غوتيريس في بيروت: لبنان جُرّ إلى حرب لم يخترها
الرأي الثالث - وكالات
بدأ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، اليوم الجمعة، جولته في بيروت، استهلها بلقاء الرئيس اللبناني جوزاف عون في قصر بعبدا لبحث آخر التطورات العسكرية في ظلّ تسارعها ميدانياً، وسط مخاوف جدية من انزلاق الوضع أكثر أمنياً، مع توسّع رقعة الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، خاصة في بيروت، والتوغلات البرية جنوباً وارتفاع منسوب التهديد للدولة اللبنانية بقصف بناها التحتية.
وقال غوتيريس لدى وصوله إلى بيروت حيث كانت ممثلة الأمم المتحدة في لبنان جنين بلاسخارت في استقباله، إنه يأتي بزيارة تضامنية مع الشعب اللبناني، الذي لم يختر الحرب هذه، بل جرى جرّه إليها،
مؤكداً أنه لن يدخر لا هو ولا الأمم المتحدة أي جهد في السعي لمستقبل سلمي يستحقه لبنان وهذه المنطقة بشدة.
وقال غوتيريس بعد لقائه عون "أعرف أن الشعب اللبناني يعاني بقوة كبيرة، والمسلمون يعيشون فترة رمضان، والمسيحيون يعيشون فترة الصوم، هذه يجب أن تكون أوقات سلام، وتضامن، لكن لسوء الحظ، لبنان جُرّ إلى حرب لم يردها شعبه أن تحصل"،
مضيفاً "أتمنى بقوة وكل صدق أنه في زيارتي التالية إلى لبنان سأتمكن من زيارة بلد يعمّ فيه السلام وحيث الدولة لديها أيضاً حصرية استخدام القوة، وتطبيق السيادة على كامل أراضيها".
وقال الرئيس اللبناني خلال استقباله غوتيريس إنه "يجب وقف الاعتداءات الاسرائيلية وتحقيق وقف إطلاق النار للبحث في الخطوات التالية وفق المبادرة التي أطلقتها". ودعا عون إلى الاهتمام بشؤون النازحين، مقدّراً وقوف الأمم المتحدة إلى جانب لبنان ودعمها الدائم.
وشدد على أن استمرار الاعتداءات الاسرائيلية سيؤثر على الاستقرار في المنطقة كلّها. وأبدى عون استعداده للتفاوض، مشيراً إلى أنه حتى الآن لم نتلق جواباً من الطرف الآخر، مضيفاً "نتطلع إلى دعم المجتمع الدولي للبنان في هذه المرحلة الدقيقة".
ودعا غوتيريس حزب الله وإسرائيل إلى وقف إطلاق النار، وإيقاف الحرب وإعداد الطريق لإيجاد حلّ سيسمح ويتيح للبنان أن يكون دولة مستقلة تتمتع بالسيادة على كامل أراضيها وبسلطتها الحصرية لاستخدام القوة،
مضيفاً "انتهى وقت وجود الفرق المسلّحة وحان وقت الدولة القوية".
وتأتي زيارة غوتيريس في مرحلة حساسة ودقيقة جداً يمرّ بها لبنان، أمنياً أولاً، إذ الحلول الدبلوماسية لا تزال تواجه رفضاً إسرائيلياً، مع تمسّك الاحتلال وبضوء أخضر أميركي بالخيار العسكري لإنهاء وجود حزب الله، ومواصلته عملياته المكثفة التي أسفرت حتى الساعة عن استشهاد أكثر من 680 شهيداً،
واجتماعياً أيضاً، مع ارتفاع يومي يُسجَّل في عدد النازحين الذي قارب خط المليون، وهو يواجهون ظروفاً صعبة جداً، وقد بدأت تصل غالبية مراكز الإيواء، خاصة في بيروت لقدرتها الاستيعابية القصوى.
الزيارة، التي تستمرّ ثلاثة أيام، تشمل محطات عدة، منها جنوباً بزيارة مقر قيادة قوات اليونيفيل، بعدما كانت بلاسخارت في إسرائيل،
إذ أجرت لقاءات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، حاملة معها بحسب المعطيات، مبادرة لبنان، التي تدعو بالدرجة الأولى إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو مسار يتمسّك به عون، ويدعو المجتمع الدولي للضغط باتجاهه، ولوقف العدوان الإسرائيلي.
ومن المرتقب أن ينقل غوتيريس أجواء الاتصالات والمشاورات واللقاءات التي تحصل في ظل تصاعد وتيرة العمليات العسكرية، والعدوان على لبنان، والتي تؤشر حتى الساعة إلى أن إسرائيل ماضية في مسارها العسكري، جوياً وبرياً، لإنهاء وجود حزب الله "بنفسها"، بعد مماطلة الحكومة اللبنانية بنزع سلاحه، كما تدعي،
ويتوقع أن يكثف الأمين العام عمله باتجاه بحث سبل وقف التصعيد وكيفية العودة إلى تطبيق القرارات الدولية أو تعديلها بما يعيد تثبيت الأمن والاستقرار.
ويوم الاثنين، أطلق عون مبادرة، تقوم أولاً على إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان،
وثانياً، المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية،
وثالثاً، تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ونزع سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها،
ورابعاً، وبشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كلّ ما سبق.
وتتواصل التطورات الميدانية والسياسية بوتيرة متسارعة في لبنان مع توسّع الغارات التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق مختلفة من البلاد، لا سيما في العاصمة بيروت وضاحيتها، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.
فقد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه بدأ موجة من الضربات ضد بنى تحتية تابعة لحزب الله في أنحاء بيروت.
وفي ظل التصعيد العسكري، تتزايد التحذيرات الدولية من التداعيات الإنسانية للهجمات، بعدما عبّرت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب عن "قلقها البالغ" من تقارير تحدثت عن استهداف نازحين في بيروت وسقوط شهداء وجرحى من جراء ذلك.
وأكدت المنظمة أن المدنيين والبنية التحتية المدنية يجب ألا يكونوا أهدافاً للعمليات العسكرية، فيما تتعرض البنية الاجتماعية والخدماتية في لبنان لضغوط متزايدة نتيجة موجات النزوح المتصاعدة.
على الصعيد الداخلي، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن حكومته تعمل "على مدار الساعة" لوقف الحرب، مشدداً على أن اللبنانيين يدفعون ثمن حرب لم يختاروها. وأكد سلام أنه لا تراجع عن موقف الحكومة باستعادة قرار الحرب والسلم،
داعياً إلى إنهاء ما وصفه بـ"مغامرة الإسناد الجديدة" التي قال إن لبنان لم يجن منها سوى مزيد من الدمار والتهجير وسقوط الضحايا، معبّراً عن ثقته بأن اللبنانيين لن ينجروا وراء ما وصفها بالأخبار المختلقة التي تُنشر في ظل أجواء التوتر.
في المقابل، تشير مؤشرات سياسية وعسكرية في إسرائيل إلى اتجاه نحو تصعيد أكبر في المواجهة، إذ بحث المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) إمكانية تكثيف العدوان على لبنان، بما في ذلك تنفيذ عمليات برية داخل الأراضي اللبنانية قد تبدأ خلال أسبوع.
ووفق تسريبات إعلامية إسرائيلية، يُجرى نقاش داخل المؤسسة الأمنية حول توسيع نطاق العمليات حتى نهر الليطاني بذريعة نشاط حزب الله في المنطقة، ما يعزز المخاوف من توسّع الحرب إلى مرحلة أكثر شمولاً في الأيام المقبلة.