بعد غياب 10 سنوات... ثلاث يمنيات في التشكيلة الحكومية الجديدة
الرأي الثالث
جاء إعلان الحكومة اليمنية الجديدة محملاً بأهمية استثنائية عقب أسابيع من التطورات السياسية والعسكرية المفصلية التي شهدتها البلاد إثر مساعي السلطة المعترف بها إلى إحكام يدها على كامل الجنوب اليمني، بما فيه العاصمة الموقتة عدن،
وتمدد القوات الموالية للسيادة الرئاسية بإسناد سعودي هناك، لتحل محل قوات المجلس الانتقالي المحلول المدعوم من دولة الإمارات التي جرى إخراجها من البلاد.
مزجت التشكيلة الجديدة وجوهاً معروفة وأخرى لم تكن بعيدة من فعل القرار السيادي مع بعض الوجوه الجديدة الشابة، لإضفاء طابع الكفاءة على رغم وضوح دلالة التوزيع القائم على المحاصصة السياسية والحزبية بـ35 حقيبة،
حرصت من خلال عددها الضخم على إحداث توازن بين الكفاءة المهنية والتمثيل الاجتماعي، توخياً لمشاركة أوسع لمختلف المناطق في الحكومة والقرار.
عودة لافتة
ولكن اللافت تسجيل حكومة الدكتور شايع الزنداني الذي احتفظ أيضاً بمنصب وزير الخارجية، أول عودة نسائية إلى مجلس الوزراء منذ عام 2015، بتعيين ثلاث نساء بعد غياب تام على مستوى حكومتين متتاليتين.
وشملت الأسماء كلاً من أفراح الزوبة وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي، وإشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، وعهد جعسوس وزيراً للدولة لشؤون المرأة،
في خطوة تنهي أعواماً من غياب حواء اليمنية عن سلطة القرار في بلد شهد ازدهاراً مشهوداً خلال قيادة النساء في مراحل تاريخية سابقة من أهمهما الملكتان بلقيس ملكة دولة سبأ التي ذكرت قصتها في القرآن،
وأروى بنت أحمد الصليحي (1048 - 1138) ملكة الدولة الصليحية وأول امرأة تتبوأ كرسي الحكم في عهد الإسلام وتلقب بـ"السيدة الحرة" و"بلقيس الثانية" وحكمت اليمن قرابة 50 عاماً، عُرفت بحكمتها وشجاعتها، ونقلت العاصمة من صنعاء إلى مدينة جبلة الخضراء بمحافظة إب.
وشمل التشكيل الحكومي الجديد 35 وزيراً، فيما احتفظ رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني بمنصبه السابق كوزير للخارجية وشؤون المغتربين عقب مشاورات سياسية استمرت أكثر من 20 يوماً.
من قلب المعاناة
ومن دهاليز المعتقلات والسجون القمعية الرهيبة جاءت إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية بعد أعوام من عملها في عضوية اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وهو واحد من أعقد الملفات الحقوقية والإنسانية في البلاد منذ الانقلاب الحوثي.
ولهذا، سبق وعقدت مئات جلسات الاستماع مع ضحايا ومعتقلين سابقين ونقلت معاناتهم ووثقتها من كل المحافظات اليمنية، وكان آخرها عقد عشرات جلسات الاستماع لضحايا المعتقلات السرية في محافظة حضرموت قبل أسبوعين.
وعُرفت بدورها في توثيق الانتهاكات وتدريب كوادر الأمن والقضاء على مبادئ حقوق الإنسان، إلى جانب حضورها البارز في الحراك المدني منذ 2011.
ولدى المقطري تمهيدي دكتوراه في القانون الدولي العام من جامعة تعز 2020 – 2021 وماجستير في القانون الدولي من جامعة أسيوط المصرية 2009، إضافة إلى ليسانس شريعة وقانون من جامعة صنعاء 1997 – 1998.
سجلت إشراق حضوراً مدنياً في القطاع الحقوقي والقانوني بتوليها منصب قاضٍ للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان باللجنة الوطنية للتحقيق منذ عام 2015 وحتى الوقت الحالي.
كذلك عملت استشارياً لدى المفوضية السامية لحقوق الإنسان مدة عام، وتولت مدير مشروع الحماية القانونية والمناصرة للنساء (في ست محافظات يمنية) مع اتحاد نساء اليمن بدعم من منظمة "أوكسفام" من عام 2005 إلى عام 2009 وغيرها من المناصب القيادية والحقوقية والتدريب والتأهيل القانوني.
سيدة العلاقات الدولية
وتُعد أفراح الزوبة من القيادات البارزة في اليمن في مجالات الإدارة الحكومية وحوكمة المؤسسات والتنمية الاقتصادية، وجاء اختيارها نظير خبرة عملية تمتد أكثر من 25 عاماً، لعل أهمها دورها البارز خلال مؤتمر الحوار الوطني (2013 – 2014).
وبرز دورها الفاعل بوصفها مديراً تنفيذياً لجهاز تسريع استيعاب تعهدات المانحين ودعم تنفيذ سياسات الإصلاح منذ عام 2021، الذي يتولى إحداث استفادة من خلال التنسيق بين المؤسسات الحكومية والفاعلين المحليين والجهات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن،
إضافة إلى عملها في صياغة السياسات العامة لقطاعات حيوية كالكهرباء والمياه والزراعة والثروة السمكية، وحصلت على درجة صحة مجتمع واقتصاد صحي من جامعة كيبانغسان بماليزيا 2007.
