Logo

احتقان غير مسبوق في حضرموت ينذر بصدام عسكري

 يبدو أن الاحتقان السياسي والعسكري في محافظة حضرموت شرقي اليمن قد بلغ ذروته مع تزايد التحشيد العسكري من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال الجنوب وإعلان دولته، التي تمثل حضرموت جزءاً منها من جهة، 

وحلف قبائل حضرموت المطالب بحكم ذاتي للمحافظة النفطية في إطار اليمن الواحد، من جهة أخرى.

ويتبنى حلف قبائل حضرموت، الذي تشكّل عام 2013، خيار الحكم الذاتي للمحافظة الغنية بالنفط (تصدّر حضرموت 80% من صادرات النفط اليمني)، والواقعة جنوب شرقي البلاد، والتي تمثل مساحتها أكثر من ثلث مساحة اليمن. 

ويُطالب الحلف بحصة من إيرادات النفط والغاز لصالح المحافظة، إذ ينشر مجموعات مسلحة تابعة له في مناطق الهضبة (هضبة حضرموت)، والتي تضم منشآت النفط والغاز.

الاحتقان بين الطرفين بدأ عام 2023 عبر مناوشات عسكرية وتراشقات إعلامية، لكنه بلغ ذروته أخيراً مع تهديدات أطلقها أبو علي الحضرمي، قائد قوات الدعم الأمني التابعة لـ"الانتقالي" 

 هدد فيها حلف قبائل حضرموت بأنه لن يسمح لبن حريبش (زعيم حلف قبائل حضرموت) بالتمدد في المحافظة. 

وجاءت هذه التهديدات بالتزامن مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي تنظيم مليونية في مدينة سيئون بوادي حضرموت، والتي تعد من أهم معاقل حلف قبائل حضرموت. 

واستقدم "الانتقالي" آلاف المسلحين من أتباعه من عدة محافظات جنوبية، أبرزها عدن والضالع ولحج وأبين وشبوة إلى حضرموت، بالإضافة إلى التشكيلات العسكرية التابعة له، وأبرزها الحزام الأمني والدعم الأمني والنخبة.

قبائل حضرموت تدعو إلى المقاومة

في المقابل، يملك حلف قبائل حضرموت تشكيلات عسكرية تحت مسمّى "قوات حماية حضرموت" التي جرى الإعلان عنها العام الماضي، وجرى تشكيل اللواء الأول منها في يونيو/ حزيران الماضي، وتنتشر في مديريات حضرموت الوادي، وتتخذ من منطقة الهضبة مقراً لها. 

وكان حلف قبائل حضرموت قد دعا، الخميس الماضي، خلال اجتماع موسع في منطقة العليب، إلى المقاومة بكل الطرق والوسائل للدفاع عن حضرموت وثرواتها، في مواجهة القوى الوافدة من خارج المحافظة، وذلك رداً على التحشيد الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي. 

وأكد اللقاء الموسع لحلف قبائل حضرموت، في بيان، أنه "يفوّض قوات حماية حضرموت (تشكيلات مسلحة تابعة للحلف) تفويضاً كاملاً للتحرك الفوري لردع أي قوة غازية من خارج المحافظة"،

 مؤكداً أن "أي تمركز أجنبي على أرض حضرموت سيعتبر احتلالاً وسيُزال بالقوة".
 
السلطات المحلية في حضرموت اكتفت بالتحذير من "الدعوات المتزايدة للحشد والتصعيد في المحافظة"، معتبرة أن هذه الدعوات "تهدد وحدة الصف والسلم الأهلي"، وداعية أبناء المحافظة إلى "رفض أي تحركات تؤدي إلى الانقسام أو إشعال التوتر". 

موقف عززته القيادة السياسية في خطوة هادفة للتخفيف من حجم الاحتقان في المحافظة التي تعد أكبر المحافظات اليمنية من حيث المساحة، حيث أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الخميس الماضي، قراراً بتعيين سالم الخنبشي محافظاً لحضرموت خلفاً لمبخوت بن ماضي. ويعد الخنبشي، الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء، 

ووقّع على اتفاق الرياض في 2019 ممثلاً الحكومة الشرعية التي وقعت الاتفاق مع "الانتقالي الجنوبي"، من الشخصيات الوازنة في حضرموت، والتي تحظى باحترام من جميع الأطراف، ويمكن أن تلعب دوراً في التخفيف من الاحتقان.
 
حضرموت جزء أصيل من الجنوب وقضيته

وقال أمجد صبيح، مدير إدارة الإعلام والثقافة بالهيئة التنفيذية المساعدة لـ"المجلس الانتقالي" لشؤون مديريات وادي وصحراء حضرموت، إنه "تم اختيار سيئون لعقد فعالية "الانتقالي" لأنها اليوم تمثل عنواناً للمعركة السياسية في حضرموت، 

ولأنها إحدى أهم حواضر الوادي التي حاولت قوى النفوذ تحويلها إلى منصة لفرض واقع معادٍ لإرادة أبناء حضرموت والجنوب".

 وأضاف: "وجود الجماهير في سيئون هو رسالة واضحة بأن حضرموت ليست ساحة فراغ سياسي، بل جزء أصيل من الجنوب وقضيته، وأن القرار في حضرموت يجب أن يصنعه أبناؤها، لا القوى الوافدة، ولا غرف المصالح المغلقة".

