Logo

العراق بين طهران و"إسرائيل".. كيف تحولت أراضيه إلى ساحة اختراقات؟!

الرأي الثالث - وكالات

 أعادت التقارير الأمريكية الأخيرة بشأن إنشاء "إسرائيل" قاعدة عسكرية سرية داخل صحراء العراق تسليط الضوء على طبيعة المشهد العراقي المعقد، في ظل تداخل النفوذ الإيراني مع الاختراقات الأمنية الإقليمية، وتحول البلاد تدريجياً إلى ساحة مفتوحة للصراعات غير المباشرة في المنطقة.

وبحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين ومصادر مطلعة، فإن القاعدة ضمت قوات خاصة إسرائيلية ومركزاً لوجستياً وفرق بحث وإنقاذ، واستخدمت لدعم العمليات الجوية ضد إيران خلال الحرب الأخيرة، وسط حديث عن علم الولايات المتحدة بوجود الموقع قبل انكشافه ميدانياً.

وتحدثت الروايات المنشورة عن أن الموقع كاد يُكتشف بعد بلاغ من راعٍ محلي لاحظ تحركات غير معتادة في المنطقة، قبل أن تتجه قوة عراقية للتحقيق وتتعرض لاحقاً لغارات جوية أوقعت قتلى وجرحى، في حادثة أثارت تساؤلات بشأن قدرة الدولة العراقية على مراقبة أراضيها وحدودها الصحراوية الواسعة.

ويأتي هذا التطور في وقت يعيش فيه العراق حالة من الانقسام الأمني والسياسي، مع استمرار النفوذ الإيراني داخل المؤسسات والفصائل المسلحة، مقابل تصاعد الحديث عن نشاط استخباري إسرائيلي في مناطق مختلفة من البلاد، ضمن الصراع الإقليمي بين طهران و"إسرائيل".

القاعدة السرية

أظهرت التقارير المتعلقة بالقاعدة الإسرائيلية أن الموقع لم يكن مجرد نقطة مراقبة مؤقتة، بل منشأة متكاملة تضمنت تجهيزات لوجستية ودعماً جوياً وفرق إنقاذ، ما يشير إلى استخدامه ضمن منظومة عمليات مرتبطة بالحرب ضد إيران، وليس مجرد نشاط استخباري محدود.

ووفق المعلومات التي نقلتها الصحيفة، أُنشئت القاعدة في منطقة صحراوية غربية بعيدة عن التجمعات السكانية الكبرى، وهي مناطق لطالما واجهت الدولة العراقية صعوبة في فرض سيطرة ميدانية كاملة عليها، بسبب اتساع المساحة وضعف الكثافة الأمنية وتعقيد البيئة الجغرافية.

كما كشفت الحادثة عن أن القوات العراقية لم تصل إلى الموقع إلا بعد بلاغ مدني، ما يعكس غياب الرصد المسبق لتحركات عسكرية غير معتادة داخل المنطقة، رغم حساسية الصحراء الغربية العراقية وقربها من مسارات إقليمية مرتبطة بسوريا والأردن والخليج.
 
وتحولت المناطق الصحراوية العراقية، خلال السنوات الماضية، إلى فضاء مفتوح لتحركات جماعات مسلحة وعمليات تهريب وانتقال عناصر بين عدة دول، وهو ما جعلها بيئة قابلة للاستخدام في عمليات استخبارية أو عسكرية سرية ترتبط بالصراعات الإقليمية المتصاعدة.

النفوذ الإيراني داخل العراق

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، توسع النفوذ الإيراني داخل العراق بصورة تدريجية، عبر العلاقات السياسية والدينية والأمنية، قبل أن يمتد لاحقاً إلى الفصائل المسلحة والمؤسسات الحكومية والاقتصادية.

وخلال السنوات الماضية، برزت فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بطهران ضمن بنية "الحشد الشعبي"، وأصبحت تمتلك نفوذاً واسعاً على الأرض، سواء في الملفات الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية، ما أدى إلى تعدد مراكز القوة داخل البلاد.

كما أدى هذا الواقع إلى تراجع مركزية القرار الأمني، حيث باتت بعض المناطق تخضع لتأثيرات متداخلة بين القوات الرسمية والفصائل المسلحة، وهو ما أضعف قدرة الدولة على فرض سيطرة موحدة على كامل الجغرافيا العراقية.

وترافق هذا التوسع مع تصاعد الاتهامات الأمريكية والإسرائيلية باستخدام الأراضي العراقية ضمن شبكات دعم لوجستي مرتبطة بإيران، سواء عبر نقل الأسلحة أو تحركات الفصائل أو خطوط الإمداد الممتدة نحو سوريا ولبنان.

