سباق يهدد بإغراق الفضاء بالأقمار الاصطناعية
يشهد المدار الأرضي المنخفض ازدحاماً غير مسبوق مع تزايد أعداد الأقمار الاصطناعية والحطام الفضائي، ما يثير مخاوف من تصادمات قد تلحق أضراراً بالمركبات والأقمار الاصطناعية أو تدمرها، بحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
فبعد نحو 70 عاماً على إطلاق الاتحاد السوفييتي أول قمر اصطناعي، أصبح الفضاء يضم مواد من صنع الإنسان أكثر من أي وقت مضى.
وتثير الزيادة المتواصلة في أعداد الأقمار الاصطناعية والحطام في المدار الأرضي المنخفض، الذي يمتد على ارتفاع يتراوح بين نحو 100 و1200 ميل (160 و1930 كيلومتراً) فوق سطح الأرض، مخاوف من وقوع اصطدامات قد تلحق أضراراً بالمركبات والأقمار الاصطناعية أو تدمرها.
ويتمثل أحد أسوأ السيناريوهات المحتملة في أن يؤدي الحطام إلى سلسلة متتابعة من الاصطدامات، ما يجعل أجزاء من المدار الأرضي المنخفض غير صالحة للاستخدام.
وفي هذا المدار، يدور أكثر من 34 ألف قمر اصطناعي وقطعة من الحطام بسرعة تبلغ 17,500 ميل (نحو 28 ألف كيلومتر) في الساعة أو أكثر، ويكمل كل منها دورة حول الأرض كل 90 إلى 120 دقيقة.
ويرتبط أكثر من 10 آلاف من هذه الأجسام بأسطول "ستارلينك" التابع لشركة "سبايس إكس"، ومعظمها أقمار اصطناعية عاملة تستخدمها الشركة لتوفير خدمة الإنترنت عالي السرعة.
وترسل أقمار "ستارلينك" بانتظام معلومات عن مواقعها إلى الشركة، تجمعها من نظام لتحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية.
وتقول "سبايس إكس" إنها تتشارك باستمرار مواقع أقمارها مع الجيش ومشغلين آخرين، بالتزامن مع عملها على التنبؤ بالاصطدامات المحتملة.
وتحسب "سبايس إكس" احتمالات اقتراب أقمارها من مركبات فضائية أو أجسام أخرى. وتقول إن أقمار "ستارلينك" ستغير مسارها عندما تتجاوز احتمالية الاصطدام ثلاثة من كل عشرة ملايين.
وعندما تحتاج أقمار "ستارلينك" إلى تغيير مواقعها، يمكنها القيام بذلك بصورة ذاتية، باستخدام نظام دفع مثبت على متنها وبرمجيات لتجنب الاصطدامات.
وحتى الآن، كانت الاصطدامات في المدار الأرضي المنخفض نادرة للغاية. وعندما اصطدمت أقمار اصطناعية في الماضي، تحطمت وتحولت إلى حطام، بقي بعضه في المدار، فيما عاد بعضه الآخر إلى الغلاف الجوي للأرض واحترق.
ولعبت "سبايس إكس"، المملوكة لإيلون ماسك، دوراً رئيسياً في زيادة ازدحام المدار الأرضي المنخفض، بعدما أطلقت الأقمار الاصطناعية بوتيرة قياسية، وأنشأت أكبر أسطول من الأقمار الاصطناعية في التاريخ لبناء خدمة الإنترنت "ستارلينك".
لكن المزيد من الأقمار الاصطناعية في الطريق، فقد وضعت شركات أميركية ووكالات حكومية خططاً طموحة لنشر مجموعاتها الخاصة من الأقمار الاصطناعية.
وأظهرت شركة "لاند سبيس تكنولوجي" الصينية أخيراً قدرتها على إعادة استخدام معزز صاروخي، على غرار "سبايس إكس"، في إنجاز قد يساعدها على نشر الأقمار الاصطناعية بوتيرة أسرع.
