في ذكراها الـ36.. كيف تنبأ “الزبيري” بخطر الإمامة على وحدة اليمن قبل ستة عقود؟
الرأي الثالث
مع حلول الذكرى الـ36 للوحدة اليمنية، يعود كتاب “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن” لأبي الأحرار محمد محمود الزبيري إلى واجهة النقاش كأبرز النصوص السياسية التي قرأت مبكرًا علاقة الإمامة بالانقسام وتهديد الدولة الوطنية.
كتب الثائر اليمني "محمد محمود الزبيري" هذا العمل في ستينيات القرن الماضي، حين كانت قضية الوحدة اليمنية والتحرر من الاستعمار البريطاني في صميم النقاش الوطني، مقدمًا رؤية تربط التحرر من الاستبداد ببناء دولة المواطنة والشراكة.
في كتابه الذي نستعرض مضامينه في هذا التقرير، حذّر "الزبيري" من أن إعادة إنتاج فكرة “الحق الإلهي” في الحكم ستقود اليمن إلى دورات متجددة من الانقسام والصراع.
وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو كثير من تحذيرات الكتاب حاضرة في المشهد اليمني الراهن، وسط الحرب الممتدة وتصاعد النزعات السلالية والمناطقية في شمال البلاد وجنوبها.
الامتياز المقدس
يرى "الزبيري" أن أخطر ما في الإمامة أنها قدّمت الحكم باعتباره “حقًا إلهيًا” محصورًا في سلالة بعينها، لا سلطة تستمد شرعيتها من إرادة المجتمع، وأن حكمها "ليس مستمداً من الشعب ولا من فضل الشعب، بل هو منحة من السماء، إنه ظل الله ونائب الله وخليفته”.
ومن هذا التصور أعادت الإمامة تشكيل المجتمع على أساس الامتياز السلالي لاحتكار السلطة. وهو ما اعتبره الزبيري أصلًا للانقسام التاريخي الذي عصف بالبلاد.
الانقسام أساساً للحكم
يرى الزبيري أن اليمن تعرّض للتقسيم بفعل “الاستعمار، بمواطأة الرجعية”.
وقال إن “الاستبداد في عهود الظلام والجهل” عمل على “بث الفرقة السخيفة” عبر تغذية الانقسامات المذهبية والقبلية والإقليمية، وتنمية “روح التمجيد بالعرق والسلالة”، بهدف “تمزيق وحدة الشعب” وفق قاعدة “فرّق تسد”.
وفي توصيفه للإمامة، قال إنها “من أساسها فكرة مذهبية طائفية” ارتبطت تاريخيًا بالزيدية (الهادوية). بينما “أغلبية الشعب، بما ذلك الجنوب المحتل، لا يدينون بها ولا يرون لها حقًا في السيطرة عليهم”، بل يعتبرونها “سلطة مفروضة سياسيًا ودينيًا”.
وأضاف أن الإمامة “لا تقف عند حدود السلطة السياسية، بل تفرض على شطر الشعب معتقدات وطقوساً وأحكاماً مذهبية لا تتفق مع مذهبه”، ما خلق “شعوراً مريراً لدى أكثر الشعب”، وجعل “الانقسام ظلاً قائماً رهيباً يخيم على البلاد ويهدد مصيرها دائمًا”.
وأكد أن هذا الواقع أوجد صورة ذهنية توحي وكأن “سكان اليمن الأعلى طبقة حاكمة تحتكر الحكم لنفسها، وتجعل من اليمن الأسفل مجالًا حيويًا لها”.
غير أن سكان اليمن الأعلى كانوا أيضًا ضحايا “الطغيان الإمامي”، وعانوا من “حكم طارئ” فَرَضَ عليهم، إلى جانب السلطة السياسية، “سلطة روحية” تعزلهم في “ظلام الجهل والحرمان والتجويع”.
تفكيك المجتمع وسحقه
وفي كتابه، أشار "الزبيري" إلى أن الإمامة لم تكتف بتقسيم المجتمع إلى “زيدي” و“شافعي”، بل أوجدت “تقسيمات وتجزئات أخرى متسلسلة مستحكمة”، تعود كلها إلى “العلة الواحدة المزمنة وهي الحق الإلهي في حكم البشر”.
وقال إن الشافعية كانوا يرون أن “الزيود يحكمونهم ويتسلطون عليهم ويستغلونهم”، فيما كان الزيود أنفسهم يشعرون أن “طبقة معينة من العائلات الهاشمية” تحتكر “حق الحكم الإلهي” وتتوارثه، وامتد هذا الشعور حتى داخل الأسر الهاشمية نفسها، إذ يوجد منها “البائسين والمنكوبين والمحرومين”، في ظل احتكار عائلة هاشمية واحدة للسلطة.
كما يرى "أبو الأحرار" في كتابه، أن القبائل، باعتبارها “القوة الكبرى في الشعب”، حملت “شعوراً مريراً” تجاه سكان المدن باعتبارهم شركاء الأئمة في “مغانم الحكم” وفي “جرائره وآثامه”.
