Logo

كيف توظف إيران الحوثيون كورقة تفاوض لتعزيز موقعها أمام واشنطن؟

  الرأي الثالث

بعد شهر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت جماعة الحوثي رسمياً دخولها خط المواجهة المباشرة، عبر إطلاق دفعتين من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وأثيرت العديد من التساؤلات عن عدم انخراط الحوثيين في الحرب منذ بدايتها، على الرغم من كون الجماعة أبرز حلفاء طهران في المنطقة.

 وفيما ذهب بعض المراقبين للحديث عن أن تأجيل الانخراط يأتي في إطار تكتيك إيراني لإدارة الحرب، من خلال عدم رمي الأوراق وتقديمها دفعة واحدة، والتحكم بمسار الحرب، 

ذهب مراقبون آخرون للحديث عن عوامل داخلية مرتبطة بجماعة الحوثيين نفسها، تتعلق بمخزونها التسليحي، والقدرة على إمدادها بالسلاح. 

ويعود السبب إلى انتشار البوارج الحربية ودورها في لجم خطوط الإمداد بالسلاح القادم من إيران والمتمثلة بالبحرين، الأحمر والعربي، ومضيق هرمز. 

كذلك يخشى الحوثيون حجمَ الضريبة التي يمكن أن يدفعوها من خلال الرد العسكري الإسرائيلي والأميركي، في ظل افتقاد الجماعة أسلحة الدفاع الجوي، ما يعني أن مناطق نفوذ الجماعة في اليمن ستكون مساحات مفتوحة ومكشوفة أمام الطيران الإسرائيلي والأميركي.

جناحان في صفوف الحوثيين

يأتي ذلك بالتزامن مع مؤشرات على تباينات داخل صفوف الجماعة بين جناحين، أحدهما يدفع بقوة منذ بداية الحرب نحو التدخل العسكري والانخراط الشامل فيها،

 بينما يحاول الجناح الآخر النأي بالجماعة عن الدخول في أي مغامرة قد تجعلها تفقد المكاسب التي حققتها حتى الآن.

 وبرز في السياق كلام للقيادي الحوثي محمود الجنيد، الذي كتب على "فيسبوك" أن "اليمن ليس بحاجة إلى مغامرات جديدة، نحن بحاجة إلى بيان لإصلاح الوضع الداخلي المزري، حفظ الله اليمن من كل الفتن".

 علماً أن الجنيد، وهو عضو في المكتب السياسي للجماعة، ونائب رئيس الوزراء السابق، دخل في خلافات مع الجماعة بخصوص منزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المنهوب.

وبحسب مراقبين، إن انخراط الحوثيين في الحرب حمل في طياته رسائل سياسية متعددة الوجهات، فهو يؤكد أن الجماعة لا تزال تمثل حليفاً بارزاً لإيران في المنطقة العربية، والأكثر تأثيراً نتيجة للنفوذ الذي يمكن أن تمارسه الجماعة في باب المندب،

 كذلك فإن حديث الجماعة عن "وحدة الساحات" لا ينحصر على المواقف السياسية والتصريحات الإعلامية، بل يتجاوز ذلك إلى الفعل على الأرض.
 
بالتوازي مع ذلك، فإن الانخراط في الحرب يحمل رسالة إلى الداخل اليمني بأن الجماعة في حالة مواجهة مع العدوان، وبالتالي فهي متحررة من أي التزامات نحو الداخل في المناطق التي تسيطر عليها، خصوصاً في ملفي الرواتب والخدمات. 

وترى الجماعة أن المشاركة في الحرب ستعزز من موقفها التفاوضي في إطار المفاوضات الخاصة بالحل السياسي للأزمة اليمنية، وسيمنحها المزيد من أوراق الضغط التي ستقدمها باعتبارها سلطة أمر واقع، ما يعزز من استحقاقاتها السياسية، 

وهو ما جعل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وفي أول تعليق لها تندد بما قالت إنها محاولات إيران المتكررة لجرّ اليمن إلى صراعات إقليمية، عبر دعم جماعات مسلحة، 

مؤكدة رفضها القاطع لأي سياسات من شأنها تقويض سيادة الدولة أو تحويل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة.

ومن شأن دخول الحوثيين في الحرب أن يساهم في تخفيف الضغط العسكري على إيران ولبنان من خلال توسع الجبهات،

 كذلك فإن الهجمات الحوثية التي ستعتمد في معظمها على طائرات مسيّرة رخيصة الثمن، ستلعب دوراً في إشغال منظومات الاعتراض الصاروخي الإسرائيلية والأميركية. 