وعن التحشيد العسكري لـ"الانتقالي"، رأى صبيح أن "هناك إعادة تموضع وتنظيم للقوات الجنوبية في نطاقها الجغرافي الطبيعي، وفي إطار الشراكة مع التحالف العربي، لضمان حماية الأمن والاستقرار في حضرموت، وليس لفرض حرب جديدة، 

فنحن نتحرك وفقاً لاتفاقات معلنة مع التحالف، وضمن رؤية تهدف لملء الفراغ الأمني، ومنع تسلل التنظيمات المتطرفة وأدوات الفوضى".

واعتبر أن رسائل أبو علي الحضرمي لحلف حضرموت تعبير مباشر عن اللحظة الراهنة، التي تتسم بحساسية عالية، وبمحاولات تفكيك القرار الحضرمى وتجزئته، 

مضيفاً: "ليست الرسائل تهديداً، ولا تمثل خروجاً عن خطاب الانتقالي، لكنها تنسجم مع حقيقة ثابتة: أن حضرموت جزء أصيل من الجنوب، وأن أي مشروع يسعى لعزلها يصطدم بإرادة الشارع وبالوقائع السياسية،

 فالانتقالي يؤكد أن الحوار ممكن، لكن تجاوز إرادة أبناء حضرموت خط أحمر لا يمكن القفز عليه أو الالتفاف حوله".
 
وأكد صبيح أن المقصود بحسم الصراع في حضرموت، "ليس اقتحاماً عسكرياً ولا سيطرة بالقوة، بل إنهاء حالة التراخي التي سمحت بتفريخ تشكيلات مسلحة لا تتبع مؤسسات الدولة ولا تمثل الناس، 

واستعادة زمام الأمن بيد أبناء حضرموت أنفسهم من خلال قوات النخبة الحضرمية والجهات الرسمية. 

والحسم هنا يعني تجفيف منابع الفوضى، لا صناعة صراع جديد. ويعني إنهاء ازدواجية السلاح، لا تكريسها. ويعني تنفيذ اتفاق الرياض كما نصّ عليه، وليس خلق ترتيبات موازية تتعارض مع أمن الوادي واستقراره".

وأشار صبيح إلى أن "هناك مرتكزات الشرعية السياسية والشعبية للمجلس الانتقالي، فالشرعية الشعبية تتمثل بحشود 2017 وما تلاها من مليونيات في عدن والمكلا وساحة العروض وساحات حضرموت والمهرة.

 الشارع الجنوبي اختار بوضوح من يرفع قضيته وينظّم صفوفه. والشرعية النضالية، تتمثل بالقوات التي دافعت عن عدن ولحج والضالع والساحل الغربي في مواجهة الحوثي و(تنظيم) القاعدة، والتي خرجت من رحم هذا المشروع الجنوبي، وليس من غرف الفنادق. 

أما الشرعية السياسية – التفاوضية، فتتمثل بالاعتراف الإقليمي والدولي بالمجلس الانتقالي طرفاً رئيسياً في معادلة الحل، وحضوره في اتفاق الرياض والحوارات اللاحقة، لم يأتِ من فراغ، بل استناداً إلى هذه الأرضية الشعبية والعسكرية".
 
من جهته، قال المحلل السياسي حسين الكاف، إن "الصراع الحالي في حضرموت بين المجلس الانتقالي وحلف قبائل حضرموت هو انعكاس لصراع إقليمي يهدف للسيطرة على حضرموت بأدوات محلية تابعة له ومدعومة منه،

 وذلك بسبب الثقل الذي تمثله حضرموت في الخريطة اليمنية. 

فمن حيث المساحة تمثل أكثر من ثلث مساحة اليمن، وهي موطن الثروة النفطية في اليمن حيث تنتج 80% من نفط البلاد، 

بالإضافة إلى ثروات طبيعية أخرى، وتعد من أهم المنافذ البحرية حيث تملك عدداً من الموانئ البحرية، والمطارات، وغيرها من المقومات التي تجعلها محل تنازع من القوى المحلية والإقليمية".

وأشار إلى أن "المجلس الانتقالي يسعى بأي طريقة للسيطرة على حضرموت ولو عسكرياً، وهو ما يعد له حالياً، لأن الانتقالي يدرك أنه لا يمكن لدولة الجنوب التي يسعى لإعلانها أن تقوم بدون حضرموت، لاعتبارات عديدة نابعة من الأهمية التي تمثلها حضرموت. 

كما أنه يشعر أن حضرموت تمثل شوكة في حلق مشروع الانفصال الذي يطالب به، فالحاضنة الجماهيرية في حضرموت ضد الانفصال، ويدرك الحضارم أن مصلحتهم في اليمن الموحد وليس في الانفصال، 

ولذا فهم يميلون للمشاريع المطالبة بالحكم الذاتي في إطار اليمن الواحد".

وأكد المحلل السياسي أن "الانتقالي سيجد صعوبة كبيرة جداً في السيطرة على حضرموت، إن لم يكن ذلك مستحيلاً، لعدة عوامل، 

أبرزها أن الخصم هنا هو تحالف قبائل حضرموت بقيادة بن حريبش، وهم من أبناء حضرموت نفسها، ولا علاقة مناطقية لهم بالشمال أو بجماعة الإخوان المسلمين الذين يستخدمهم الانتقالي فزاعةً في صراعاته.

 ثم إن حلف القبائل يحظى بحاضنة اجتماعية كبيرة، ومسلّح تسليحاً لا بأس به، وقضية يدافع عنها، فهو يدافع عن مناطقه وثرواتها. 

كما أن من أبرز العوامل التي ستقف في وجه الانتقالي هو الدعم السعودي لقبائل حضرموت، والذي سيقف حجر عثرة في وجه أطماع الانتقالي بالتمدد".
 
فخر العزب
صحافي يمني