Logo

مضيق ملقا: ممر القراصنة والكنوز الغارقة والقصص المرعبة

 اقترحت سلطنة عُمان نظام إدارة لمضيق هرمز تشبه مضيق ملقا، من خلال الاعتماد على مساهمات طوعية. مضيق ملقا لا تقل أهميته الدولية عن مضيق هرمز، فهو معبر مائي "حسّاس واستراتيجي"،

 لكنه كذلك مضيق "بالغ الخطورة"، ومعروف بقصص الرعب والقتل والجثث والقراصنة، وكذلك الكنوز الغارقة.

مضيق ملقا حيوي

مضيق ملقا ممر مائي طوله 900 كيلومتر يربط المحيط الهندي بالهادئ. يمتد بين جزيرة سومطرة الإندونيسية، وشبه جزيرة ماليزيا، وأقصى جنوب تايلاند. واستمد المضيق اسمه من ميناء ملقا التجاري (مالاكا سابقاً) على ساحل الملايو، 

والذي كان ذا أهمية بالغة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويمر عبر مضيق ملقا نحو 22% من التجارة البحرية العالمية، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

مضيق قصص الرعب

ويعد مضيق ملقا شديد الخطورة، إذ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 2.7 كيلومترات فقط. هذا يعني ازدحام السفن بما يرفع من احتمالات التصادمات وجنوح السفن، خصوصاً في المناطق الأكثر كثافة.

 كما أنّ أي خلل، حتى وإن كان محدوداً، قد يؤدي إلى تباطؤ حركة المرور، بل وتعطّلها، وارتفاع تكاليف الشحن عالمياً، إلى جانب مشكلة أخرى تتمثل في أن الضباب الناتج عن حرائق الغابات والأحوال الجوية تؤدي إلى ضعف الرؤية للسفن المبحرة في المضيق.

هذه المخاطر أنجبت قصصاً مرعبة عبر الأجيال، تعود إحداها إلى عام 1948، عند اختفت سفينة هولندية بشكل غامض أثناء إبحارها في المضيق. 

كانت آخر رسالة استغاثة للطاقم تقول: "جميع الضباط، بمن فيهم القبطان، لقوا حتفهم، وهم ملقون في غرفة الخرائط وجسر القيادة. 

ربما يكون الطاقم بأكمله قد مات... أنا أموت". عندما استجاب طاقم سفينة لنداء الاستغاثة، وصعدوا على متن السفينة المنكوبة، وجدوا أنفسهم أمام كابوس: سفينة مليئة بالجثث، قد تجمّدت تعابير الرعب على وجوهها، عيون جاحظة من محاجرها، وأفواه مفتوحة على مصراعيها كما لو كانت تصرخ، وأذرع ممدودة كما لو كانت تحاول الوصول إلى شيء ما. الغريب أن الجثث لم تظهر عليها أي علامات إصابات. 

وكان من المقرر سحب السفينة إلى الميناء... لكن اندلع حريق أدى إلى انفجار أغرقها.
 
هذا ما تقوله الأسطورة، التي لم يُعثر على دليلٍ يُثبتها أو يُثبت وجود السفينة أصلاً، ما جعلها واحدةً من أكثر الأساطير البحرية إثارةً للجدل في التاريخ. 

يقول موقع نيوز الأسترالي، إن بعض المؤرخين يجادلون بأن الحادثة لم تقع أصلاً، لعدم وجود سجلاتٍ على متن السفينة المنقِذة تُفصّل محاولة الإنقاذ، 

بينما يعتقد مُنظّرو المؤامرة أن عدة دولٍ تآمرت للتستر عليها. هذا ويرجّح آخرون أن غازاً ساماً انبعث من شقوقٍ في قاع البحر والتهم القارب، بينما يُلقي البعض باللوم على قوى خارقة للطبيعة.

