Logo

باحثة أنثروبولوجية: إيران عالقة بين نظاميْ صمت.. الحرب والقمع

الرأي الثالث 

في مقال رأي نشرته بصحيفة “لوموند” الفرنسية، تحت عنوان: “إيران عالقة بين نظامين من الصمت: الحرب والقمع”، 

قالت الأنثروبولوجية، فريبا عادلخواه إن الصوت هو ما يمنح السلطة، غير أن المسألة لا تتعلّق بمجرد امتلاك الصوت، بل بمن يُسمَع فعلا. فليس كل صوت يُمنح الشرعية ذاتها؛ إذ يُطرح السؤال دائماً: أيّ الأصوات أحقّ بالإصغاء: أصوات المنكوبين الذين يصرخون وينزفون، أم أصوات الفاعلين الذين يقصفون ويفرضون واقعهم؟

تُظهر التجربة أن أصوات هؤلاء الأخيرين غالباً ما تكون الأعلى حضوراً، لا لقوّتها الأخلاقية، بل لأن أنماط التحليل السائدة تعيد إنتاج خطاب القوى المهيمنة وتضخّمه. وهكذا، كلما اشتدّ النزيف وتفاقم الألم، تراجعت القدرة على تحويل المعاناة إلى صوت مسموع.

علي خامنئي رحل، لكن النظام لم يرحل حتى إشعار آخر. فهو ليس مجرد دكتاتورية فردية، كما يُصوَّر أحياناً، بل منظومة أيديولوجية لها قاعدة اجتماعية وقادرة على إعادة إنتاج نفسها بمعزل عن قادتها

فالصوت، في هذا السياق، لا ينبعث من تحت الأنقاض بقدر ما يصدر عمّن يشيّدها ويفرض السيطرة عليها. وفي المحصلة، تبدو الهيمنة على المكان -امتلاكه، وإعادة تشكيله، والتحكّم بحدوده- أكثر حسماً في إنتاج السلطة من الهيمنة على العقول التي قد تسكنه لاحقاً، سواء اختارت المقاومة أم انخرطت في الولاء.

وتضيف الباحثة، وهي مديرة أبحاث في مركز الأبحاث الدولية التابع لمعهد العلوم السياسية (سيانس بو) باريس، أن الأصدقاء الذين التقتهم يعبّرون أولا عن حزن عميق تضامناً معها.

 لكن سرعان ما يعلو صوت آخر- صوت الفرح برحيل المرشد الأعلى علي خامنئي. “أمرٌ جيد قد تحقق!” يقولون. لكنني أرغب في الرد: ماذا نفعل بهذا “الأمر الجيد” أمام موت مئات التلاميذ، وآلاف الجرحى على أسرّة المستشفيات، وآلاف القتلى، غالبيتهم من المدنيين، الذين سقطوا في أماكن عملهم أو في منازلهم؟ تتساءل فريبا عادلخواه.

وتضيف الباحثة القول: “لا نعرف الكثير أيضاً عن الحياة اليومية لملايين الإيرانيين الذين يعيشون تحت وطأة الخوف من القصف، في ظروف مادية باتت جحيماً” 

موضحةً أنها تكتم أسئلتها، إذ يفرض الصمت نفسه خشية سوء الفهم. “لا تُوزَّع الحلوى في زمن الحرب”، كما يقول المثل. ويُردَّد كثيراً أن النظام قتل أكثر مما قتلت الحرب- مقايضة ضمنية: هذا بذاك.

وتتابع مديرة أبحاث في مركز الأبحاث الدولية التابع لمعهد العلوم السياسية (سيانس بو) باريس قائلة: “يغصّ صوتي بالبكاء، نعم، القمع مستمر منذ سبعة وأربعين عاماً، وكان بالغ القسوة، خصوصاً في شهر يناير.

 لكنه، رغم ذلك، لم يمنع الشباب من الذهاب إلى المدارس، ولا الكبار إلى الجامعات، ولا الآباء إلى أعمالهم، ولا العائلات من مواصلة حياتها، ولو بصعوبة. 

كما لم يتمكن من خنق حركات الاحتجاج والمقاومة والإصلاح. فهل كانت حملات مثل “مليون توقيع” للمطالبة بالمساواة في الحقوق، أو الإضرابات، أو المظاهرات، أو حركة “المرأة، الحياة، الحرية” ممكنة تحت القصف؟” تتساءل الباحثة.

