القمة الأفريقية الـ39 تنطلق في أديس أبابا وسط تحديات بيئية وأمنية
الرأي الثالث - وكالات
انطلقت القمة الأفريقية الـ39، اليوم السبت، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وسط متغيرات عالمية متسارعة، وتحديات إقليمية ضاغطة، في وقت تتطلع فيه القارة إلى ترجمة شعاراتها الكبرى، وعلى رأسها "إسكات البنادق" و"أجندة 2063"، إلى واقع ملموس يعزز الاستقرار والتنمية.
وتصدرت كلمات القادة المشاركين ملفات الإصلاح المؤسسي، والأمن والسلم، والعدالة الدولية، والتحول الاقتصادي، إضافة إلى القضية الفلسطينية.
في كلمته الافتتاحية، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أن القمة تنعقد في سياق دولي مضطرب، يتسم بتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والمناخية، ما يفرض على أفريقيا تعزيز وحدتها الداخلية وتسريع وتيرة إصلاح مؤسساتها.
وأشار إلى أن رؤية "إسكات البنادق" لا تزال بعيدة المنال في عدد من بؤر التوتر بالقارة، رغم الجهود المبذولة خلال السنوات الماضية، ما يتطلب مقاربة أكثر شمولاً لمعالجة جذور النزاعات، وفي مقدمتها الهشاشة المؤسسية، وضعف التنمية، وتنامي التهديدات العابرة للحدود.
وشدد على ضرورة إجراء إصلاح جوهري داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي، بما يمكّنها من الاستجابة الفاعلة لطموحات الشعوب الأفريقية، خاصة في ظل استمرار معاناة المدنيين في مناطق النزاع.
وأكد أهمية التركيز على ضحايا الحروب والنزاعات، لافتاً إلى أن انعدام الاستقرار لا يزال يؤثر على حياة ملايين الأفارقة في عدة أقاليم من القارة.
كما أبدى تضامنه مع الشعب الفلسطيني، معتبراً أن معاناته تتطلب موقفاً أفريقياً واضحاً يدعم الحقوق المشروعة للشعوب في تقرير مصيرها.
من جانبه، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن المياه في أفريقيا ليست مجرد مورد طبيعي، بل عنصر أساسي في معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأوضح أن الأنهار العابرة للحدود ينبغي أن تتحول إلى محركات للتكامل والتعاون، بدلاً من أن تكون بؤراً للتوتر، مشيراً إلى أن الإدارة المشتركة للموارد المائية تمثل فرصة لتعزيز التنمية الإقليمية.
وأكد آبي أحمد أن الاقتصادات الأفريقية تسجل مؤشرات نمو إيجابية، مشيراً إلى أن إثيوبيا تتوقع تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 10.2 % خلال العام الجاري، في إطار مسار انتقالي من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد أكثر قوة وتنوعاً.
وأعلن أن بلاده تتطلع إلى استضافة قمة المناخ المقبلة عام 2027، في خطوة تعكس التزامها بقضايا البيئة والتغير المناخي.
كما كشف عن مشاريع استراتيجية قيد التنفيذ، من بينها بناء ما وصفه بأكبر مطار في أفريقيا، إضافة إلى تأسيس معهد وطني للذكاء الاصطناعي، في إطار توجه إثيوبيا نحو الاقتصاد الرقمي والابتكار.
واعتبر أن ازدهار منطقة القرن الأفريقي يظل رهيناً بتعزيز التكامل الإقليمي، بما في ذلك تسهيل الوصول إلى الموانئ وتنويع الشراكات والأسواق، داعياً إلى التعاون الإقليمي باعتباره خياراً استراتيجياً لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام.
بدوره، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس على عمق الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، مؤكداً دعم المنظمة الدولية لجهود "إسكات البنادق" وتعزيز السلم والأمن في القارة.
وأشار إلى أن التعاون بين الجانبين بات يشكل نموذجاً مهماً للعمل متعدد الأطراف في مواجهة الأزمات المعقدة.
وفي سياق الإصلاح الدولي، اعتبر غوتيرس أن غياب مقعد دائم لأفريقيا في مجلس الأمن يمثل خللاً تاريخياً غير مقبول، داعياً إلى إصلاح بنية المجلس بما يضمن تمثيلاً عادلاً للقارة، خاصة عندما تُتخذ قرارات تمس قضاياها الحيوية.
وأكد أن تعزيز صوت أفريقيا في المؤسسات الدولية يشكل خطوة أساسية نحو نظام عالمي أكثر توازناً وإنصافاً.
وتطرق الأمين العام إلى الأوضاع في السودان، داعياً إلى استئناف المفاوضات بين الأطراف السياسية، وتغليب الحلول السلمية لإنهاء النزاع.
كما أشار إلى أهمية توفير تمويل مستدام لبعثات الاتحاد الأفريقي، بما في ذلك بعثته في الصومال، لضمان استمرار جهود دعم السلام والاستقرار.
ولفت إلى أن الدول النامية، ومنها العديد من البلدان الأفريقية، تواجه عجزاً مالياً متفاقماً، وتخسر سنوياً مليارات الدولارات نتيجة اختلالات النظام المالي العالمي، ما يعيق قدرتها على الاستثمار في التنمية والبنية التحتية والخدمات الأساسية،
محذراً من التداعيات المتسارعة لارتفاع درجات الحرارة في أفريقيا. ودعا الدول إلى الاستفادة من مواردها الطبيعية بشكل مستدام، وتعزيز التعاون الدولي في مجالات التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا.
واقترح في هذا السياق توسيع مجالات الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لمواجهة التحديات المشتركة.
رئيس الوزراء الفلسطيني في القمة الأفريقية
وفي مداخلة لافتة، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى تقديره لتسارع جهود الاتحاد الأفريقي في دعم القضايا العادلة، مشيراً إلى أن الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة بالغة الصعوبة.
وقال إن الفلسطينيين يعانون وطأة الاحتلال، في ظل استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، وما ترتب عليها من خسائر بشرية جسيمة.
وأوضح أن عدد الضحايا تجاوز سبعين ألفاً، في وقت لا تزال فيه الانتهاكات مستمرة رغم إعلان وقف الحرب، حيث سُجلت حوادث قتل جديدة راح ضحيتها عشرات الفلسطينيين.
واعتبر أن استخدام التجويع أداة حرب يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين.
وشدد على ضرورة رفع جميع المعيقات التي تحول دون الانتقال إلى المرحلة الثانية من ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، بما يتيح بدء مسار التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
ودعا الدول الأفريقية إلى مواصلة دعمها السياسي والإنساني للشعب الفلسطيني، في إطار التزامها التاريخي بمبادئ التحرر والعدالة.
وتعكس مجمل المداخلات التي شهدتها القمة إدراكاً متزايداً لحجم التحديات التي تواجه القارة، سواء على مستوى النزاعات الداخلية، أو التحولات الاقتصادية، أو تداعيات التغير المناخي، أو اختلالات النظام الدولي.
كما أظهرت توافقاً واسعاً على أن تحقيق "أفريقيا مزدهرة بحلول 2063" يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، وشراكات دولية متوازنة، وتركيزاً أكبر على الإنسان الأفريقي بوصفه محور السياسات والبرامج.
وبينما تتواصل أعمال القمة، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه من قرارات عملية قادرة على تحويل الخطابات إلى خطوات تنفيذية، تعزز الاستقرار، وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية الشاملة في القارة السمراء.