غزة ضحية الحرب الإقليمية.. إسرائيل تشدد الحصار وتغلق المعابر
الرأي الثالث - وكالات
مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى، استغلت دولة الاحتلال هذا التصعيد الإقليمي لتشديد الحصار المفروض على قطاع غزة، عبر فرض مزيد من القيود على المعابر وإبطاء إدخال المساعدات الإنسانية، في وقت يعيش فيه القطاع أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة.
وفي هذا السياق، أُغلق معبر رفح الحدودي، الذي يُعد الشريان الرئيسي لخروج المدنيين والجرحى وإدخال المساعدات الإنسانية، ما أثر بشكل مباشر على آلاف المرضى والجرحى الذين ينتظرون السفر لتلقي العلاج في الخارج.
ويزيد هذا الإغلاق من الضغط على المنظومة الصحية داخل القطاع، التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد الطبية والمستلزمات الأساسية.
كما أغلقت سلطات الاحتلال معبر كرم أبو سالم، وهو المعبر الوحيد المخصص لإدخال شاحنات المساعدات الإنسانية والتجارية إلى غزة، بالتزامن مع إعلان الحرب على إيران، قبل أن تعيد تشغيله بعد يومين فقط ولكن بعدد محدود جداً من الشاحنات، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن دولة الاحتلال تستخدم الحرب في المنطقة كغطاء لتشديد الحصار على غزة، عبر فرض مزيد من القيود على حركة السكان والمساعدات، وهي خطوات لا ترتبط مباشرة بالوضع الأمني في القطاع بقدر ما تعكس سياسة تهدف إلى تعزيز السيطرة السياسية والاقتصادية على غزة.
إدانات فلسطينية وتحذيرات حقوقية
أعربت الفصائل الفلسطينية عن إدانتها للإغلاق المستمر لممرات الحركة، معتبرةً أن استغلال الحرب الإقليمية لتشديد الضغط على غزة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
كما حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن استمرار إغلاق المعابر سيؤدي إلى تفاقم أزمة الجرحى والمرضى، ويزيد من تدهور الوضع الصحي والإنساني في القطاع، في ظل تراجع قدرة المؤسسات الطبية والإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
ويظهر الواقع أن دولة الاحتلال استغلت الحرب مع إيران لتعزيز سيطرتها على غزة، مستهدفةً المدنيين والجرحى من خلال إغلاق معبر رفح، في خطوة تعكس الترابط بين النزاعات الإقليمية والإجراءات القمعية على المستوى المحلي، ما يزيد من معاناة السكان ويشكل تحدياً إنسانياً كبيراً أمام المجتمع الدولي.
أزمة الوقود والخدمات الإنسانية
من جانبه، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الجهات العاملة على الأرض اضطرت إلى تطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الوقود بسبب تراجع مخزوناته في القطاع، وهو ما أثر بشكل مباشر على تشغيل المخابز والمستشفيات ومحطات تحلية المياه.
وأشار المكتب إلى أن نقص الوقود أدى كذلك إلى تعليق خدمات جمع النفايات في بعض المناطق، ما ينذر بتداعيات صحية وبيئية خطيرة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.
وبينت الأمم المتحدة أن معبر رفح وحاجز زكيم أقصى شمالي القطاع لا يزالان مغلقين، كما لا تزال عمليات تناوب الموظفين الإنسانيين الدوليين معلقة، الأمر الذي يضيف عبئاً إضافياً على عمليات الإغاثة الإنسانية التي تشرف عليها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في غزة.
وأكد المكتب ضرورة فتح مزيد من المعابر لإدخال الإمدادات الإنسانية بطريقة منتظمة ومستدامة، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية وتخفيف المعاناة الإنسانية عن السكان.
سياسة ممنهجة للضغط على السكان
أكد رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، صلاح عبد العاطي، أن القيود المفروضة على عمل معبر رفح البري من الجانب الفلسطيني، الذي لا تزال تسيطر عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي، لم تعد مجرد إجراءات تنظيمية، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تقوم على فرض قيود أمنية مشددة وابتزاز إنساني.