وهناك تاريخ مروع من إراقة الدماء في المضيق. كانت معركة مضيق ملقا خلال الحرب العالمية الثانية معركة بحرية أدت إلى غرق الطراد الياباني "هاغورو"، إذ لقي أكثر من 900 شخص حتفهم حينها. 

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، حيرت الشرطةَ أجسامٌ غريبةٌ طافيةٌ في مياه جزيرة بنغكاليس الإندونيسية. اتضح أنها أجزاءٌ من أكثر من اثنتي عشرة جثة متحللة جرفتها الأمواج تدريجياً، بما في ذلك رأس امرأة.

 صرّح متحدثٌ باسم مستشفى حينها بأنه "بناءً على تحقيقاتنا، نُقدّر أن الجثث كانت تطفو في المياه لأكثر من شهر". لم يُعثر على أي آثار عنف على الجثث.

 ومع استمرار التحقيق في سبب الوفيات، اكتشفت الشرطة أن بعض الضحايا كانوا عمالاً إندونيسيين على متن سفينة اصطدمت بموجة عاتية وغرقت. مع ذلك، ظلّت بعض الوفيات غامضة.

مضيق الكنوز

يُخفي مضيق ملقا أيضاً ثروات هائلة على شكل كنوز غارقة. ومن الأمثلة على ذلك السفينة البرتغالية فلور دي لا مار، التي لا تزال مفقودة في قاع البحر، وهي مليئة بكنوز تُقدّر قيمتها بأكثر من 3 مليارات دولار. 

اصطدمت السفينة بشعاب مرجانية قبالة سواحل سومطرة عام 1511 خلال عاصفة، وانشطرت إلى نصفين، مما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 400 شخص تقريباً. 

كانت السفينة مُحمّلة بالغنائم، بما في ذلك أكثر من 60 طناً من القطع الذهبية و200 صندوق مرصع بالجواهر، من بينها الماس والياقوت، سُرقت من قصر السلطان في ملقا.
 
مضيق القرصنة

من أخطار مضيق ملقا تهديدات القرصنة والسطو المسلح، إذ سُجلت 108 حوادث في مضيقي ملقا وسنغافورة خلال عام 2025، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ. 

والقرصنة جزء من تاريخ مضيق ملقا. جاء في بحث في جامعة رادبود نايميخن الهولندية أن سجلات القرصنة في المضيق تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. 

وربما كانت القرصنة موجودة قبل ذلك، حتى قبل أن يبدأ الناس بتسجيلها وتوثيقها. واجتذبت الثروات المنقولة على متن السفن القراصنة، في الماضي والحاضر.

ووصفت مجلة تايم مضيق مالقا عام 2014 بأنه "أخطر المياه في العالم". في إحدى حالات القرصنة سُرق وقود بقيمة 2.6 مليون دولار من ناقلة تسمى أورابين 4، والتي غادرت سنغافورة وكانت متجهة إلى بورنيو. 

حينها صعد عشرة رجال مسلحين على متن الناقلة، وحبسوا الطاقم في الطابق السفلي. لم يتمكن أحد من تتبع السفينة، وتمكن القراصنة من تفريغ أكثر من 3700 طن متري من الوقود على متن قارب آخر.

وفي 2005، صُنّف مضيق ملقا ومضيق سنغافورة كمناطق عالية الخطورة نظراً لتزايد الهجمات على السفن العابرة. وعُزي ازدياد حوادث السطو المسلح خلال تلك الفترة إلى التراجع الاقتصادي الناجم عن الأزمة المالية الآسيوية. 

وقد رُفع هذا التصنيف لاحقاً بعد تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول المطلة ودورياتها البحرية. وفي يناير/كانون الثاني 2025، أفادت التقارير بارتفاع ملحوظ في مخاطر الأمن البحري. ولا تزال السفن العابرة تُنصح باتخاذ تدابير أمنية كافية.

حمزة الترباوي
صحافي مغربي