Logo

منظمة الصحة العالمية: موجة حرّ أوروبا مجرّد بروفة والمقبل أسوأ

 أفاد المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانز كلوغ، بأنّ موجة الحرّ الأخيرة، التي تجتاح دول القارة منذ أكثر من أسبوع، هي مجرّد "بروفة" وأنّ المقبل أشدّ سوءاً، 

على الرغم من أنّ خبراء أشاروا إلى أنّها الأشدّ في أوروبا على الإطلاق وقد ربطوها بتغيّر المناخ. يأتي ذلك في حين تواصل موجة الحرّ هذه التأثير بعشرات الملايين في أوروبا، مع تسجيل درجات قياسية في عدد من الدول، فيما يتوقّع خبراء موجة حرّ جديدة في الأيام المقبلة.

ووفقاً لتقديرات كلوغ، فإنّ "الصيف سوف يكون أشدّ قسوة في الأعوام المقبلة"، وقد حذّر من أنّ احترار أوروبا يرتفع بأكثر من ضعف المعدّل العالمي، 

مبيّناً أنّ موجات الحرّ لم تعد أحداثاً لمرّة واحدة، بل هي أزمات متكرّرة تزداد تواتراً وقوة وتستمرّ لفترات أطول. وأضاف كلوغ أنّ "كلّ صيف نفشل خلاله في الاستعداد لموجات الحرّ هو صيف ندفع ثمنه من الأرواح".

 يُذكر أنّ المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس أدهانوم غيبريسوس كان قد أفاد، أوّل من أمس الأحد، بأنّ موجة الحرّ الأخيرة خلّفت، حتى تاريخه، أكثر من 1,300 وفاة زائدة.

وأشار كلوغ إلى أنّ في فرنسا، على سبيل المثال، ارتفعت الاتصالات الخاصة بحالات الطوارئ الطبية بنسبة تصل إلى 50% في عدد من المدن، 

فيما شهدت خدمة الإسعاف في العاصمة البريطانية لندن أعلى عدد من اتصالات الطوارئ المهدّدة للحياة على الإطلاق في يوم واحد. 

وتابع أنّ نظام مراقبة الوفيات في إسبانيا قدّر بالفعل وقوع أكثر من 300 وفاة زائدة مرتبطة بالحرارة في غضون أيام قليلة فقط، فيما سجّلت إيطاليا خمس وفيات خلال 24 ساعة.

ودعا كلوغ إلى بذل مزيد من الجهود، قائلاً إنّ "أكثر من نصف الدول الأوروبية لا تملك حتى الآن خطة عمل شاملة للصحة ومواجهة الاحترار"، مشدّداً على أنّ "ذلك في حاجة إلى تغيير". 

يُذكر أنّ المسؤول الأممي كان قد حذّر، في وقت سابق، من أنّ موجة الحرّ التي تشهدها بلدان غربي أوروبا أخيراً تمثّل "حالة طوارئ صحية" وليس فقط ظاهرة جوية أو حدثاً مناخياً.
 
شمال غربي المتوسط يسجّل موجة حرّ بحرية "تاريخية"

وعلى الرغم من أنّ موجة الحرّ الراهنة بدأت تنحسر في عدد من مناطق أوروبا أخيراً، يواجه أكثر من 95 مليون نسمة، خصوصاً في شرق القارة وجنوبها، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وفقاً لبيانات أعدّتها أو جمعتها وكالة فرانس برس، 

فيما يحذّر خبراء من موجة جديدة قد تسود في الأيام المقبلة.

وقال الخبير في الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، باتريك غالوا، لوكالة فرانس برس إنّه "ابتداءً من يوم الجمعة المقبل، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نتوقّع مرتفعاً جوياً (...) تكون درجات الحرارة فيه مرتفعة جداً،

 ومن المرجّح أن تتجاوز 35 درجة مئوية"، مع العلم أنّ موجة الحرّ الاستثنائية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة آخذة في الانحسار.

في سياق متصل، يشهد شمال غربي البحر الأبيض المتوسط موجة حرّ بحرية بلغت مستوى قياسياً لجهة شدّتها، مع تسجيل ارتفاع بمعدّل 5,2 درجات مئوية عن المعدلات الطبيعية، وفقاً لبيانات معهد علوم البحار الإسباني. 

وقال الباحث في هذا المعهد، خوستينو مارتيينيز، لوكالة فرانس برس: "في حال احتسبنا متوسّط شدّة هذه الظاهرة، نحصل على 5,2 درجات مئوية، وعندما نجري الحساب نفسه للأعوام السابقة نلاحظ أنّ هذا الرقم يمثّل مستوى قياسياً".

