أوروبا بين الحذر العسكري والضغوط السياسية: هل تنخرط في حرب إيران؟
الرأي الثالث - وكالات
مع اتساع نطاق الحرب في المنطقة، وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة تتلخص في دعم الحلفاء الغربيين دون الانجرار إلى صراع إقليمي واسع قد يزعزع استقرارها الاقتصادي والأمني.
وحتى الآن لا توجد رؤية أوروبية موحدة للانخراط العسكري المباشر، إذ تؤكد معظم الحكومات أن هدفها الأساسي هو احتواء التصعيد وحماية مصالحها، لا المشاركة في العمليات التي تقودها واشنطن أو تل أبيب،
غير أن هذا الحذر لا يمنع تعزيز الوجود العسكري في المنطقة، بما يشمل حماية القواعد والممرات البحرية الحيوية والاستعداد لعمليات إجلاء المواطنين الأوروبيين.
دعم غير مباشر للحلفاء
وتسعى بعض الدول الأوروبية لتقديم دعم غير مباشر للولايات المتحدة وحلفائها، يشمل التعاون الاستخباري، والمساندة اللوجستية، وحماية الممرات البحرية الدولية.
كما تسمح عدة دول باستخدام قواعدها لأغراض دفاعية ولوجستية، في ظل تنسيق متزايد بين القيادات الأوروبية والأميركية لتبادل المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية في المنطقة.
ويشير خبراء إلى أن أي هجوم واسع على القوات الأميركية أو المصالح الغربية قد يضع أوروبا أمام ضغوط سياسية وعسكرية أكبر لدعم حلفائها، في إطار التزامات الناتو، رغم أن الحلف ليس طرفاً مباشراً في النزاع.
انتشار عسكري متزايد
رغم الحذر السياسي، بدأت عدة دول نشر قوات وقطع بحرية في المنطقة لتعزيز وجودها العسكري على النحو التالي:
- فرنسا: دفعت بحاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط، إلى جانب فرقاطات وأنظمة دفاع جوي إضافية.
- بريطانيا: عززت قواعدها في المنطقة بطائرات مقاتلة وأنظمة رادار ودفاع جوي، وأرسلت المدمرة HMS Dragon إلى قبرص بعد هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة بريطانية.
- اليونان وإيطاليا وإسبانيا: أرسلت فرقاطات وطائرات مقاتلة لتعزيز حماية الممرات البحرية، والاستعداد لعمليات إجلاء محتملة للمواطنين الأوروبيين.
وتأتي هذه التحركات ضمن جهود أوسع لحماية التجارة الدولية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهما من أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية خاصة في البحر الأحمر تُعرف باسم "أسبيدس" (ASPIDES) لحماية السفن التجارية الأوروبية من التهديدات.
انقسامات وحذر استراتيجي
ورغم كل ما سبق، لا تزال الدول الأوروبية تختلف في تقييم طبيعة الصراع ودرجة الانخراط المطلوبة، إذ تميل بريطانيا للتنسيق الوثيق مع واشنطن، وقد تقدم دعماً مباشراً في حال اتسع النزاع،
أما إسبانيا وإيرلندا فإنها تتبنى مواقف أكثر حذراً، وتدعو إلى حلول دبلوماسية واحتواء التصعيد، في حين تسعى فرنسا للمحافظة على استقلاليتها بوصفها قوة أوروبية نسبية، جامعةً بين التعاون الغربي والدور الدبلوماسي لتجنب اتساع الحرب.
أما في شمال أوروبا، تبدي تيارات يمينية تأييدها للتدخل، في مقابل آخرين، وبشكل خاص في الدنمارك، يستحضرون التجارب السابقة في أفغانستان والعراق،
وما رافقها من تضحيات لم تُقدّر من الحلفاء الأميركيين، خلال الصراع على غرينلاند. يضاف إلى ذلك الحروب التجارية الأميركية ضد القارة، واعتبار المواقف الأميركية من الحرب الأوكرانية سلبية وضاغطة على الأوروبيين لتقديم تنازلات لموسكو.
المخاطر الاستراتيجية وراء الحذر الأوروبي
يتجلى الحذر الأوروبي من التدخل في الحرب في ثلاثة محاور رئيسية:
- الطاقة: تعتمد أوروبا بشكل كبير على نفط وغاز الشرق الأوسط، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر قد يؤدي إلى صدمات سوقية كبيرة.
- التجارة العالمية: تمر نسبة كبيرة من تجارة أوروبا مع آسيا عبر قناة السويس والبحر الأحمر، مما يجعل أي تعطيل لهذه الممرات تهديداً مباشراً للاقتصاد الأوروبي.
- الهجرة وعدم الاستقرار الإقليمي: الحروب غالباً ما تؤدي إلى موجات لجوء كبيرة، وينتشر الخوف مما يسميه الأوروبيون "خطر وقوع هجمات إرهابية" نتيجة الحرب على إيران، ما يزيد الضغوط السياسية والاجتماعية على الحكومات الأوروبية، خصوصاً مع صعود الأحزاب الشعبوية، التي تبدي دعماً واضحاً للحرب على إيران.
التوازن بين الدعم الأميركي والحذر الأوروبي
يشير بعض الخبراء، في متابعتهم للسجال الأوروبي، إلى أن أوروبا قد تضطر لدعم الولايات المتحدة إذا تعذّرت على الأخيرة إدارة النزاع بمفردها، بما يشمل دوريات بحرية في مضيق هرمز أو تقديم دعم لوجستي ومعلوماتي،
بينما تحافظ الدول نفسها على مسافة استراتيجية تمنع الانخراط المباشر في العمليات القتالية.
ويعكس هذا التوازن صعوبة الحفاظ على استقلالية استراتيجية، خاصة في ظل الاعتماد على المظلة الأميركية للأمن النووي مقابل جهود فرنسا لتعزيز الردع الأوروبي المستقل عبر المظلة النووية الفرنسية والمناورات المشتركة، دون المساس بسيادتها على القرار النووي.