العراق كساحة مواجهة إقليمية

خلال الحرب الأخيرة، تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة متقدمة في الصراع بين إيران من جهة، و"إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة أخرى، خصوصاً مع تزايد الضربات الجوية التي استهدفت مواقع لفصائل موالية لطهران داخل العراق، فيما تستهدف الأخيرة مصالح أمريكية داخل البلاد وخارجها.

وشهدت محافظات عراقية عدة خلال الفترة الماضية انفجارات وغارات استهدفت مخازن أسلحة وقواعد عسكرية مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران، وسط اتهامات متكررة لـ"إسرائيل" بتنفيذ هذه العمليات دون إعلان رسمي مباشر.
 
كما تحدثت تقارير غربية وإسرائيلية عن استخدام العراق كممر استخباري لمتابعة التحركات الإيرانية؛ بسبب موقعه الجغرافي الرابط بين إيران وسوريا، ووجود شبكات نفوذ عسكرية مرتبطة بطهران داخل الأراضي العراقية.

معرفة سابقة

تعليقاً على التسريبات الأخيرة، يقول الصحفي العراقي عمر عبد اللطيف إن الحديث عن القاعدة العسكرية الإسرائيلية داخل صحراء العراق "لم يعد مجرد تسريبات صحفية أو روايات أمريكية" 

موضحاً أن وسائل إعلام محلية "تداولت لاحقاً معلومات تفيد بوجود القاعدة فعلياً، وحدوث اشتباك بينها وبين قوات عراقية بعد بلاغ قدمه أحد رعاة الأغنام في المنطقة التي أُقيم فيها الموقع العسكري السري".

وأضاف عبد اللطيف أن الاشتباك أدى إلى مقتل جندي عراقي، قبل أن تتقدم الحكومة بشكوى إلى الأمم المتحدة بشأن الحادثة، 

مشيراً إلى أن الراعي الذي أبلغ عن التحركات العسكرية قُتل لاحقاً بعد التعرف عليه، وهي نقطة قال إن كثيراً من التقارير الإعلامية لم تتناولها رغم ارتباطها المباشر بكشف الموقع.

ويوضح أن المعلومات المتداولة داخل العراق تشير إلى أن أجهزة المخابرات والأمن والاستخبارات العراقية كانت على علم بوجود هذه القاعدة، لكن لم يكن يُسمح بالاقتراب منها أو تنفيذ عمليات عسكرية ضدها 

 معتبراً أن وجودها يدخل ضمن تفاهمات عراقية أمريكية مرتبطة باستخدام الموقع كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضد إيران.
 
ويشير عبد اللطيف إلى أن "العراق وجد نفسه منخرطاً في الحرب بصورة غير مباشرة، رغم إعلانه المتكرر التزام الحياد ورفض سياسة المحاور" 

موضحاً أن دخول بعض الفصائل المسلحة على خط المواجهة، وتنفيذها هجمات ضد مصالح أمريكية في بغداد وأربيل ومناطق نفطية في البصرة، إضافة إلى امتداد بعض الهجمات نحو الكويت، دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات ضد تلك الفصائل داخل العراق.

وأكد أن العراق بات عالقاً "بين نارين"، على حد وصفه؛ بين الضغوط الأمريكية والإسرائيلية من جهة، والنفوذ الإيراني والفصائل المرتبطة به من جهة أخرى 

 معتبراً أن الدولة العراقية كانت الأكثر تضرراً من هذه الحرب، بعدما تحولت أراضيها إلى مساحة مفتوحة للصراع الإقليمي والاستهداف المتبادل.

أزمة السيادة 

الباحث في الشأن الإيراني رامي النهدي رأى أن حادثة القاعدة السرية "تعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها، خصوصاً في المناطق الحدودية والصحراوية التي تعاني ضعف الانتشار الأمني وتعقيد البيئة الجغرافية".

ويقول إن العراق "يعاني منذ سنوات من تداخل الصلاحيات بين القوات الرسمية والفصائل المسلحة، إلى جانب مشكلات تتعلق بإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية بعد سنوات الحرب ضد تنظيم داعش والانقسامات السياسية الداخلية".

ويتابع: "كما أن استمرار تعدد مراكز القرار الأمني جعل من الصعب على بغداد احتكار إدارة الملف العسكري بصورة كاملة، وهو ما انعكس على قدرة الدولة في مراقبة الحدود والمجال الجوي والتحركات داخل بعض المناطق النائية".

ويختم بالقول: "التقارير المتعلقة بالقاعدة الإسرائيلية تؤكد أن الاختراقات الخارجية لم تعد تقتصر على النشاط الاستخباراتي التقليدي، بل باتت تشمل إنشاء بنى عملياتية داخل الأراضي العراقية في ظل بيئة أمنية تسمح بتحركات معقدة يصعب رصدها مبكراً".