Logo

صفقة الأسرى.. بوابة جديدة لتسوية الحرب في اليمن

الرأي الثالث  

أعاد الاتفاق الجديد لتبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة اليمنية والحوثيين، المعلن من العاصمة الأردنية عمّان في 14 مايو 2026، ملف التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة، بعد أشهر من الجمود الذي رافق الحرب والتوترات الإقليمية المتصاعدة في المنطقة.

ويقضي الاتفاق بالإفراج عن نحو 1750 محتجزاً من مختلف الأطراف، بينهم 27 سعودياً وسودانياً، ضمن ما وصفته الحكومة اليمنية والتحالف العربي بأنه "المرحلة الأولى" من اتفاق أوسع جرى التوصل إليه سابقاً وفق قاعدة "الكل مقابل الكل"، بعد مسار تفاوضي بدأ في مسقط نهاية 2025.

ويأتي الاتفاق في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات سياسية وأمنية واسعة مرتبطة بالحرب الإقليمية منذ فبراير 2026، وما تبعها من تحركات دبلوماسية في ملفات التهدئة، وهو ما أعاد الاهتمام مجدداً بالملف اليمني بعد تراجع حضوره خلال الأشهر الماضية.

كيف بدأ مسار الاتفاق؟

بدأ المسار الحالي لملف الأسرى في ديسمبر 2025، عندما استضافت سلطنة عُمان جولة مفاوضات إنسانية بين الحكومة اليمنية والحوثيين، برعاية مكتب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وبمشاركة مباشرة من السعودية، في واحدة من أوسع جولات التفاوض المتعلقة بالمحتجزين منذ سنوات.

وأعلنت الأطراف حينها التوصل إلى اتفاق شبه كلي للإفراج عن نحو 2900 محتجز، بينهم القيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان، إضافة إلى أسرى سعوديين وسودانيين، فيما وصف حينها بأنه اختراق مهم في واحد من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً منذ اندلاع الحرب في 2014.
 
وتواصلت المشاورات بعد جولة مسقط عبر قنوات غير مباشرة في الرياض، قبل انتقالها إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث استمرت المفاوضات المباشرة نحو 90 يوماً، وفق ما أعلن الوفد الحكومي اليمني في بيانه الصادر عقب توقيع الاتفاق الجديد.

كما لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط الرئيسي في هذا المسار، مستفيدة من علاقتها المفتوحة مع مختلف الأطراف، بينما تولت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر الجوانب الفنية والإنسانية المتعلقة بالكشوفات وآليات التنفيذ والزيارات المتبادلة لمراكز الاحتجاز.

ماذا يتضمن اتفاق عمّان؟

أعلن الوفد الحكومي اليمني أن الاتفاق الجديد ينص على الإفراج عن نحو 1750 محتجزاً من مختلف الأطراف، بينهم 27 سعودياً وسودانياً تابعين للتحالف العربي، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق "الكل مقابل الكل" الذي طُرح خلال جولات التفاوض السابقة.

وقال رئيس وفد الحوثيين، عبد القادر المرتضى، إن الاتفاق يشمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من طرف الجماعة، مقابل 580 من الطرف الآخر، بينهم سبعة أسرى سعوديون و20 أسيراً سودانياً، مع التوقيع النهائي على القوائم في ختام جولة عمّان.

كما شمل الاتفاق وضع آليات تنفيذية وتبادل الكشوفات الخاصة بالمحتجزين، إضافة إلى الاتفاق على عقد جولات جديدة لمناقشة عمليات إفراج إضافية، وتنفيذ زيارات مشتركة إلى مراكز الاحتجاز، وفق ما أعلنه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ.
 
ورحبت الأمم المتحدة بالاتفاق، حيث وصف غروندبرغ الصفقة بأنها "لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين"، مشيراً إلى أن المفاوضات التي استمرت 14 أسبوعاً أظهرت قدرة الحوار على تحقيق تقدم إنساني وبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة.

