Logo

موجات الحر تخنق اقتصادات أوروبا...الجفاف والحرائق تضرب القطاعات وتقوض الزراعة

 تواجه أوروبا موجات حر متلاحقة يطلق عليها حرائق الجيل السادس، وأدت إلى انتشار الحرائق والجفاف في العديد من الدول، وخلفت خسائر بشرية كبيرة، وزادت من القلق حول المستقبل في ظل تصاعد مخاطر التغيير المناخي حول العالم. 

وخلف المآسي البشرية والحرجية، تمتد فاتورة طويلة من الخسائر المادية التي تعمق الأزمات الاقتصادية في هذه البلدان.
 
وبين شهري إبريل/ نيسان ويونيو/ حزيران، شهدت أجزاء كبيرة من القارة، من البرتغال في الجنوب الغربي إلى جنوب فنلندا في الشمال الشرقي، هطول أمطار أقل من المعدل. 

وأدت هذه الظروف، بالإضافة إلى موجات الحر المتتالية، إلى تفاقم الجفاف في جميع أنحاء أوروبا، مما خلّف آثاراً زراعية وهيدرولوجية واسعة النطاق، وانخفاضاً غير معتاد في مستويات الأنهار، وحرائق غابات شديدة، لا سيما في إسبانيا وفرنسا،

 حيث احترق 116 ألف هكتار و42 ألف هكتار على التوالي، وفق بيانات المعهد الأوروبي لمعلومات الغابات والصرف الصحي.

ويُلقي الجفاف بعبء ثقيل على الزراعة، فالخسائر التاريخية في المحاصيل، بما في ذلك أدنى محصول ذرة في فرنسا منذ 50 عامًا، وفقدان أكثر من مليون هكتار من الذرة في رومانيا،

 بالإضافة إلى النزاعات العالمية المستمرة، قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتؤثر بشكل غير متناسب على الأسر ذات الدخل المنخفض.

وقدّر تحليل أجرته وحدة معلومات الطاقة والمناخ أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في يونيو/حزيران تسببت في خسارة أكثر من ملياري يورو من قيمة محصول الحبوب، حيث تحملت فرنسا والمجر العبء الأكبر من الأضرار.

وشكّلت فرنسا ما يقارب نصف الأضرار التي لحقت بمحاصيل الحبوب. وقد تم تخفيض توقعاتها بمقدار 4.1 ملايين طن، بقيمة تقارب 891 مليون يورو بالأسعار الحالية.

وتكبدت المجر ثاني أكبر الخسائر، حيث تم تخفيض توقعاتها لإنتاج الحبوب بمقدار 2.4 مليون طن، بقيمة تقارب 444 مليون يورو. وخسرت إسبانيا 1.4 مليون طن إضافية، بقيمة 276 مليون يورو، 

بينما تم تخفيض توقعات ألمانيا بنفس المقدار تقريباً، أي ما يعادل 233 مليون يورو من الإنتاج.
 
وقد بدأت العديد من الدول في جميع أنحاء أوروبا في تطبيق قيود طارئة أو حظر مؤقت على الاستخدامات غير الضرورية لمياه الشرب. ويمكن أن يؤدي ترشيد استهلاك المياه إلى زيادة الأعباء والضغوط المالية، لا سيما على الأسر ذات الدخل المنخفض.

وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض منسوب الأنهار إلى تعطيل نقل البضائع، بينما يهدد نقص المياه إنتاج الطاقة في المناطق التي تعتمد على الطاقة الكهرومائية.

وفي تقرير نشر الأربعاء الماضي في موقع "يروآكتيف" تبين أن انخفاض منسوب المياه أثر على الملاحة في نهر الدانوب منذ أسابيع، حيث قامت الشركات بتعليق معظم خدمات العبارات بين بودابست والمدن المجاورة في وقت سابق من هذا الشهر.

وسجلت قراءة بلغت 27 سنتيمتراً فقط في بودابست مساء الثلاثاء الماضي أدنى مستوى قياسي لأطول نهر في أوروبا في هذا الوقت من العام، فيما الحد الأدنى للعمق المطلوب للملاحة الآمنة هو 2.7 متر.

