Logo

ما وراء الممرات.. هل يتحول اضطراب هرمز لأزمة جوع عالمية؟

 تدفع اضطرابات مضيق هرمز الأزمة الجيوسياسية إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة، مع انتقال أثرها تدريجياً إلى قلب سلاسل الغذاء العالمية، في وقت تتشابك فيه تكلفة الوقود مع مدخلات الزراعة لتعيد تشكيل معادلة الأمن الغذائي.

وتتصاعد المخاوف مع تعطل تدفقات الأسمدة والغاز، ما يضع الإنتاج الزراعي العالمي أمام اختبار مزدوج بين ارتفاع التكاليف وتراجع الإمدادات، وهو ما قد لا يظهر فوراً في الأسعار، لكنه يتسلل إلى المواسم الزراعية المقبلة.

هرمز والأسمدة

ويشكل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة والأسمدة، ما يجعل أي اضطراب فيه نقطة بداية لصدمة عالمية تمتد إلى الأمن الغذائي.

وتُظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في مارس 2026، أن اضطراب مضيق هرمز لا يقتصر على النفط، بل يضرب مباشرة شريان الأسمدة العالمي.
 
ينقل المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، إضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، وما يصل إلى 30% من تجارة الأسمدة عالمياً، ما يجعله نقطة تقاطع حاسمة بين الطاقة والغذاء.

وتشير "فاو" إلى أن نحو 1.3 مليون طن من الأسمدة شهرياً تعطلت عن العبور، في ظل غياب ممرات بديلة.

وتؤكد شركة "يارا" النرويجية أن إغلاق هرمز يعطل نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية، مع توقف تدفقات مواد أساسية مثل الأمونيا والفوسفات والكبريت، وتضيف أن صدمة المعروض أدت إلى نقص فوري وارتفاع حاد في الأسعار.

وفي سياق متصل، أفادت "بي بي سي" في 30 أبريل 2026 بأن أسعار اليوريا قفزت بأكثر من 40% خلال أسابيع من اندلاع الحرب، بينما زادت القيود الصينية على التصدير من تعقيد المشهد، إذ تمثل الصين نحو 25% من الإنتاج العالمي للأسمدة، مع تقييد ما بين 50% و80% من صادراتها، وفق بيانات جمركية نقلتها وكالة "رويترز".

وأدى تعطل هرمز وتشديد بكين قيود التصدير إلى خلق صدمة مزدوجة في سوق الأسمدة، تهدد سلاسل إنتاج الغذاء عالمياً.
 
تكلفة الغذاء

وتمتد تداعيات الاضطراب من أسواق الطاقة في الخليج إلى الحقول الزراعية عالمياً، مع انتقال صدمة التكاليف إلى قلب عملية الإنتاج الغذائي.

وأوضح كبير الاقتصاديين في "فاو" ماكسيمو توريرو، في مارس 2026، أن الأزمة الحالية "ليست صدمة طاقة فقط، بل صدمة لأنظمة الغذاء والزراعة"، مشيراً إلى أن ارتفاع كلفة الأسمدة والوقود يضع المزارعين أمام ضغط مزدوج يمتد من الإنتاج إلى النقل.

وتشير تقديرات المنظمة إلى أن انخفاض توافر الأسمدة قد يؤدي إلى تراجع إنتاج محاصيل أساسية مثل القمح والذرة والأرز خلال 6 إلى 9 أشهر، وهو ما ينعكس لاحقاً على الأسعار.

وبدأت المؤشرات بالفعل في التحرك، إذ ارتفع مؤشر أسعار الغذاء إلى 128.5 نقطة في مارس (+2.4% شهرياً و+1% سنوياً)، بينما صعدت أسعار القمح العالمية 4.3%، وفق بيانات "فاو".

كما تحذّر المنظمة من أن استمرار الأزمة لأكثر من 40 يوماً سيدفع المزارعين إلى تقليص استخدام الأسمدة أو خفض المساحات المزروعة، ما يهدد الإنتاج.

وتقدّر أن أسعار الأسمدة قد ترتفع بين 15% و20% خلال النصف الأول من 2026، مع تسجيل زيادات فعلية بلغت 19% لليوريا في الشرق الأوسط و28% في مصر.

ومن زاوية أوسع، يربط البنك الدولي بين أسعار الغاز والأسمدة النيتروجينية، مؤكداً أن أي صدمة في الغاز تنتقل مباشرة إلى تكلفة الغذاء، في ظل بقاء أسعار الأسمدة أعلى بنحو 20% من مستويات العام الماضي.

أزمة عالمية مرتقبة

ويؤكد خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة، أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز لعدة أشهر كفيل بنقل المعاناة من قطاع الطاقة إلى أزمة غذاء عالمية مزمنة.

ويوضح حمزة أن خطورة هذه الأزمة تكمن في تأثيرها المتأخر، حيث يظهر نقص الغذاء في المواسم الزراعية اللاحقة نتيجة شح الأسمدة النيتروجينية، مما يجعل تعويض هذا الخلل أصعب بكثير من تعويض نقص الطاقة الذي يمكن استدراكه عبر الاحتياطيات.