أما سجن إيفين، فمع أنه رمز للقمع، فقد أصبح يُوصف بسخرية بأنه “أكبر جامعة”، لكثرة ما ضمّ من مثقفين وناشطين ومحامين. 

فأين أصبح الحوار بين مكونات المجتمع الإيراني، وبين الداخل والشتات، الذي كانت تيسّره منصات مثل “كلوب هاوس”، قبل أن تقطعه أو تشوّهه انقطاعات الإنترنت وأجواء الهستيريا؟ تتساءل فريبا عادلخواه.

نظام أيديولوجي قابل للاستمرار

وتتابع الباحثة الأنثربولوجية القول إن علي خامنئي رحل، لكن النظام لم يرحل حتى إشعار آخر. فهو ليس مجرد دكتاتورية فردية، كما يُصوَّر أحياناً، بل منظومة أيديولوجية لها قاعدة اجتماعية وقادرة على إعادة إنتاج نفسها بمعزل عن قادتها. 

فهل نحن واثقون أن نهاية نظام قمعي تعني نهاية القمع؟ أليس من الممكن أن قمعاً يخفي قمعاً آخر؟ وهل يجب أن نخشى أن تفضي الحرب ضد المستبد إلى حروب جديدة بين ضحاياه أنفسهم؟ تتساءل الباحثة.

ومضت فريبا عادلخواه قائلةً إن تاريخ إيران مثقل بالأحقاد والضغائن والكراهية المتراكمة في البيوت والأحياء والقرى والقبائل. فهناك الكثير من “الهياكل في الخزائن”، كما يُقال، والكثير من الأسلحة، ونزاعات عقارية ومالية ناجمة عن المنفى والتضخم المفرط والقروض غير الرسمية بين الأفراد.

الحرب ليست بيئة مناسبة للنقاش العام، وهو وحده الكفيل بتقييم قدرة المرشحين لخلافة السلطة على الحكم، بل وعلى الحكم الديمقراطي

الحرب ليست بيئة مناسبة للنقاش العام، وهو وحده الكفيل بتقييم قدرة المرشحين لخلافة السلطة على الحكم، بل وعلى الحكم الديمقراطي. فهي، مرة أخرى، تجعل بعض الأصوات أكثر حضوراً من غيرها. 

وهكذا تجد إيران نفسها عالقة بين نظامين من الصمت: الحرب والقمع. فهل يجب القبول بذلك؟ هل على الشعب أن يرضى بأي ثمن، مهما كان؟ تتساءل الباحثة.

وتابعت القول إن 160 ضحية وأكثر معظمهم من التلميذات، دفعن ثمناً باهظاً: صمتاً أبدياً فرضه اعتداء إسرائيلي أمريكي، في انتهاك للقانون الدولي، وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. 

وذلك في ظل لامبالاة سلالة سياسية سابقة تأمل في استغلال الوضع، وكذلك ما يُسمّى “المجتمع الدولي”، الذي بدا وكأن “قبلة حقوق الإنسان” منه كانت قبلة الموت، على حد تعبير الباحثة الأنثربولوجية.

وتوجه فريبا عادلخواه كلامها لأولئك الأصدقاء الذين يحاولون مواساتها بالقول: “ما جدوى رحيل طاغية إذا لم تكونوا قادرين على إدانة عمل غير شرعي وغير قانوني، أو تقدير كلفة “تحرير”  لم يتحقق بعد، إن كان يمكن أن يأتي أصلاً عبر تدخل عسكري خارجي؟”.

واعتبرت الباحثة أن وقف إطلاق النار، الذي أُعلن في 7 أبريل من قبل الرئيس الأمريكي، واستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، لا يشكّلان بأي حال من الأحوال مصدر ارتياح لمجتمع أنهكته القنابل وجرحته الخسائر، وأُجبر على العيش في الفقر والخراب. 

كل هذا، في حين كانت المفاوضات جارية بالفعل بين البلدين في عُمان منذ شهر يناير، لن يبقى من ذلك إلا مرارة عميقة وخطيرة سياسياً: شعور بالتخلي من قبل “المجتمع الدولي”، تماماً كما حدث عام 1980 مع اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية، تختتم مديرة أبحاث في مركز الأبحاث الدولية التابع لمعهد العلوم السياسية (سيانس بو) باريس.