Logo

من توسيع الصراع إلى ضبط الساحات.. قراءة في التحول الإيراني

الرأي الثالث - وكالات

في خطاب بدا أنه يحمل رسالة تهدئة، قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اعتذاراً علنياً لدول الجوار على خلفية الهجمات التي طالتها خلال الأيام الماضية، معلناً في الوقت ذاته تعليق العمليات ما لم تتعرض بلاده لهجوم مباشر.

لكنّ المشهد الميداني كان يسير في اتجاه مختلف، إذ أفادت تقارير بوقوع ضربات متزامنة استهدفت عدداً من دول الخليج، بعد دقائق من خطاب التهدئة.

تلك المفارقة بين الخطاب السياسي والتطورات العسكرية على الأرض تعكس مرحلة جديدة في السلوك الإيراني، تقوم على إعادة ضبط الإيقاع بدلاً من توسيع المواجهة، مع محاولة حصر الاشتباك في إطار الخصوم المباشرين، لا تحويله إلى صدام إقليمي مفتوح.

وسط تصاعد العمليات العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبدو أن طهران تحاول إرسال إشارات مزدوجة: احتواء الغضب الخليجي عبر خطاب اعتذار، واستمرار الضغط العسكري على ساحات تعتبرها مرتبطة بالعدو الأساسي.
 
اعتذار مشروط  

- السبت (7 مارس 2026) قدم بزشكيان في كلمته المتلفزة اعتذاراً لدول الجوار، مؤكداً أنه لا عداوة مع تلك الدول، ومشدداً على ضرورة العمل المشترك لضمان الأمن والاستقرار.

- وقال إن مجلس القيادة المؤقت وافق على تعليق الهجمات ما لم ينطلق هجوم من تلك الدول على إيران، في إشارة إلى محاولة ربط السلوك العسكري الإيراني برد الفعل الميداني.

- وأضاف أن القوات المسلحة تصرفت "بشكل مستقل" في ظل فقدان قيادات إيرانية على وقع الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، مؤكداً التزام بلاده بالقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية، لكنه شدد على أن إيران لن تستسلم لضغوط واشنطن وتل أبيب.

- تصريحات المتحدث باسم الجيش الإيراني جاءت متسقة مع هذا الإطار، إذ أكد في تصريحات بعد حديث بزشكيان، أن بلاده لا تستهدف دول الجوار التي لا تُستخدم أراضيها ضدها، في إشارة مباشرة إلى محاولة فصل الموقف من الأنظمة الخليجية عن المواجهة مع واشنطن وتل أبيب.
 
- يبدو من ذلك أن طهران تهدف إلى الانتقال من توسيع ساحات الضغط الإقليمي إلى ضبطها، مع تركيز العمليات على أهداف تعتبرها إيران مرتبطة مباشرة بخصومها الأساسيين.
 
تصعيد بعد دقائق من الخطاب

- ورغم نبرة التهدئة، أفادت تقارير إعلامية بوقوع هجمات استهدفت البحرين وقطر والسعودية والكويت والإمارات، عقب تصريحات بزشكيان مباشرة.

- ووفق رصد استند إلى بيانات رسمية خليجية وأمريكية، بلغت حصيلة الضحايا جراء القصف الإيراني خلال أسبوع من التصعيد 13 قتيلاً و226 مصاباً، بينهم أربعة جنود أمريكيين في الكويت.

- ووثّقت المعطيات ما لا يقل عن 2460 هجوماً جوياً منذ 28 فبراير حتى 6 مارس 2026، توزعت بين نحو 620 صاروخاً باليستياً وجوالاً، إضافة إلى 1840 طائرة مسيّرة.

- وتصدرت الإمارات قائمة الدول الأكثر تعرضاً للهجمات بإجمالي 1397 هجوماً، تلتها الكويت بـ606 هجمات، ثم البحرين بـ221، وقطر بـ157، والسعودية بـ48 هجوماً، بينما سجلت سلطنة عمان نحو 10 هجمات بطائرات مسيّرة.