وفتح جبهة اليمن سيمنح الإيرانيين القدرة على خنق الملاحة الدولية عبر مد النفوذ العسكري من مضيق هرمز إلى باب المندب. 

ويبرز دخول جماعة الحوثي على خط المواجهة العسكرية كأهم متغير استراتيجي في مسار الحرب الحالية، وهو الورقة التي ادخرتها إيران طوال أسابيع لتعزيز موقفها التفاوضي ومنحها قدرة إضافية على المناورة الإقليمية.
 
ورأى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مراد العريفي، أن انخراط جماعة الحوثيين في المواجهة الراهنة يمثل استخداماً لورقة مؤجلة، جاء توقيتها ليخدم استراتيجية إيران في الضغط الدولي، 

مشيراً إلى أن الجماعة تدرك عواقب هذا القرار تماماً، لكنها اختارت توقيتاً مثالياً يمنح طهران قدرة عالية على المناورة السياسية والعسكرية، وخصوصاً مع تصاعد الضجيج الدولي ضد التكلفة الاقتصادية الباهظة للحرب وتأثيرها المباشر في الملاحة العالمية.
 
وأوضح العريفي أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الانخراط تكمن في القدرة على الإضرار بالاقتصاد العالمي عبر سلاح المضائق، حيث يشرف الحوثيون على مضيق باب المندب والبحر الأحمر الذي يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة الدولية، 

مؤكداً أن إغلاق هذه الممرات أو تهديدها يمنح الحوثيين وإيران أداة ضغط هائلة، ولا سيما أنها تعطل المسارات الاحتياطية لتصدير النفط التي تعتمد على ميناء ينبع السعودي، وصولاً إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر.

وحول طبيعة القرار الحوثي، لفت العريفي إلى أن "الجماعة باتت تتمتع بقدر من الاستقلالية في السنوات الأخيرة بعد تنويع مصادر قوتها وتطوير قدراتها العسكرية الذاتية، 

إلا أنها تظل في الوقت ذاته ملتزمة عضوياً وعقائدياً بما يسمى بمحور المقاومة، إذ يصعب عليها التخلي عن طهران في هذا التوقيت الحاسم، نظراً للدعم التاريخي الذي تلقته منذ نشأتها، 

وهو ما يجعل تحركها مزيجاً بين الاستجابة للمصالح المحلية والالتزام الكامل باستراتيجية المحور الإقليمي". 

وأشار العريفي إلى أن هذا التحرك يأتي ضمن رؤية إيرانية تهدف إلى التصعيد الأفقي للصراع، وهو تكتيك عسكري يمنح طهران ووكلاءها قدرة أكبر على المناورة وتشتيت الخصم،

 موضحاً أن هذا الأسلوب يستهدف نقطة الضعف التاريخية للاحتلال الإسرائيلي الذي يحقق انتصاراته عادة في الضربات الخاطفة والأيام الأولى، 

بينما يبدأ بالاستنزاف والخسارة كلما طال أمد الصراع، وهو ما يسعى له التصعيد الأفقي لضمان إرهاق الطرف الآخر وتقليل فاعلية تفوقه العسكري المباشر.

بدوره، اعتبر الخبير المتخصص في شؤون جماعة الحوثيين، عدنان الجبرني، أن تأثير هذا التدخل بموازين القوى يعتمد بالدرجة الأولى على مدى استنفاد المحور لطبقات التصعيد التي يمتلكها الحوثيون، حيث يسير دورهم بشكل تصاعدي وتدريجي يخضع للضرورة العملياتية التي تقدّرها غرفة العمليات المشتركة بقيادة طهران. 

وبينما يتركز الهجوم حالياً باتجاه إسرائيل، يظل مسرح العمليات قابلاً للتحول نحو البحر الأحمر أو الضغط على دول المنطقة إن استدعت الحاجة السياسية ممارسة ضغوط على أطراف دولية مثل ترامب أو القوى الإقليمية.
 
مناورة حوثية في اليمن

وفي ما يتعلق بالقدرة على الاستمرارية، أشار الجبرني إلى أن الحوثيين يمتلكون إمكانية نسبية للمناورة في مواجهة طويلة الأمد، ولا سيما في النطاق الجغرافي القريب كالبحر الأحمر، نظراً لتوفر مخزون جيد من الصواريخ ذات المدى الفعال في تلك المنطقة. 

