توحيد التشكيلات العسكرية.. دور سعودي لتعزيز موقف الشرعية اليمنية
الرأي الثالث
تتشكل في العاصمة المؤقتة عدن ملامح مرحلة جديدة تهدف، بحسب ما هو معلن، لطي صفحة الخلافات تمهيداً لاستعادة الدولة، وبناء جيش موحد بعد سنوات من التشتت والانقسام.
تحركات متسارعة تقودها الحكومة اليمنية بدعم مباشر من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لإعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والأمنية، ودمجها تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية.
إجراءات عملية على الأرض، تمتد من عدن إلى حضرموت، مروراً بالساحل الغربي وتعز ومأرب، في محاولة لإنهاء حالة تعدد الجيوش والولاءات التي أرهقت البلاد، وسط مخاوف من أن هذه الإجراءات لا تحقق المطلوب.
دمج تدريجي
قطعت عملية دمج التشكيلات العسكرية شوطاً متقدماً، حيث شارفت المرحلة الأولى على الاكتمال، بعد إنشاء قاعدة بيانات موحدة لمنتسبي القوات، باستخدام تقنيات حديثة أبرزها البصمة الحيوية وبصمة العين.
هذه الخطوة كشفت، بحسب مصادر حكومية عن عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة والوهمية، في مؤشر واضح على حجم الاختلالات التي تراكمت خلال سنوات الحرب، وهو ما يجعل هذه المرحلة حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية.
ويشرف على هذا الملف اللواء فلاح الشهراني، مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة للتحالف، الذي يقود عملية معقدة تمتد جغرافياً من شرق اليمن إلى غربه، بحسب الصحفي اليمني عبد الرقيب الهدياني، الذي أشار في تدوينة على منصة "إكس"، إلى نجاح الرجل فيما عجزت عنه الحكومة اليمنية لسنوات.
كما تشمل العملية قوات الساحل الغربي بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح الذي أكد، في 23 أبريل 2026، أن أعمال إعادة الهيكلة تشمل توحيد الإجراءات وبناء هياكل قيادية حديثة، بالتوازي مع استمرار عمل لجنة البصمة الحيوية.
وتؤكد هذه التحركات أن الدمج لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يمتد إلى إعادة بناء العقيدة العسكرية والانضباط المؤسسي، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.
تفكيك التعدد
أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية الدمج يتمثل في تفكيك التشكيلات التي كانت تتبع ما يُعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، التي شكّلت خلال السنوات الماضية معضلة حقيقية أمام الحكومة والتحالف.
هذه القوات، التي كانت تمتلك نفوذاً واسعاً في عدن ومحافظات جنوبية، شهدت إعادة ترتيب واسعة، خاصة بعد أحداث ديسمبر ويناير في حضرموت والمهرة، التي أسفرت عن تراجع نفوذها وتقدم القوات الحكومية في عدة مناطق.
وفي هذا الإطار أصدر عبد الرحمن المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، توجيهات في 16 أبريل الجاري، تقضي بإعادة تنظيم الجبهات العسكرية عبر توزيع مسرح العمليات إلى ثلاثة محاور رئيسية.
كما بدأت عملية دمج هذه القوات فعلياً ضمن المؤسسات الرسمية، حيث أعلنت قوات حماية حضرموت (21 أبريل 2026) استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة الأمنية، في إطار عملية تنظيم شاملة.
وتشير هذه التطورات إلى تحول نوعي في المشهد، من تعددية مسلحة إلى محاولة بناء منظومة أمنية موحدة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على استقرار المناطق المحررة.
لجنة عليا
في يناير الماضي، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا، بإشراف مباشر من التحالف، تتولى مهمة إعداد وتجهيز وقيادة جميع التشكيلات العسكرية.
هذه اللجنة تمثل الإطار المؤسسي لعملية الدمج، وتهدف إلى توحيد القرار العسكري، والاستعداد لمختلف السيناريوهات، بما في ذلك خيار الحسم العسكري في حال تعثر المسار السياسي.
بالسياق ذاته أكد وزير الداخلية اليمني اللواء إبراهيم حيدان في مقابلة مع صحيفة "عكاظ" (أبريل 2026) أن اليمن يحقق خطوات عملية في دمج القوات الأمنية، مشيراً إلى أن الهدف النهائي هو إنهاء تعدد الأقطاب وتعزيز هيبة الدولة.