وأوضح أن هذه السياسة تقوم على تحويل الحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية التنقل والعلاج، إلى أدوات ضغط سياسي وأمني ضد السكان في قطاع غزة.
وقال عبد العاطي، إن إعادة فتح المعبر جزئياً في 2 فبراير 2026، بعد إغلاقٍ دامَ منذ مايو 2024، جاءت في ظل استمرار التحكم الإسرائيلي الفعلي بحركة العبور، رغم فتحه من الجانب المصري منذ أكتوبر 2023.
وبيَّن أن الآلية الحالية تقتصر على السماح بمرور الأفراد فقط دون البضائع أو المركبات، مع اشتراط الحصول على تصاريح أمنية مسبقة،
إضافة إلى إخضاع العائدين لتحقيقات مطولة وإجراءات تفتيش معقدة، وهو ما يعكس استمرار السيطرة الإسرائيلية على مفاصل الحركة المدنية.
وأشار إلى أنه خلال الفترة من 2 إلى 18 فبراير 2026 سُمح بعبور 1148 مسافراً فقط من أصل 3400 حالة متوقعة، أي بنسبة تقارب 33%، بينهم 640 مغادراً و508 عائدين.
وأضاف أن الأسبوع الأول من إعادة فتح المعبر شهد خروج 36 مريضاً فقط من أصل 196 شخصاً مع المرافقين، وهو رقم ضئيل قياساً بحجم الكارثة الصحية القائمة.
وأوضح أن قطاع غزة يضم أكثر من 20 ألف مريض وجريح بحاجة إلى العلاج خارج القطاع، بينهم آلاف من مرضى الأورام والأطفال الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية متخصصة غير متوفرة داخل القطاع.
انتهاكات للقانون الدولي
أكد عبد العاطي أن إغلاق المعبر يمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إضافة إلى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
كما اعتبر أن هذه الإجراءات تخالف أيضاً اتفاقية عام 2005 الخاصة بتنظيم عمل المعبر، والتي تنص على ضمان حركة الأشخاص والبضائع بشكل منتظم وآمن.
وأشار إلى أن تقييد حرية الحركة ومنع المرضى من الوصول إلى العلاج قد يرقيان إلى مستوى العقاب الجماعي، وهو ما يستوجب المساءلة الدولية.
وشدد على ضرورة فرض ضغط دولي فوري لوقف كافة أشكال التدخل الإسرائيلي في عمل المعبر، وفتحه بشكل دائم وآمن أمام المرضى والجرحى والمسافرين والعالقين دون قيود أمنية تعسفية.
كما دعا إلى تحييد الاحتياجات الإنسانية عن أي مقايضات سياسية، وتفعيل آليات المساءلة الدولية لمحاسبة المسؤولين عن استمرار الحصار وعرقلة حرية التنقل.
وأكد أن استخدام المعبر كأداة ضغط سياسي يهدد حياة المدنيين ويقوض أسس القانون الدولي الإنساني، مشدداً على ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات عاجلة وملموسة لضمان حرية السفر والعودة الآمنة للفلسطينيين وصون كرامتهم وحقوقهم الأساسية.
تشير بيانات صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية دولية إلى أن أكثر من 2.2 مليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة تحت حصار مستمر منذ عام 2007.
كما تؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن القطاع يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجات السكان الأساسية.
وتفيد تقديرات منظمات دولية بأن أكثر من 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الغذائية، في حين تعاني المنظومة الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة القيود المفروضة على المعابر.
كما تشير تقارير البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن إغلاق المعابر وتعطيل حركة التجارة والمساعدات يؤديان إلى خسائر اقتصادية وإنسانية كبيرة، ويزيدان من معدلات الفقر والبطالة في القطاع، الذي يُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية وأشدها تضرراً من النزاعات في العالم.