وأفاد الباحث بأنّ هذا الرقم القياسي يعود بدرجة كبيرة إلى موجة الحرّ الشديدة التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة. وأوضح أنّ "موجة الحرّ هذه... هي الأكثر شدّة مقارنة بأيّ متوسط يومي سجّلناه سابقاً"،

 في إشارة إلى المنطقة الممتدّة شمالي جزر البليار الإسبانية وغربي كورسيكا (التابعة لفرنسا) وسردينيا (التابعة لإيطاليا). وقال مارتيينيز إنّ القياس اعتمد على درجات حرارة السطح فقط باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية. 

ولفت إلى أنّ تسجيل الرقم القياسي شمال غربي البحر الأبيض المتوسط جاء بعد انتقال ذروة موجة الحرّ الجوية نحو شرقي أوروبا.

ويفيد العلماء بأنّ المحيطات امتصّت نحو 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي، في حين تُعَدّ أوروبا أسرع قارات العالم احتراراً. 

كذلك فإنّ ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد من قدرته على الاحتفاظ بالرطوبة، الأمر الذي يؤدّي إلى عواصف أشدّ، وبالتالي ارتفاع خطر الفيضانات، وهي من الظواهر الجوية المتطرّفة التي يُفاقمها تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

وكان ارتفاع حرارة البحر الأبيض المتوسط قد ساهم في تغذية عاصفة عنيفة أدّت إلى أسوأ فيضانات شهدتها إسبانيا منذ عقود، وذلك في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2024، 

مع العلم أنّ الوفيات، التي تجاوزت 230 وفاة، سُجّلت بمعظمها في منطقة بالنسيا شرقي البلاد.
 
جليد جبال الألب السويسرية يذوب بسرعة غير مسبوقة

من جهة أخرى، حذّر مدير شبكة رصد الأنهر الجليدية السويسرية، ماتياس هوس، من أنّ موجة الحرّ التي تشهدها بلاده وأوروبا أخيراً تتسبّب في ذوبان غير مسبوق بجليد جبال الألب،

 مشيراً إلى أنّ الأنهر الجليدية تواجه خطر الزوال خلال ما تبقّى من فصل الصيف، في حال استمرّ الوضع بهذا الشكل. وقال هوس، في حديث إلى وكالة الأناضول، إنّ أوروبا تشهد "موجة حرّ شديدة جداً، استمرّت لفترة طويلة بطريقة غير معتادة"،

 مضيفاً أنّ الأبحاث العلمية تثبت بوضوح أنّ من غير الممكن لموجات الحرّ المماثلة أن تحدث بهذه الطريقة، إلا بفعل تغيّر المناخ الناجم عن الإنسان.

وأوضح هوس أنّ مثل هذه الظروف الحارة كانت تُسجَّل في العادة في شهرَي يوليو/ تموز أو أغسطس/ آب، غير أنّها صارت تبدأ مبكراً في يونيو/ حزيران وحتى في مايو/ أيار خلال الأعوام الأخيرة،

 مشيراً إلى أنّ "فصل الصيف الحار بات يمتدّ لفترة أطول". وإذ أكد أنّ موجات الحرّ ليست ظاهرة جديدة، بيّن أنّها بلغت مستوى جديداً بسبب تغيّر المناخ، ولفت إلى تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدّلات الطبيعية وظهور أرقام قياسية متكرّرة.

وفي ما يتعلق بجبال الألب، قال الخبير السويسري إنّ "الأمر المثير هو أنّنا نشهد في الوقت الراهن معدّلات ذوبان غير مسبوقة"، موضحاً أنّ الأنهر الجليدية في سويسرا تفقد كميات من الجليد والثلوج تعادل مسبحاً أولمبياً في كلّ ستّ ثوانٍ. 

وتابع: "نحن الآن في مرحلة فقدان غير مستدام للكتلة الجليدية، وكلّ يوم يمتدّ من الآن وحتى نهاية الصيف سوف يؤدّي إلى فقدان جليد تكوّن عبر مئات السنين أو آلاف منها".

ولفت هوس إلى أنّ الأنهر الجليدية في جبال الألب كانت في وضع سيّئ حتى قبل موجة الحرّ هذه، بسبب شتاء فقير بالثلوج، متوقّعاً خسائر كبيرة إضافية خلال هذا العام. وتابع أنّ أوروبا تشهد احتراراً أعلى من المعدّلات العالمية، 

محذّراً من أنّ السياسات الحالية قد تؤدّي إلى ارتفاع عالمي بحدود 2,7 درجة مئوية، الأمر الذي قد يعني فقدان نحو 90% من جليد الألب بحلول عام 2100. 

وأشار إلى أنّ في حال خُفّضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً بطريقة منّسقة بحلول عام 2050، من الممكن الحفاظ على نحو 25% من أنهر الألب الجليدية.
 
 (أسوشييتد برس، فرانس برس، الأناضول)