من جانبه شدد وزير الدفاع طاهر العقيلي على أن توحيد المرتبات ومعالجة الأسماء الوهمية يمثلان أولوية، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يبدأ بإدارة دقيقة وشفافة للموارد البشرية.
دور التحالف
يؤدي تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية دوراً محورياً في هذه العملية، ليس فقط كمشرف، بل كضامن لنجاحها، من خلال توفير الدعم الفني واللوجستي، وفرض معايير مهنية في إعادة الهيكلة.
هذا الدور يأتي في إطار استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الرياض إلى ضبط المشهد اليمني، وتوحيد القوى تحت مظلة الدولة، تمهيداً لاستحقاقات المرحلة المقبلة، سواء كانت سياسية أو عسكرية.
كما أن نجاح عملية الدمج يعزز موقع الحكومة الشرعية في أي مفاوضات مستقبلية، ويمنحها قوة تفاوضية أكبر في مواجهة جماعة الحوثي، إلا أن المعطيات على الأرض تكشف عن تعقيدات ربما تعرقل تحقيق النتائج المرجوة، أو تحول دون الوصول إليها.
دعم أخوي
الصحفي والكاتب اليمني سمير اليوسفي يرى أن قال إن لجنة البصمة الحيوية التابعة لقوات التحالف تواصل عملها في حصر وتدقيق بيانات منتسبي قوات المقاومة الوطنية، التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح.
اليوسفي أشار، في تدوينة على منصة "إكس"، إلى أن عمل اللجنة يأتي ضمن مسار إصلاحي يهدف إلى تنظيم القوات، وتعزيز الانضباط، وربط القوة بمنطق الدولة، لا بمنطق التشكيلات المتفرقة.
واستطرد قائلاً: "المملكة تساعد، لكن اليمنيين هم الأساس، هم أصحاب الأرض، وأصحاب الجيش، وأصحاب الدولة، وهم من تقع عليهم مسؤولية تحويل الدعم إلى وحدة حقيقية ومؤسسات فاعلة".
وأشار إلى أن "حرص المملكة على اليمن الموحد يمثل تعبيراً عن رؤية سعودية ثابتة ترى أن استقرار اليمن لا يكون إلا بوحدته، وأن قوة اليمنيين لا تكتمل إلا حين تجتمع كلمتهم وتنتظم قوتهم تحت سقف الدولة".
تحديات متوقعة
الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني الدكتور علي الذهب سلط الضوء على بعض العثرات التي تواجه خطوات دمج القوات والوحدات العسكرية، حيث اعتبرها "لا تسير وفق مسار مهني واحترافي".
ويشير الذهب إلى أن هناك تركيزاً على وحدات بعينها، "فعلى سبيل المثال يجري التركيز على محافظة حضرموت، ودمج للنخبة الحضرمية، مع قوات قبائل حضرموت، وكتيبة الدعم الأمني، داخل هياكل وزارة الداخلية".
واستطرد قائلاً: "هناك تعثر في بعض القضايا، نتيجة لوجود ازدواج في الوظيفة المدنية والعسكرية، وتكرار بعض الأسماء وهو ما خلق ما يمكن وصفه بالقوى الشبحية، (الوهمية)، خصوصاً في المنطقة العسكرية الرابعة، التي يمتد مسرح عملياتها ليشمل تعز وعدن، وأبين، ولحج".
وأضاف الدكتور علي الذهب:
- التشكيلات المسلحة التابعة للمجلس الانتقالي، ومنها ألوية متعددة في عدن والضالع، وأيضاً ما يعرف بقوات العمالقة، التي يقودها أبو زرعة المحرمي عضو مجلس القيادة، وهما تحت قيادته، لا تزال بعيدة عن الدمج.
- هاتان القوتان، لم تطلهما عملية الدمج على علاتها الموجودة، بمعنى أنهما قوتين منفصلتين حتى اللحظة، وجرى ضم سلطة القيادة لعبدالرحمن المحرمي، بعد هروب عيدروس الزبيدي في يناير الماضي.
- ما جرى دمجه بشكل حقيقي ومبني على أسس إدارية وتنظيمية معمول بها على مدى تاريخ الجيش اليمني، هي قوات المنطقة العسكرية الأولى، التي كانت قائمة حتى يناير الماضي، بعد أحداث حضرموت، وقوات المنطقة العسكرية الثالثة، في مأرب وشبوة.