أما بالنسبة إلى العمليات الموجهة نحو العمق الإسرائيلي، فإن الجماعة تتبع سياسة اقتصادية في استخدام الصواريخ والمسيّرات بعيدة المدى بما يتناسب مع الكميات المتوفرة لديها، مع تأكيد جاهزيتها وقدرتها على الوصول. 

هذا الحضور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مشاركة الحوثيين في غرفة عمليات المحور منذ البداية، وانخراطهم في النقاشات والسيناريوهات التي سبقت اندلاع الحرب عندما كانت إيران تستشعر قرب وقوع المواجهة".

ولفت الجبرني إلى أن ذروة هذا التنسيق العسكري بالمستوى الحالي تتجلى في العمليات المتزامنة التي نُفذت أخيراً بين حزب الله وإيران والحوثيين، وهي عمليات تتطلب دقة متناهية في ضبط المسافات، وسرعات المقذوفات، وتوقيت الإطلاق لضمان وصولها من جغرافيا متباعدة في لحظة واحدة. 

وبحسب الجبرني، فإن هدف هذا التكتيك إحداث حالة من الإرباك والضغط المكثف على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي في وقت واحد، ما يرفع من احتمالية تحقيق اختراق نوعي في جغرافيا معينة والوصول إلى الأهداف المنشودة بفعالية أكبر.

 الحوثيون في اليمن كورقة تفاوض.. كيف توظف إيران البحر الأحمر لتعزيز موقعها أمام واشنطن؟

 تسعى جماعة الحوثي  إلى لعب دور يتجاوز التأثير العسكري المباشر، عبر استخدام قدراتها في البحر الأحمر كورقة ضغط استراتيجية تهدف إلى تحسين موقع إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، بحسب تحليل نشرته صحيفة هآرتس.
 
ويشير التحليل إلى أن القيمة الأساسية التي يقدمها الحوثيون لإيران لا تكمن في حجم الهجمات، بل في قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية، خصوصًا عبر احتمال شل حركة الشحن في البحر الأحمر، بما يكمل الضغوط التي تمارسها طهران في مضيق هرمز.
 
وبحسب التحليل، فإن هذا التهديد يمنح إيران أداة تفاوضية فعالة، إذ إن تعطيل أحد أهم ممرات التجارة العالمية من شأنه أن يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها، ويدفعهم نحو تقديم تنازلات في أي مسار تفاوضي.
 
ويُنظر إلى تحركات الحوثيين كجزء من استراتيجية أوسع تعتمدها طهران، تقوم على استخدام حلفائها الإقليميين لإيصال رسائل ضغط دون الانخراط المباشر في مواجهة شاملة.
 
توضح المادة أن الدور الحوثي يأتي مكملاً للنفوذ الإيراني في مضيق هرمز، حيث يمكن لطهران أن تجمع بين التهديدين معا في الخليج العربي والبحر الأحمر لخلق تأثير مزدوج على حركة الطاقة والتجارة العالمية.
 
هذا التوزيع الجغرافي للأدوات يمنح إيران مرونة أكبر في إدارة التصعيد، ويعزز قدرتها على المناورة بين العمل العسكري والضغط السياسي.
 
يركز تحليل هآرتس على أن الحوثيين لا يُنظر إليهم فقط كقوة قتالية، بل كأداة تفاوضية بيد إيران، يمكن استخدامها لتعديل ميزان القوى في المحادثات مع واشنطن.
 
ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد العمليات العسكرية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات.
 
ويُظهر التحليل أن استخدام الحوثيين يتم ضمن حسابات دقيقة، بحيث يتم التلويح بتهديد الملاحة دون الوصول بالضرورة إلى إغلاق كامل، وهو ما يسمح بالحفاظ على مستوى من الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
 
كما يشير إلى أن هذه المقاربة تمنح إيران قدرة على التصعيد التدريجي، وفق تطورات المفاوضات والضغوط الدولية.
 
وتكشف مادة هآرتس أن الدور الحوثي في الحرب يتجاوز البعد العسكري، ليصبح أداة ضغط استراتيجية تستخدمها إيران لتعزيز موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة، عبر التهديد بتعطيل شريان التجارة العالمية في البحر الأحمر، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.