 ويُعد ملف الأسرى والمحتجزين من أكثر الملفات الإنسانية حساسية في النزاع اليمني، إذ ارتبط طوال سنوات الحرب باعتبارات سياسية وعسكرية وأمنية معقدة، وشهد جولات تفاوض متعثرة واتهامات متبادلة بعدم الالتزام أو إخفاء أسماء محتجزين ومفقودين.

ورغم تنفيذ صفقات تبادل جزئية خلال السنوات الماضية، ظل الملف مفتوحاً أمام آلاف الأسر اليمنية التي تنتظر الإفراج عن أبنائها، ما جعل هذا الملف أحد أبرز اختبارات بناء الثقة بين الأطراف منذ اتفاق ستوكهولم الموقع في السويد عام 2018، الذي نص حينها على الإفراج عن جميع المحتجزين وفق مبدأ "الكل مقابل الكل"، إلا أن التنفيذ واجه تعقيدات متكررة.

الاتفاق وتحولات المنطقة

جاء الاتفاق الجديد في ظل تغيرات إقليمية واسعة شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة و"إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة أخرى، في فبراير 2026، والتي دفعت عدداً من الملفات الإقليمية نحو ترتيبات تهدئة وتفاهمات سياسية وأمنية جديدة.

وأدى التصعيد الإقليمي خلال الأشهر الماضية إلى تراجع الاهتمام الدولي بالملف اليمني لفترة مؤقتة، قبل أن تعود التحركات السياسية المرتبطة بالتهدئة إلى الواجهة، خصوصاً مع تنامي المخاوف من اتساع التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن.

كما تزامنت جولة عمّان الأخيرة مع تحركات دبلوماسية إقليمية شملت السعودية وعُمان والأمم المتحدة، في إطار جهود للحفاظ على مسارات التهدئة ومنع عودة التصعيد العسكري الواسع داخل اليمن بالتوازي مع التوترات الإقليمية المحيطة.

ويأتي الحضور السعودي في هذا المسار امتداداً لتحركات بدأت منذ 2023 و2024، ركزت على دعم مسارات التهدئة وبناء الثقة، إضافة إلى تخفيف التوترات الحدودية والبحث عن ترتيبات أكثر استقراراً في الملف اليمني وسط التحولات التي تشهدها المنطقة.
 
ارتباط الملف اليمني بالمنطقة

 يرى الباحث السياسي نجيب السماوي أن اتفاق الأسرى الجديد لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة منذ بداية 2026 

موضحاً أن الملف الإنساني عاد ليتقدم على الملفات العسكرية لأول مرة منذ سنوات في ظل إدراك متزايد لدى الأطراف بأن استمرار الحرب بصيغتها الحالية أصبح أكثر كلفة وتعقيداً من أي وقت مضى.

ويقول: 

- ما يميز اتفاق الأردن الحالي ليس فقط عدد المحتجزين المشمولين فيه، بل كونه جاء استكمالاً لمسار تفاوضي متواصل بدأ من مسقط أواخر 2025، واستمر عبر قنوات سعودية وعُمانية وأممية، وهو ما يعكس وجود رغبة فعلية في إبقاء خطوط التواصل مفتوحة رغم التوترات الإقليمية الواسعة.

- ملف الأسرى يُعد من الملفات القليلة القادرة على إنتاج "نتائج ملموسة" أمام الشارع اليمني بخلاف الملفات السياسية المعقدة، ولذلك تحرص الأمم المتحدة والسعودية وعُمان على استخدامه كأداة لبناء الثقة التدريجية بين الأطراف تمهيداً للانتقال إلى ملفات أكثر حساسية؛ مثل الاقتصاد ووقف النار والترتيبات الأمنية.

- الاتفاق جاء في لحظة إقليمية مختلفة بعدما دفعت الحرب الأخيرة في المنطقة عدداً من القوى إلى البحث عن مسارات تهدئة وتخفيف بؤر التوتر، ومن بينها اليمن.

