Logo

كنائس الجزائر التاريخية... معالم شاهقة ورموز للتسامح الديني

 مع زيارة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر إلى الجزائر، استعادت البلاد اكتشاف تاريخ علاقتها بالدين المسيحي، وتجارب التسامح والتعايش التي شهدتها على مدار تاريخها، إذ تضم عدداً من الكنائس والأديرة التي تحافظ على طابعها القديم، وتتولى الحكومة رعايتها والقيام على شؤونها بصفتها فضاءات تلاقٍ وتسامح.
 
وتعد كنيسة السيدة الإفريقية التي بنيت على تل مرتفع فوق حي بولوغين الشعبي بوسط العاصمة الجزائرية، الأكثر أهمية من الناحية الرمزية في البلاد، 

وتطل الكنيسة على كامل حي باب الواد، أبرز أحياء الجزائر، ويمكن رؤية أجزاء مهمة من العاصمة منها، ورسّخها موقعها وطبيعتها العمرانية مقراً لأسقفية الجزائر، حيث توجد سفارة دولة الفاتيكان.

وتتميز الكنيسة بقبابها البيضاء، ومنارة مرتفعة يعلوها الصليب، وفي الداخل تبرز الإنارة الخافتة التي تعزز صمت المكان وهيبته، ويمكن ملاحظة زخارف مميزة، وتمثال كنسي أقيم على قاعدة عالية،

 وفي الخارج توجد تماثيل، ونصب تذكاري أقيم للرهبان الـ19 الذين قتلوا على أيدي الجماعات المسلحة في فترة التسعينيات.

وتجمع الكنيسة في الأعياد الدينية الأسر المسيحية والمهاجرين من الدول الأفريقية الذين يستفيدون من خدمات تقدمها. 

ووصف رئيس أساقفة الجزائر، جان بول فيسكو، خلال كلمة ألقاها في استقبال بابا الفاتيكان، الكنيسة بأنها "صرح يعد مهد الآباء والأخوات البيض، ومساحة للقاء والأخوة، وكنيسة فسيفساء تضم عشرات الجنسيات التي تعيش أخوة حقيقية مع مختلف الطوائف والأديان" 

مشيراً إلى أن "أكثر من 90% من زوارها هم من المسلمين، ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من تراث الجزائر".
 
في مدينة عنابة، 600 كيلو متر شرقي العاصمة الجزائرية، تقبع واحدة من أجمل كنائس الجزائر، وهي كنيسة سانت أوغسطين، والتي زارها البابا لاوون، الثلاثاء الماضي، 

ومن أي الطرق التي يمكن للزائر الدخول إلى عنابة، يمكنه مشاهدة الكنيسة التي تعتلي تلّاً يجعلها في مرمى نظر كل قادم، 

لكن يتعين قطع مسافة 11 كيلومتراً من وسط المدينة للوصول إلى الكنيسة التي تعد أبرز المعالم السياحية في عنابة، والأكثر زيارة من قبل السياح الأجانب. 

ووضع حجر الأساس لكنيسة القديس سانت أوغسطين في سنة 1881، فوق هضبة تعرف محلياً بـ"لالة بونة"، وتحيط بها آثار عدة في الحي المسيحي بمدينة هيبون الأثرية، وتم تدشينها في عام 1900، واستخدم في بنائها المرمر الأحمر والرخام الأبيض،

 وتتمتع الكنيسة بموقع جغرافي يوفر لها إطلالة خلابة على البحر شمالاً وعلى المدينة جنوباً، ويجمع الطراز المعماري لها بين العمارة الرومانية البيزنطية والملامح الموريسكية.

وخضعت الكنيسة للترميم من قبل الحكومة الجزائرية بين عامي 2010 و2013، لاستعادة رونقها، وحضر البابا لاوون الرابع عشر مراسيم التدشين الجديد بصفته حينها رئيساً للرهبنة الأوغسطينية.

وتعتبر أستاذة التراث الثقافي المادي وغير المادي في جامعة عنابة، حسينة بوشيخ، أن "الكنيسة تمثل للعنابيين رمزاً للتسامح الحضاري والديني، ودلالة على الإرث التاريخي الضارب في القدم لمدينة هيبوريغيوس (هيبون)، لذلك تحظى بالاحترام وأيضاً بالزيارة كموقع سياحي وفضاء متحفي مفتوح على الديانة المسيحية، خاصة أنها تضم مكتبة ثرية بالمراجع أيضاً".

وتضيف بوشيخ "يحظى الدير الذي يتبع الكنيسة بكثير من الاحترام في المجتمع المحلي، إلى جانب دار المسنين التي تسهر عليها البازيليكا، حيث تنظم حفلات في المناسبات الدينية والوطنية بالاشتراك مع مختلف الفاعلين في المجتمع المدني، ما عزز صلة الترابط بين بازيليكا القديس أوغسطين والناس،

 وعموماً تمثل الكنيسة في المِخيال العنابي لالة بونة، والتي يعتبرونها رمزاً للتمازج الحضاري وتاريخ المنطقة العريق".
 
وفي قلب العاصمة الجزائرية توجد كنيسة ثالثة ذات أهمية، هي كنيسة "القلب المقدس"، وهي لا تختلف من الداخل عن باقي الكنائس من حيث المنقولات والزخرفة والتماثيل، 

لكن ما يميزها من غيرها، هو شكلها الخارجي، وطابعها المعماري الذي يبدو غريباً نوعاً ما مقارنة بالنماذج العمرانية المعروفة للكنائس الشرقية، 

إذ تبدو من بعيد كما لو أنها فوهة مفاعل نووي، بسبب قبتها المركزية التي تشبه تلك الإنشاءات، وقبابها المحدبة، وفي الداخل تبرز أعمدتها المربعة والمائلة التي أقيمت بشكل يرفع قبابها المحدبة،

 إضافة إلى أنها، على خلاف بقية الكنائس، أقيمت في وسط المدينة، وتحيط بها الشوارع الرئيسة في العاصمة الجزائرية، لكن ذلك يجعلها أكثر زخماً نظراً إلى سهولة وصول الزائرين إليها.

عثمان لحياني
صحافي جزائري.