كما انخفض منسوب نهر الراين، ثاني أطول أنهار أوروبا الوسطى والغربية، بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، مما أدى إلى تعطيل الملاحة على طريق رئيسي لنقل خام الحديد والفحم والحبوب، وخاصة النفط.

وأثرت موجات الحر والجفاف والفيضانات في حوالي ربع مناطق الاتحاد الأوروبي في صيف عام 2025. 

وتُظهر دراسة موسعة جديدة أجرتها جامعة مانهايم وخبراء اقتصاديون من البنك المركزي الأوروبي خسائر مُقدّرة بنحو 43 مليار يورو في عام 2025 وحده، وخسائر ستصل إلى إجمالي 126 مليار يورو بحلول عام 2029.

وتشرح وكالة البيئة الأوروبية أن الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة تسببت في خسائر اقتصادية في الأصول تُقدر بنحو 822 مليار يورو خلال الفترة من 1980 إلى 2024 في الاتحاد الأوروبي، منها أكثر من 208 مليارات يورو (25%) بين عامي 2021 و2024. 

وقد كشفت التحليلات الإحصائية أن الخسائر الاقتصادية تتزايد بمرور الوقت، ومع توقع ازدياد حدة الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، فمن المرجح أن تستمر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بها في الازدياد.

وكان شهر يونيو 2026 الأكثر سخونة الذي تم تسجيله في غرب أوروبا وثاني أكثر الشهور سخونة على مستوى العالم، مدفوعًا بأعلى درجات حرارة سطح البحر المسجلة لهذا الشهر، وفقاً للتحديث الشهري من خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ.

وقال معهد زيوريخ في تقريره الأخير حول المناخ، إنه بالنسبة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، تبلغ الخسائر الاقتصادية الحالية الناجمة عن الجفاف 9 مليارات يورو سنوياً. 

وفي سيناريو ارتفاع درجة حرارة الأرض بين درجتين وثلاث درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، قد يتضاعف هذا الرقم تقريباً ليصل إلى 17.3 مليار يورو.
 
يُشكّل القطاع الزراعي أكثر من 50% من هذه الخسائر، ويأتي قطاع الطاقة في المرتبة الثانية من حيث شدة التأثر. وتشمل الآثار الأخرى هبوط البنية التحتية، واضطرابات في النقل وإمدادات المياه.

 ومع ذلك، غالباً ما يكون تأثير ذلك على المزارع غير واضح للعامة حيث يحصل معظم الناس على طعامهم من المتاجر الكبرى ولا يفكرون دائماً في سلسلة القيمة بأكملها.

من جهة أخرى، أجبرت حرائق الغابات الهائلة التي تجتاح فرنسا وإسبانيا أكثر من 300 ألف شخص على ترك منازلهم، ودمرت مساحات شاسعة من الأراضي، وتركت المؤسسات وشركات التأمين والحكومات تواجه خسائر اقتصادية متزايدة.

وصف الرئيس إيمانويل ماكرون حرائق الغابات المستعرة في جنوب غرب فرنسا بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، بينما وصف المسؤولون في مدريد الحرائق التي اندلعت غرب العاصمة الإسبانية بأنها الأسوأ التي شهدتها المنطقة على الإطلاق.

وقد تصل تكلفة مكافحة حرائق إسبانيا وحدها إلى ما بين 1.72 مليار يورو و3.28 مليارات يورو، وفقاً لتحليل نشرته يورونيوز بيزنس،

 ولم يتم حتى الآن وضع تقدير رسمي للتكلفة الإجمالية للحرائق الفرنسية التي اندلعت في منطقة نوفيل أكيتين، لكن نطاقها الاقتصادي يتسع بسرعة.

لم يتضح بعد الأثر المالي طويل الأجل لحرائق الصيف، لكن دراسة أجريت عام 2023 ونُشرت في مجلة الاقتصاد البيئي والإدارة وجدت أن الحرائق الكبيرة تقلل من نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في المناطق المتضررة في جنوب أوروبا بنسبة تتراوح بين 0.11% و0.18%. 

وذكرت يورونيوز بيزنس أن الانخفاض التراكمي يمكن أن يصل إلى ما بين 3.3% و4.8% في السنوات الأكثر قسوة.