وخلص إلى أن الإمامة نجحت في تقسيم الشعب إلى “فريقين مختلفين كل فيهما مطية إلى هدف من أهدافها...”،
وحذر من أن استمرار فكرة “الحق الإلهي” سيقود إلى صراع دائم، مضيفًا أن أثر الإمامة امتد إلى “سحق الشخصية اليمنية”، إذ حُرم اليمنيون من حق قيادة بلدهم، وأصبح التفكير في ذلك جريمة دينية وسياسية، مع تشويه التاريخ الوطني وتهميش رموزه.
واستحضر صورًا تجسّد قسوة الإمامة، ومنها المجاعة الشهيرة التي ضربت البلاد، حين أكل اليمنيون “الكلاب والقطط”، بينما ظلت مخازن الحبوب ممتلئة، ليرد الإمام يحيى بمقولته الشهيرة: “من مات فهو شهيد ومن عاش فهو عتيق”.
مقاومة التمزق
أوضح "الزبيري" أن هذه “التجزئة المتلاحقة” التي عرفها المجتمع اليمني نابعة من “شعور هذه الفئات الشعبية جميعاً بأنها لا حق لها في حكم نفسها”، مقابل وجود “فئة مختارة متميزة تنعم أبد الدهر بهذا الحق، حق الإمامة المقدسة”.
ورغم سياسات التقسيم والتمزيق، يرى "الزبيري" في كتابه "الإمامة وخطرها على وحدة اليمن"، أن الإمامة لم تنجح في اقتلاع الشعور الوطني الجامع، فالمعاناة المشتركة جعلت اليمنيين يدركون أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.
ووصف ذلك بقوله إن “الاستياء المشترك” الذي عمّ البلاد وحّد مشاعر اليمنيين ونضالهم، خصوصًا “بعد أن تولى الأحرار مهمة الدعوة إلى الوحدة الشعبية ونبهوا إلى الكيد الشيطاني الذي يريده الطغيان والاستعمار ضد كيانهم الوطني والقومي”.
ولخّص هذه الفكرة قائلًا: “إن التمزيق شكّل رباطًا من الألم وحّد أهداف الشعب ومشاعره ونضاله”.
ولهذا، قال إن “العهود الرجعية الظالمة أخفقت إلى حد كبير أمام وعي الشعب وصلابته وفطرته”، وإن الشعب اليمني الذي “تطوّر وناضل وثار” لا يمكن أن يكون “مستقبله كماضيه”.
وفي حين أكد أن الشعب لن يقبل بدور “المتفرج”، أو أن “يبقى مصدقًا أن السماء قد وقع اختيارها في الأزل لعدد من العائلات” كي تحتكر الحكم “عصراً بعد عصر”.
ربط "الزبيري" بين تحقيق الوحدة اليمنية وبين إنهاء الاستبداد والاستعمار، مؤكدًا أن أي وحدة سياسية لا يمكن أن تقوم إلا على أساس المشاركة الوطنية والحرية.
سؤال الشرعية
في عمق الكتاب، يبرز سؤال اعتبره "الزبيري" جوهر الأزمة اليمنية: “هل يجوز أن تبقى في اليمن طائفة مذهبية تحكم طائفة أخرى إلى الأبد؟”، في إشارة إلى فكرة “الحق الإلهي في الحكم”
مؤكدًا أن بقاء هذه الفكرية يعني استمرار إنتاج الانقسام نفسه مهما تغيرت الأسماء والشعارات.
وتنبأ "أبو الأحرار" بأن ذلك سيكون “مشكلة المستقبل الكبرى” التي “ستدور عليها معارك المستقبل وأحداثه، وستنبعث منها مشاكل كثيرة أخرى، وستستغلها القوى العربية والدولية، شئنا ذلك أم لم نشأ، وستتعرض اليمن بسببها لأخطار لا نهاية لها”.
مشروع تحرر
ارتبط مفهوم الوحدة في فكر "الزبيري" بمسار التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة، فهو يرى أن "الاستبداد والاستعمار مزقا اليمن ومنعا تشكل الدولة الوطنية الجامعة".
وبالنسبة له كانت الوحدة "مشروع تحرر يقوم على إزالة الانقسامات المذهبية والمناطقية والاجتماعية، وبناء شعور وطني مشترك، وتحرير الإرادة الشعبية من الهيمنة الداخلية والخارجية".
وحدد "الزبيري" ملامح هذا المسار قائلًا: “إننا نريد أن نحرر حياتنا وعقولنا من كل ضروب العبودية التي تتمثل في الاستعمار ودعاته، والحكم الاستبدادي، والعبودية الروحية، وتتجلى في الأوهام الغاشمة الزائفة، إلى جانب الفوارق الطبقية والاجتماعية”.
وطرح مفهوم “الوحدة المحلية” كـ“مرحلة تمهّد للوحدة السياسية الكاملة”
موضحًا أنها تقوم على أن “تتمكن وتتعمق في القسم المستقل، وأن تتحقق في القسم الآخر بما يتيح قيام نظام مشترك بين أبناء الشعب في القسمين، تمهيدًا للوحدة الكاملة”، مشترطًا لذلك “التحرر من الاستعمار والاستبداد”.