- وشملت الضربات منشآت حيوية بينها مطارات ومرافق نفط وغاز، مع تقارير عن استهداف ميناء الفجيرة في الإمارات، وميناء الدقم وميناء صلالة في سلطنة عمان، إضافة إلى تأثيرات على منشآت رأس لفان في قطر ومواقع في الكويت والسعودية.
 
تداعيات خطيرة

- من جهة أخرى، ولمعرفة خطورة ما يجري في الساحات التي أشعلتها طهران، لا بد من تسليط الضوء على الاستهدافات الإيرانية وآثارها وتداعياتها على مستوى العالم وليس المنطقة فحسب.

- فالهجمات طالت البنية اللوجستية والطاقة في الخليج، وأثارت مخاوف من انعكاسات اقتصادية أوسع في منطقة تمثل شرياناً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز عالمياً.

- ويأتي في ذات الإطار إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، كل ذلك أوصل أسعار النفط إلى مستويات حرجة، في ظل مخاوف من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع الكلفة اليومية للاقتصاد العالمي بعشرات المليارات.

- وتشير تقديرات وتحليلات دولية إلى أن استمرار التوتر قد يدفع الأسعار نحو حاجز 100 دولار للبرميل، ما يفرض على دول العالم المتضررة، وليس فقط دول الخليج، السعي الحثيث لوضع حدّ لهذه الحرب، وهو ما تريده طهران.
 
مرحلة إدارة التصعيد

- عودة إلى خطاب بزشكيان، يمكن من خلاله، إضافة إلى التطورات الميدانية المتزامنة معه، قراءة التحرك الإيراني بوصفه انتقالاً من مرحلة الضغط الإقليمي المفتوح إلى مرحلة "إدارة التصعيد" عبر انتقاء الساحات والأهداف.

- وفي قراءة لهذه التطورات، قال المحلل السياسي مسار عبد المحسن راضي إن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تحمل هدفين رئيسيين؛ الأول يتمثل في محاولة احتواء أي تصعيد محتمل في سياسات دول الخليج العربي تجاه إيران، 

- بينما يتعلق الهدف الثاني بجس نبض الولايات المتحدة ومعرفة مدى جديتها في إنهاء الحرب، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن مدة الحرب لن تتجاوز ستة أسابيع.

- وأضاف راضي، أن تصريحات بزشكيان جاءت بعد نحو 24 ساعة من إعلان ترامب تعليق ما وصفه بـ"روزنامة الحرب" في وسائل الإعلام، في مؤشر على محاولة إيرانية لقراءة الموقف الأمريكي واستشراف اتجاهاته في المرحلة المقبلة.

- وأشار إلى أن الخطاب الإيراني حافظ في الوقت ذاته على قدر من التوازن، إذ لم يخلُ من رسائل تحذيرية موجهة إلى دول الخليج العربي، حيث ربط بزشكيان مسألة استهداف أراضي تلك الدول بإمكانية انطلاق عمليات عسكرية أمريكية ضد إيران من أراضيها.

- ويرى أن إيران تنظر حالياً إلى دول الخليج باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، وتدرك أن أي تعطيل واسع النطاق في هذا القطاع سيؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة على المستوى الدولي، وهو ما يجعل إنهاء النزاع مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.

- واعتبر راضي أن مصلحة دول الخليج تكمن في تحويل هذه التصريحات إلى فرصة لتحريك المسار الدبلوماسي ومحاولة نزع فتيل الحرب، 

- مشيراً إلى أن الخيار الأمثل يتمثل في مسارين متوازيين؛ أولهما تجنب أي تصعيد عسكري أو لوجستي ضد إيران، وثانيهما التحرك عبر الأمم المتحدة والمحافل الدولية لتقديم شكاوى رسمية بشأن أي اعتداءات إيرانية.