الخبرة التي اكتسبتها أيضاً كمستشار لرئيس الوزراء لشؤون برامج الإغاثة الإنسانية والتنمية وتمثيلها اليمن في كثير من المحافل الدولية في مجال الحوكمة والديمقراطية دفعا إلى اختيارها وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي، في ملف ملح ومهم لبلد يعاني مأساة إنسانية ويعول إزاءها على الدعم الدولي في واحدة من أعقد فتراته السياسية والاقتصادية.
ابنة القطاع المتعثر
ومن قلب المجتمع المدني في مدينة عدن، جاءت الدكتورة عهد جعسوس ذات الخبرة الطويلة في مجال الإدارة وتمكين المرأة، بسيرة علمية تخصصت لدعم وتمكين المرأة في القطاعات المؤسسية والمجتمعية.
تعزز حضورها وأثرها المجتمعي من خلال المناصب التي شغلتها بشكل فاعل ونشط أكدته تناولات الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، منها منصب المدير العام للفروع بالهيئة العامة للتأمينات والمعاشات،
ومن قبلها تولت الإدارة العامة لتنمية المرأة العاملة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وغيرها من المواقع القيادية الأخرى والأنشطة التدريبية في مجال حقوق المرأة.
وحصلت عهد على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال من جمهورية السودان عام 2022، ونالت درجة الماجستير في إدارة الأعمال تخصص تسويق من كلية العلوم الإدارية بجامعة عدن عام 2011،
إضافة إلى درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من الكلية ذاتها عام 2001.
يفهم من تعيينها في منصب مستحدث وزيراً للدولة لـ"شؤون المرأة" سد فراغ ظل شاغراً للتمثيل النسائي، لمعالجة ما تكابده المرأة في ظل الظروف القاهرة التي تعيشها منذ الانقلاب الحوثي،
وإحداث نشاط حكومي يختص بمعالجة جملة من المشكلات التي راكمتها الحرب في المجالات الحقوقية والتنموية والتعليمية والفرص والتأهيل وصناعة القرار والإدارة وغيرها،
إضافة إلى أن خبرتها في قطاع التأمينات والمعاشات ستساعدها في تحريك ملفات الرواتب المتعثرة لهذا القطاع وغيرها من القطاعات الأخرى، وخصوصاً في ما يختص بحقوق المرأة العاملة أو التي ترعاها الدولة.
لوقف اللوم
وهدف التوسع في الحكومة الجديدة من 24 وزيراً في السابق إلى 34 حالياً إلى شمولية التمثيل على رغم الانتقادات الشعبية التي وجهت لسلطة الدولة، في ظل الأزمة المالية الخانقة نتيجة توقف تصدير النفط والغاز، وتدهور سعر العملة المحلية والمطلب الشعبي بالكيفية وليس بالكمية.
تعيين الوزيرات الثلاث في الحكومة التي سيؤدي أعضاؤها اليمين القانونية أمام الرئيس رشاد العليمي غداً الإثنين عده مراقبون تحولاً في البنية الذكورية السائدة في السلطة التنفيذية، خصوصاً في فترة الأعوام الـ10 الماضية التي شهدت تراجعاً كبيراً في التمثيل النسائي، بعدما علا صوت الرجال بلغة الرصاص،
وهو ما قوبل بانتقادات الأوساط النسوية في اليمن التي عدته تهميشاً مخلاً في حق قطاع واسع لديه كثير من الكفاءات، كذلك تعد رسالة سياسية تكشف توجهاً لتعزيز الشمولية وتمكين المرأة في مواقع القرار والحياة السياسية.
وجاء التشكيل الحكومي بعد أسابيع من مشاورات أجريت في العاصمة السعودية الرياض، بهدف إنهاء التوتر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي والتوصل إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة المقبلة.
تحديات العاصمة والجنوب
ولا ينظر اليمنيون إلى أسماء الحكومة بقدر ما ينتظرون فاعلية ملموسة من داخل مؤسسات الدولة السيادية والخدمية لمعالجة جملة التحديات والمهام الماثلة، وفي طليعتها الانهيار الاقتصادي والخدمي، الذي شهد تحسناً ملحوظاً نتيجة التدخلات السعودية الأخيرة في المناطق اليمنية التابعة للحكومة الشرعية.
مع التطلع للتعامل مع المتغيرات التي شهدتها المرحلة الحالية ومنها المشكلة الجنوبية، وكيفية مواجهة حال الانقسام السياسي في ظل بقاء التحديات التي يشكلها أنصار المجلس الانتقالي المنحل في عدن والمحافظات الجنوبية،
إضافة إلى الحلول غير التقليدية للأزمات الاقتصادية والإنسانية التي سببها ازدواج مراكز القرار ومنها الأزمة السياسية المتعلقة بمدى ملاءمة عودة الحكومة إلى عدن، ومدى استتباب الأمن والأوضاع التي تسمح بممارسة أعمالها السيادية بحرية واستقلالية مطلقة،
وكيفية التعامل مع بقاء انقلاب جماعة الحوثي التي ما زالت تسيطر على العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة لها، وهي تحديات ينتظر اليمنيون كيف ستتعامل معها الشرعية ومن خلفها الحكومة السعودية التي أسندتها وأعادت بدعمها السياسي والعسكري والاقتصادي ثقلها السيادي على الدولة اليمنية.
توفيق الشنواح
صحافي يمني