ويشير حمزة إلى افتقار الأسواق العالمية لخطط بديلة سريعة قادرة على سد الفراغ الذي يخلّفه توقف تدفقات اليوريا والأمونيا من منطقة الخليج، خاصة في ظل الاعتماد الدولي الكبير على الغاز الرخيص المتوافر بالمنطقة لإنتاج هذه المواد.

ولفت إلى أن محاولات الدول الكبرى لزيادة الإنتاج المحلي ستصطدم بعقبات التكلفة اللوجستية العالية وضيق الوقت، مؤكداً أن الممرات البحرية البديلة أو الطرق البرية لا تمتلك القدرة الاستيعابية الكافية لتعويض كفاءة وحجم الشحن عبر مضيق هرمز.

ويرى أن تكرار الأزمات الجيوسياسية سيدفع القوى الكبرى نحو ثورة في هندسة سلاسل الإمداد، عبر الابتعاد عن الممرات البحرية "الحساسة" والتوجه نحو تنويع المصادر وتوطين الصناعات الزراعية والغذائية لضمان السيادة الوطنية.

ويردف أن مفهوم الأمن الغذائي سيتحول من مجرد قضية اقتصادية إلى ركيزة أساسية للأمن القومي، حيث ستسعى الدول إلى إنشاء ممرات برية وأنابيب بديلة، مع الاستثمار المكثف في الزراعة الذكية.

ويستعرض الخبير جملة من الإجراءات الاستراتيجية للدول الخليجية، تتصدرها ضرورة بناء احتياطيات غذائية ضخمة وتوسيع الاستثمارات الزراعية في دول مستقرة مائياً، مع تعزيز التكامل البيني في مجالات النقل والطاقة.

وأضاف حمزة أن المنطقة بحاجة ماسة إلى الانتقال من مفهوم "الأمن الغذائي التجاري" القائم على الاستيراد، إلى "المرونة الغذائية" التي تشمل تطوير خطوط تصدير بديلة عبر البحر الأحمر لتقليل الاعتماد الكلي على معبر هرمز الوحيد.

ويحذّر من موجة مجاعات حادة قد تضرب الدول الفقيرة والمستوردة للغذاء، نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف الشحن وتوقف إمدادات الأسمدة، مما يضع الحكومات الهشة أمام عجز كامل عن توفير رغيف الخبز لمواطنيها.

ويعتقد أن أزمة هرمز "اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على الصمود، حيث قد تتفاقم الأوضاع في أفريقيا والشرق الأوسط لتصل إلى اضطرابات اجتماعية وهجرات جماعية، إذا ما تزامنت الأزمة مع التغيرات المناخية والنزاعات القائمة".
 
سلسلة الهشاشة

وتكشف الأزمة انكشاف سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالخليج، حيث تتقاطع الاعتمادات التجارية من آسيا إلى أفريقيا، ما يضاعف أثر أي اضطراب في الممرات الحيوية.

وتُظهر التقارير أن التأثير لا يتوزع بالتساوي، إذ تعتمد أوروبا وآسيا بدرجة أكبر على هرمز، ما يدفعها إلى منافسة أشد على الوقود والأسمدة، وهو ما قد يرفع الأسعار حتى في أسواق بعيدة مثل الولايات المتحدة، رغم استقرار الإمدادات حالياً.

وفي القطاع الزراعي الأمريكي، يشير استطلاع لاتحاد المزارعين شمل 5700 مزارع إلى أن 70% منهم لن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم بالكامل من الأسمدة هذا العام، مع اتجاه البعض إلى تقليص المساحات المزروعة.

وتعيد التجربة الأوكرانية في فبراير 2022، تأكيد سرعة انتقال الصدمات، حيث قفز القمح إلى أكثر من 13 دولاراً للبوشل (أداة قياس تساوي 50 - 60 رطلاً)، والذرة إلى 7 دولارات قبل أن تتراجع لاحقاً، ما يبرز حساسية أسواق الغذاء لأي اضطراب جيوسياسي.

وفي السياق ذاته، يحذّر بيان مشترك لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي، في أبريل 2026، من أن العبء الأكبر سيقع على الدول منخفضة الدخل والمستوردة للغذاء والطاقة، مع محدودية قدرتها على دعم الأسر.
 
ويقدّر برنامج الأغذية العالمي أن تداعيات الأزمة قد تدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد، مع ارتفاع انعدام الأمن الغذائي في آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 24%.

كما تكشف بيانات "فاو" أن دولاً مثل مصر والسودان وبنغلادش والهند، إضافة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء، تُعد الأكثر عرضة للصدمة، بفعل اعتمادها على الواردات وتزامن الأزمة مع مواسم زراعية حساسة، ما يضعها في صدارة موجة التأثر إذا طال أمد الاضطراب.