بين الاندماج والعزلة
وفي سياق نقده لفكرة الإمامة، وجّه "الزبيري" خطابًا إلى الأسر الهاشمية، دعاها إلى التخلي عن فكرة “التميّز السلالي” والاندماج الكامل داخل المجتمع اليمني.
وأكد أن الإمامة تمثل خطرًا على الهاشميين أنفسهم قائلًا: “ما من خطر يهدد الهاشميين في الحاضر والمستقبل كخطر الإمامة”.
وأوضح أن الصراع يبدأ من داخل العائلات الهاشمية نفسها، إذ إن “كل إمام ينهض يرى أن خصومه ومنافسيه هم الرجال البارزين في العائلات الهاشمية الأخرى، فيسعى إلى التخلص منهم قبل غيرهم”، حد قوله.
ومن جهة أخرى، حذّر من أن “استمرار التمسك بفكرة التميّز سيجعل الأسر الهاشمية في نظر المجتمع كأنها أجنبية عنه دخيلة عليه، وستصبح معزولة داخل المجتمع كأنها جالية فيه وليست جزءًا منه”.
وأضاف أن هذا “سيكون في المستقبل خطرًا كبيرًا على هذه السلالات وباعثًا على نفور الشعب منها وتعصبه ضدها ووسمها بالرجعية”، مؤكدًا أن أي أقلية لا يمكنها إخضاع الشعب إلى الأبد.
ولتفادي ذلك، دعا "الزبيري" إلى “مقاومة الفكرة الإمامية، والمناداة بالجمهورية، وإتاحة الفرص المتساوية لجميع اليمنيين في الحكم”، معتبرًا أن “التخلي عن الامتياز السلالي هو السبيل إلى إنقاذ وحدة الوطن، وتجنب كثير من الويلات”.
كما استشهد بنماذج من بلدان عربية وإسلامية احتفظت فيها السلالات الهاشمية بأنسابها دون أن تجعل منها “وسائل للحكم والتميّز”، ما أتاح لها الاندماج الطبيعي في مجتمعاتها.
الوحدة كضمانة للبقاء
"الزبيري" تجاوز مسألة خطر الإمامة على الوحدة، إلى اعتبارها تهديداً لبقاء الدولة اليمنية. وربط مصير اليمن وقدرته على البقاء بالخلاص من هذه الفكرة.
وقال: “فإذا أراد اليمنيون أن يجنبوا بلادهم كل هذه الاحتمالات الرهيبة ويحافظوا على استقلالها وسيادتها ووحدتها وبقاء اسمها على الخريطة، فليشطبوا على هذه الخرافة التي تعطي لنفسها حقاً مقدساً في الحكم لفئة معينة من الناس”.
وأكد في هذا السياق أهمية “القيادة الجماعية” وإتاحة “الفرص المتساوية” لكل فئات الشعب للمشاركة في الحكم، باعتباره أساس بناء دولة مستقرة
موضحًا أن هذا الرأي لا يذكره تعصبًا لفريق دون آخر، وإنما “حرصاً على وحدة الشعب بأسره وعلى حريته واستقلاله”.
الدولة الوطنية كحل
خلص كتاب “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن”، إلى أن مستقبل اليمن مرهون ببناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون، بعيداً عن أي امتياز مذهبي أو سلالي، باعتبارها الضمانة الحقيقية لوحدة البلاد واستقرارها.
وشدد على أن الدعوة إلى المساواة ليست تحريضًا على الصراع أو العصبية، بل شرطًا لبناء وحدة وطنية مستقرة، مضيفًا أن “الذين يؤمنون بالعنصرية هم الذين يدافعون عن الفوارق والامتيازات، التي تفصل بينهم وبين سائر فئات الشعب”.
وبالنسبة لأبي الأحرار، لم تكن الوحدة مجرد اندماج سياسي أو إداري، وإنما نتيجة لدولة تقوم على الحرية والمواطنة والشراكة في الحكم.
خاتمة المحرر
وعند قراءة الكتاب اليوم، تبدو مضامينه وكأنها تعيد قراءة المشهد اليمني الراهن من نافذة الستينيات. فجماعة الحوثي، التي تسيطر على صنعاء منذ نحو عقد، أعادت إحياء الفكرة الإمامية للحكم التي ثار عليها اليمنيون في 26 سبتمبر 1962.
كما أعادت تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع على أساس مذهبي سلالي، وعمّقت الانقسام وأضعفت الشعور الوطني الجامع. ومع انهيار مؤسسات الدولة واتساع فجوة الثقة، تصاعدت الدعوات الانفصالية جنوب البلاد، مستندةً إلى الواقع الذي فرضه الحوثيون وإلى مظالم سياسية واقتصادية متراكمة.
كما عززت التدخلات الخارجية هذا الانقسام، وهو ما حذّر منه "محمد محمود الزبيري" مبكرًا بتأكيده في كتابه الذي كتبه قبل ستة عقود أن الإقصاء واحتكار السلطة سيقودان إلى تفكيك الوحدة الوطنية وتأجيج النزعات الطائفية والمناطقية.
برّان برس