أسماك عمياء في العراق.. اكتشاف جديد أم ظاهرة معروفة منذ عقود؟
أثار مقطع مصور لأسماك عمياء تعيش داخل تجويف مائي في منطقة حديثة بمحافظة الأنبار موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل ووسائل الإعلام العراقية والعربية، وسط حديث عن «اكتشاف» ظاهرة طبيعية نادرة.
إلا أن معلومات نشرها صحفي وباحث جيولوجي عراقيان تشير إلى أن وجود هذه الأسماك في المنطقة معروف منذ عقود، وأن أنواعها سبق أن خضعت للدراسة والتوثيق العلمي.
وقال الصحفي الاستقصائي ميزر كمال، في مادة نشرها عبر صفحته على «فيسبوك»، إن ما جرى تداوله إعلاميًا على أنه اكتشاف جديد يتعلق بـ«حفرة فيها أسماك عمياء» يعود في الواقع إلى منطقة معروفة محليًا باسم «الخسفة»، وهي من الكهوف المائية النادرة في الأنبار، وترتبط بسكان المنطقة بموروث من القصص والأمثال والأغاني والشعر.
وأوضح كمال أن الأسماك التي تعيش في هذه الكهوف ليست مجهولة علميًا، بل تنتمي إلى أنواع نادرة لا توجد إلا في هذه البيئة المائية، مشيرًا إلى أن الدراسات العلمية تعود إلى منتصف القرن الماضي.
وبحسب كمال، جُمعت أولى العينات عام 1954 على يد موظف في شركة النفط العراقية يدعى إيه. جي. ويدوسون، قبل أن تصف عالمة الأسماك البريطانية إيثيلوين تريوافاس، من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، أحد الأنواع عام 1955،
وأطلقت عليه اسم Typhlogarra widdowsoni، نسبة إلى جامع العينات الأول. ويُعرف هذا النوع لدى باحثين عراقيين باسم «البارب الأعمى العراقي».
وأضاف أن النوع الثاني جرى اكتشافه عام 1977، بعد أن جمع الباحث والعامل في مركز بحوث التاريخ الطبيعي بجامعة بغداد، العزاوي، عينات منه، قبل أن يصفه العالمان ك. إي. بانيستر ومنير بني تحت الاسم العلمي Caecocypris basimi، المعروف باسم «السمكة الحديثة العمياء».
وأشار كمال إلى أن أهمية هذه الأنواع لا ترتبط بكونها «اكتشافًا» حديثًا، وإنما بكونها كائنات نادرة ومهددة، لافتًا إلى أن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة «IUCN» صنفت النوعين، منذ عام 2018، ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بدرجة حرجة، وسط تحذيرات من أن استمرار تدهور مصادر المياه الجوفية قد يهدد بقاءها.
من جانبه، انتقد الباحث الجيولوجي الدكتور عبد صالح فياض ما وصفه بالتعامل غير الدقيق مع المعلومات المتداولة حول الموقع، مؤكدًا أن منطقة حديثة تضم عددًا كبيرًا من الخسف المسجلة والمعروفة لدى المختصين.
وقال فياض، في منشور له تعليقًا على الضجة التي أثارتها المقاطع المصورة، إن الجيولوجيين سجلوا نحو 60 خسفة في حديثة، وإن بعضها تمت دراسته وتوثيقه ونشر مواد مصورة عنه،
مشيرًا إلى أن وجود الأسماك العمياء في منطقة «الشيخ حديد» معروف للسكان والباحثين منذ سنوات طويلة.
وانتقد الباحث ما وصفه بالمبالغة في بعض التصريحات المتعلقة بالموقع، خصوصًا ما يتعلق بالحديث عن الوصول إلى أعماق تصل إلى كيلومتر، موضحًا أن التعبير الأدق في مثل هذه الحالات هو الحديث عن «مسافة» أو امتداد، وليس بالضرورة عن عمق رأسي.
ويرى فياض أن المعلومات العلمية المتوافرة عن المنطقة تستدعي العودة إلى المختصين في الجيولوجيا والبيئة والأحياء قبل تقديم الظواهر الطبيعية المعروفة على أنها اكتشافات جديدة،
داعيًا إلى ترك مثل هذه المواقع لأهل الاختصاص والباحثين القادرين على توثيقها ودراستها بصورة علمية.
وتتفق ملاحظات كمال وفياض على أن أهمية ما ظهر في المقاطع المصورة لا تكمن في اكتشاف أسماك عمياء للمرة الأولى، وإنما في إعادة تسليط الضوء على نظام بيئي نادر يواجه مخاطر حقيقية.
فبدلًا من التعامل مع الموقع باعتباره مادة للترند أو السياحة العشوائية، تبرز الحاجة إلى حمايته والحفاظ على مياهه الجوفية وبيئته الطبيعية.
وبينما أثارت جهود الشرطة البيئية في الوصول إلى الموقع وتصوير الأسماك اهتمامًا واسعًا، حذر كمال من أن التعامل غير المنظم مع الخسفة قد يؤدي إلى الإضرار بالبيئة الهشة التي تعيش فيها هذه الأنواع النادرة،
داعيًا إلى أن تكون أي زيارات مستقبلية للموقع ضمن أطر علمية وبيئية منظمة.
«السمك الأعمى» في خسفة الأنبار ليس اكتشافًا جديدًا كما أوحت بعض التغطيات الإعلامية، بل ظاهرة طبيعية نادرة موثقة علميًا منذ نحو سبعة عقود،
والجديد الذي كشفته الضجة الحالية، بحسب المعلومات التي أوردها كمال وفياض، هو إعادة لفت الانتباه إلى موقع وبيئة يحتاجان إلى الحماية والتوثيق العلمي أكثر من حاجتهما إلى إعلان «اكتشاف» جديد مكتشف.