- استمرار صفقات الأسرى واللقاءات المباشرة قد يحول المسار الإنساني تدريجياً إلى قناة سياسية أوسع إذا استمرت الأطراف في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

دلالة مختلفة

ويرى المحلل السياسي اليمني محمد عياش، أن اتفاق الأسرى الجديد يحمل دلالة مختلفة عن الجولات السابقة، لأنه جاء بعد أشهر من الاتصالات غير المعلنة والتحركات الإقليمية المرتبطة بالحرب في المنطقة.

ويوضح أن استمرار التفاوض طوال هذه الفترة يعكس وجود قناعة لدى الأطراف بأن ملف اليمن لم يعد قابلاً للإدارة العسكرية المفتوحة كما كان خلال السنوات الماضية.

ويقول إن أهمية الاتفاق "لا تكمن فقط في الإفراج عن مئات المحتجزين، بل في كونه أعاد تفعيل قنوات التفاوض المباشر بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية إقليمية ودولية؛ وهو ما قد يسمح مستقبلاً بفتح ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بالاقتصاد والتهدئة والحدود والملاحة خصوصاً مع تنامي الضغوط الدولية لمنع توسع التوترات في المنطقة".

ترحيب خليجي باتفاق الأطراف اليمنية الإفراج عن المحتجزين  

رحبت دولة قطر والمملكة العربية السعودية وعُمان، الخميس، باتفاق الأطراف اليمنية على الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز مرتبطين بالنزاع، والذي تم التوصل إليه في ختام جولة مفاوضات استضافتها العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة.

وقالت وزارة الخارجية القطرية، في بيان، إن الدوحة تعرب عن تقديرها الكامل لجهود المملكة الأردنية الهاشمية، والأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكافة الأطراف التي أسهمت في إنجاز الاتفاق.

وأكدت الوزارة دعم قطر الكامل لجميع الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية عبر الحوار والوسائل السلمية، بما يحقق الأمن والاستقرار لليمن ويوطد السلام المستدام في المنطقة.
 
كما رحبت المملكة العربية السعودية بالاتفاق، الذي وقع الخميس في العاصمة الأردنية، لتبادل المحتجزين في اليمن، معتبرةً إياه "تطوراً إيجابياً يُسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية عن المحتجزين وأسرهم، ويعزز الثقة وفرص الأمن والاستقرار".

وثمّنت المملكة في بيان لوزارة الخارجية "الجهود المبذولة من جميع الأطراف المعنية للتوصل إلى هذا الاتفاق، والجهود الصادقة والمساعي الكريمة التي بذلتها الأردن باستضافة المفاوضات على مدى الأشهر الماضية".

وأشادت بالجهود التي بذلها مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مجددةً دعم المملكة لكافة الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار، وبما يلبي تطلعات الشعب اليمني.
 
من جانبها، رحبت سلطنة عُمان بإعلان المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، عن نجاح جولة المفاوضات في العاصمة الأردنية عمّان واتفاق الأطراف المعنية على الكشوفات النهائية للإفراج عن أكثر من 1600 أسير ومعتقل مرتبط بالأزمة في اليمن، وذلك في ضوء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سلطنة عُمان في ديسمبر 2025.

وثمنت السلطنة، في بيان لوزارة الخارجية، الجهود التي بذلتها الأردن لاستضافتها ودعمها لهذه الجولة من المفاوضات، كما عبرت عن تقديرها للجهود التي بذلتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كما ثمّنت التجاوب البنّاء من قبل الأطراف المعنية في التوصل لهذا الاتفاق الإنساني المهم، والذي يؤمل منه أن يساعد على بناء الثقة وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الوفاق والسلام في اليمن.
 
وأعلن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، في وقت سابق الخميس، توصل الأطراف اليمنية إلى اتفاق يقضي بالإفراج عن أكثر من 1600 محتجز مرتبطين بالنزاع، بعد 14 أسبوعاً من المفاوضات المكثفة التي احتضنتها عمّان.

ووصف غروندبرغ الاتفاق بأنه "لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين الذين طال انتظارهم المؤلم لعودة ذويهم"، معتبراً أن ما تحقق يمثل دليلاً على قدرة الحوار الجاد والمستمر على تحقيق اختراقات إنسانية وبناء الثقة اللازمة لدفع العملية السياسية الأشمل.