ومع ازدياد ازدحام المدار الأرضي المنخفض، باتت أقمار "سبايس إكس" تغير مساراتها بوتيرة أكبر، وفقاً لإفصاحات قدمتها الشركة إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية.
وبين العام الحالي و2034، من المتوقع إطلاق ما لا يقل عن 41 ألف قمر اصطناعي إضافي إلى المدار الأرضي المنخفض،
يأتي نحو ثلثيها من "سبايس إكس" و"أمازون" وشركات صينية، وفق دالاس كاسابوسكي، المحلل في شركة الاستشارات المتخصصة في الأقمار الاصطناعية "أناليسيس ماسون".
ويرى كاسابوسكي أن مساعي "سبايس إكس" وغيرها لتطوير مراكز بيانات مدارية تضم أسراباً من الأقمار الاصطناعية المزودة بشرائح للذكاء الاصطناعي، قد ترفع العدد الإجمالي إلى نحو 1.5 مليون قمر اصطناعي.
ويشير جوني داير، الرئيس التنفيذي لشركة الأقمار الاصطناعية "ميون سبيس"، إلى أعداد الطائرات التجارية التي تقلع وتهبط بأمان في المطارات المزدحمة يومياً، وغالباً ما تتحرك ضمن ممرات جوية ضيقة.
ورغم أن المدار الأرضي المنخفض يوفر مساحة أكبر للأقمار الاصطناعية مما يوفره المجال الجوي على الأرض للطائرات، يرى داير أن الأعمال العدائية أو ضعف التنسيق قد يشكلان تهديداً.
ويقول: "بالنسبة إليّ، لا تكمن المخاطر في العدد، بل في وجود جهات سيئة تتعمد القيام بأمور ضارة أو تتصرف بإهمال".
ولا تزال الاصطدامات نادرة؛ إذ أحصت وكالة الفضاء الأوروبية أربعة اصطدامات بين أجسام مدرجة في سجلات الأجسام الفضائية، لكنها قد تتسبب في فوضى كبيرة.
ففي عام 2009، اصطدم قمر اصطناعي للاتصالات تابع لشركة "إيريديوم" بقمر اصطناعي روسي للاتصالات كان خارج الخدمة، ما أدى إلى توليد نحو 1800 قطعة من الحطام، يبلغ حجم كل منها 10 سنتيمترات على الأقل.
وينتج حطام آخر عن تمزق مكونات الأقمار الاصطناعية أو ضربات الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية.
ويتتبع العلماء بواسطة الرادار قطع الحطام التي يبلغ حجمها تقريباً حجم كرة البيسبول أو أكبر، وتعمل "سبايس إكس" على تغيير مسارات أقمارها لتجنبها. لكن القطع الأصغر من أن تُرصد قد تشكل خطراً أيضاً.
وقال مارك ماتني، عالم الكواكب في برنامج الحطام المداري التابع للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأميركية "ناسا"، إن قطعة من الحطام بحجم ذرة من الطلاء يمكن أن تلحق أضراراً بقمر اصطناعي، نظراً إلى السرعة الهائلة التي يتحرك بها الجسمان. وتحذر "سبايس إكس" من مخاطر الازدحام المتزايد. وصرحت الشركة في إفصاح مرتبط بطرحها العام بأن "احتمال وقوع اصطدامات عرضية أو أحداث تؤدي إلى تناثر الحطام أو حوادث أخرى في المدار يزداد مع استمرار نمو عدد الأقمار الاصطناعية والأجسام الأخرى في المدار الأرضي المنخفض".
ويرى عالم الفيزياء الفلكية جوناثان ماكدويل الذي يدير قاعدة بيانات تحظى باعتماد واسع للأجسام الموجودة في الفضاء: "في رأيي، نحن نعمل عند أقصى كثافة يمكن تشغيلها بأمان".