الدراما العربية في مواجهة الذكاء الاصطناعي: من يملك المستقبل؟
لم تكن الدراما التلفزيونية العربية، في أي يوم من أيامها الطويلة، نتاجاً معرفياً، بل كانت نتيجة لاستيراد تكنولوجيات حديثة جُرّدت من حداثتها، كي تستطيع مخاطبة متلقٍّ ذي مواصفات خاصة،
فاتجهت إلى المطارح التسويقية، متقاسمة الأرباح المادية والمعنوية مع السلطات على اختلاف أنواعها، التي جارت على المعرفة برقاباتها المتدخلة، بوصفها سمساراً يملك إيقاف الصفقة "التربوية" أو تمريرها، عند حدود الفعل التكنولوجي المستورد.
وهكذا مرّت الدراما التلفزيونية بعصور متعددة، من دون أن يلتفت أحد إلى الفوارق المعرفية بين حقبة وأخرى، أو إلى ضرورة تحريرها من عوائق الإبداع، تحضيراً لعصر قادم قد يصعقنا معرفياً، من دون أن يأبه بسلطات الوصاية عليه.
هكذا انتقلنا من عصر المسلسل التلفزيوني المبثوث عبر محطات التلفزة المجانية أو المدفوعة، من دون أن يتغير شيء في البنية المعرفية لهذه الدراما. وها نحن نكتشف اليوم أن دراما المنصات الرقمية المتدفقة تختلف تماماً عما نصنعه نحن بوصفنا دراما عربية.
وهذا مجرد مثال، لكن للمعرفة وقاحتها الراقية؛ إذ نقف اليوم مصدومين من قدرات الذكاء الاصطناعي على إنتاج دراما متكاملة، قابلة للمشاهدة بشغف، من دون كتابة حقيقية، أو ممثلين نجوم، أو حتى تقنيين تلفزيونيين يصنعون الصورة بوصفها محاكاة للإنسان.
وهنا لا بد من ملاحظة أن الفعل المعرفي فعل مستقبلي، وأن العلاقة معه تقوم على السبق، لا على مجرد قوانين استنسابية تتحكم بما لدينا الآن من معدات قادرة على إنتاج خطاب.
نعم، صدمنا الذكاء الاصطناعي، نحن أهل الحرفة أو المهنة على الأقل، فحاص أصحابه ولاصوا بحثاً عن حل، ليجدوه مرة أخرى في الاستيراد؛ فتسابقوا على شراء تكنولوجيات هذا الذكاء، تماماً كما كانوا يفعلون سابقاً، مدّعين الشراكة معه.
وهنا يظهر الفارق المعرفي، كما ظهر من قبل؛ فعصر الماكينة، من كاميرات ومونتاج وإضاءة وغيرها، يسبق كثيراً عصر مستخدميها معرفياً وثقافياً وتقنياً، ما يجعل المنتَج نفسه متخلفاً عن الماكينة التي صنعته.
ومن مؤشرات هذا التخلف عدم الالتفات إلى العصور المتجددة التي تمر بها الدراما التلفزيونية، ما دام المحتوى ثابتاً ومعروفاً، بوصفه شغلاً متكرراً لا يتخلله سوى بعض التدريب على ماكينة جديدة مستوردة.
وهذا ما يحصل مع دخول الذكاء الاصطناعي حيز الاستخدام، إذ تكشف نوعية استخدامه مدى صلاحية العبور إلى عصر آخر.
اليوم، يستطيع هذا الذكاء الاصطناعي إنتاج سلع بصرية فائقة الجودة والانتشار معاً، من دون الخضوع لتقاليد الصناعة التلفزيونية، تقنياً وأدبياً، وبتكاليف في متناول الشخص العادي،
وبمجهود أقل من ذلك الذي يتطلبه تصوير عدة مشاهد درامية تلفزيونياً. بمعنى آخر، فقدت الماكينة صلاحيتها لدى مالكيها المتحكمين بإنتاجها، وكذلك لدى السلطات الوصائية التي ما إن تغلق باباً على الإنترنت حتى ينفتح أمامها مئة باب، في تناغم فريد بين المنتجين والمستهلكين.
هل يمكن لأحد المهتمين بصناعة الدراما التلفزيونية العربية أن يتساءل عن أعداد المسلسلات القصيرة المعروفة بـ"الميكرو دراما"، وما توحي به أرقامها الباهظة من دلالات، وما تتركه من أثر في هذا المجال؟
خصوصاً إذا نظرنا إلى المدة التي استغرقها هذا التغيير في دولة معيارية واحدة، هي الصين: 430 ألف مسلسل ميكرو في ثمانية أشهر، مع أعداد هائلة من المتابعين. وهذا في الصين وحدها؛
فماذا عن العالم أجمع؟ وما العلاقة الممكنة بين منتجي الدراما العرب ودراما العصر القادم، الذي لم ينتبه أحد تقريباً إلى أنه قادم، شأنه شأن العصور السابقة التي فاتتنا ملاحظتها؟
العلاقة، بصريح العبارة، هي الحداثة بكل مضامينها، تلك التي تعجبنا وتلك التي ننبذها، وليست تلك العبارة المعدمة: نأخذ منها ما نستفيد منه ونترك الباقي. فقد جرّبنا هذا المنطق،
وأوصلنا في نهاية الأمر إلى برامج الـ"توك شو"، وصراعات الفنانين وصرعاتهم، من دون أن نتقبل الأنواع الدرامية الابتكارية، فضلاً عن الإبداعية.
في هذه الأثناء، يستكمل العصر الدرامي الجديد بناء نفسه، بما يعنيه ذلك من اتساع تأثيراته الثقافية. فعمل درامي من دون مؤلف أو ممثلين أو مخرجين، يُلقى على الشبكة العالمية،
لا يستطيع أحد مساءلته أو انتقاده، مع أن باب النقد مفتوح. فلا أحد يستطيع مساءلته عن فكرته أو موضوعه، أو عن واقعيته ومحاكاته، أو عن القيم والأخلاق والتقاليد والمعتقدات، أو عن الملابس والمكياج، أو عن الحرية الشخصية، سواء أكانت سرية أم علنية.
فكيف سيكون موقف المنتج العربي وموقعه أمام المشاهدين على شاشة الهاتف المحمول؟
إنه سؤال يطرح نفسه على كل من يعارض الحداثة غيرةً على ثقافة الناس المتداولة: ماذا أنتم فاعلون أمام مسلسل مصنوع بالذكاء الاصطناعي، تجاوز كل محاذيركم،
ولا يستطيع أحد مساءلته أو ضبطه أو التحكم بدرجة إضاءته ونوعيتها؟ إنها العصور أو المراحل التي مرت بها الدراما التلفزيونية من دون أن نميّز بينها تمييزاً عقلانياً منفتحاً على عالم المستقبل، ومن دون أن نستعد له. فهل من الممكن تدارك الأمر؟
نجيب نصير