع أنّ يومياته تشي بها (المصائب). حارس مدني لمبنى يُقيم فيه (شقة مُزرية على السطح)، يظنّ أنّ كتابة رواية (تقول شيئاً أو أكثر عنه) كافيةٌ لمتنفّس مرغوب فيه، لكنّه مُغيّب لشدّة بؤس يحاصر ذاك الواقع نفسه.
يحمل في ذاته ثقل جريمة تُرتكب بوالده (القصة حقيقية: داعش يذبح 21 قبطياً مصرياً في المدينة الليبية سرت، في 15 فبراير/شباط 2015)، فيحاول خروجاً آمناً من ذاك الثقل، من دون فائدة. مراراً، يُنقذ شاباً أصولياً، يسكن برفقة والدته في المبنى نفسه، من مداهمات رجال شرطة وأمن، فالشاب (كما يبدو) مطلوبٌ لانتمائه إلى جماعة إسلامية متشدّدة. مع هذا، سيعثر في النهاية على منفذ للخلاص من ذاك الشاب، ظنّاً منه أنّ خلاصاً كهذا سيرتدّ عليه إيجاباً.