Logo

عيد الأضحى في غزة.. حرب إسرائيلية تحاصر الفرح للعام الثالث

الرأي الثالث - وكالات

 للعام الثالث توالياً يستقبل الفلسطينيون في قطاع غزة عيد الأضحى المبارك في ظروف استثنائية فرضتها الحرب المستمرة والحصار وتداعيات الدمار الواسع الذي طال مختلف مناحي الحياة.

وفي الوقت الذي تستقبل فيه المجتمعات الإسلامية حول العالم العيد بمظاهر الفرح والعبادة والتكافل الاجتماعي، يجد سكان القطاع أنفسهم أمام واقع مختلف، تغيب عنه معظم الشعائر والطقوس المرتبطة بهذه المناسبة الدينية، لتتحول أيام العيد إلى امتداد لمعاناة يومية يعيشها أكثر من مليوني إنسان.

ويُعد عيد الأضحى من أبرز المناسبات الدينية التي ترتبط بمجموعة من الشعائر والرموز الروحية والاجتماعية، وفي مقدمتها أداء فريضة الحج وذبح الأضاحي وصلة الأرحام وتبادل الزيارات والاحتفالات العائلية.

لكن مظاهر العيد غابت بالكامل عن غزة هذا العام، كما حدث في العامين السابقين، نتيجة استمرار الحرب وما رافقها من إغلاق للمعابر وتعطل لمختلف جوانب الحياة.

ومن أبرز مظاهر هذا الغياب عدم تمكن حجاج قطاع غزة من السفر إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج، بعد أن اعتاد آلاف الفلسطينيين سنوياً المشاركة في هذه الفريضة التي تمثل حلماً دينياً وإنسانياً للكثيرين.

وللعام الثالث توالياً، تغيب مشاهد توديع الحجاج واستقبالهم، وهي من الطقوس الاجتماعية الراسخة التي كانت تضفي على موسم الحج والعيد أجواءً خاصة داخل المجتمع الغزي، بعدما حالت الأوضاع الأمنية وإغلاق المنافذ دون سفرهم.
 
حرمان متواصل

يعيش الكثير من أهالي غزة أيام عيد الأضحى تحت وطأة الفقد والنزوح، إذ لا تكاد تخلو خيمة من صورة شهيد أو مفقود، كما أن النزوح المستمر شتت العائلات بين مناطق مختلفة، وحرم كثيرين من "لمّة العيد"، ما يجعل المناسبة أقرب إلى حالة من الحزن الجماعي الممزوج بالصبر والدعاء.

تبدو ملامح عيد الأضحى في قطاع غزة قاسية، فبدلاً من الإقبال على شراء الأضحية والملابس الجديدة، تنتشر خيام باهتة تمتلئ بعشرات آلاف النازحين، وتنشغل العائلات بتأمين المياه والطعام، 

وفي حين يسعى البعض إلى توفير أجواء فرح، ولو بالحد الأدنى، يكتفي الأطفال بمراقبة تفاصيل لا تشبه الأعياد التي عرفوها سابقاً.

تخلو الشوارع من مظاهر البهجة المعتادة، فلا زينة تملأ الطرقات، ولا تسمع أصوات باعة الحلويات والألعاب، حتى إن الأسواق التي تعمل جزئياً تبدو مرهقة وفقيرة في ظل الغلاء الحاد، ونقص المواد الأساسية، وانعدام القدرة الشرائية لدى غالبية الأهالي الذين فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم.

رغم ذلك، تحاول الأمهات داخل الخيام ومراكز الإيواء التخفيف عن أطفالهن بطرق بسيطة، فبعضهن يشترين قطع ملابس جديدة متواضعة، وأخريات يصنعن قطعاً من كعك العيد بما توفر.

 أما الأطفال، فإنهم يبتكرون ألعاباً من الورق والبلاستيك وبقايا المواد المتوفرة داخل المخيمات، في حين يحاول الآباء إخفاء شعورهم بالعجز عن تلببية احتياجات أبنائهم.

ويعيد هذا الواقع القاسي إلى أذهان الفلسطينيين في غزة صورة الأعياد التي سبقت الحرب، حين كانت العائلات تبدأ استعداداتها قبل أسابيع من حلول عيد الأضحى، 

وكانت الأسواق تزدحم بالمتسوقين، وتفوح من البيوت روائح الكعك والتوابل، وتنشغل العائلات بشراء الملابس الجديدة، وتحضير الأضاحي، وترتيب تفاصيل الزيارات العائلية، وغيرها من الطقوس الاجتماعية والدينية التي تصنع الفرح، وتمنح ذكريات لا تنسى.

 كل تلك الطقوس اختفت، وتحولت أولويات الناس نحو تأمين الاحتياجات الأساسية، ومحاولة النجاة في ظل ظروف إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة.

ويستحضر كثيرون تفاصيل الأعياد الماضية بحنين كبير، متذكرين أصوات التكبيرات فجراً، وروائح القهوة والكعك، وحركة الأطفال في الشوارع، واجتماع العائلات حول موائد طعام العيد، بينما يفتقد كثيرون البيت بكل ما يحمله من شعور بالأمان والاستقرار والدفء العائلي.

وكانت الأضاحي أحد أبرز معاني عيد الأضحى في غزة، وهي مرتبطة بالتكافل الاجتماعي، وفي الأعوام الماضية، كانت الأحياء تشهد توزيع لحوم الأضاحي وتبادلها بين الأقارب والجيران، فيما تمتلئ الموائد بالطعام، وتُفتح البيوت لاستقبال الضيوف،

 أما اليوم، فإن نقص المواشي، وارتفاع أسعار المتوفر منها، إضافة إلى إغلاق المعابر، وتدهور الأوضاع المعيشية، كل هذا جعل الأضحية حلماً بعيد المنال بالنسبة لغالبية الأسر.

من جهتها أكدت وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة أن حرمان أكثر من مليوني فلسطيني من الأضاحي للعام الثالث توالياً يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية.

وأضافت الوزارة، أن قطاع غزة كان يستقبل سنوياً، قبل الحرب، ما بين 10 آلاف و20 ألف عجل، إضافة إلى 30 ألفاً و40 ألف رأس من الأغنام، لتلبية احتياجات موسم الأضاحي.

وأرجعت الوزارة غياب الأضاحي إلى التدمير الواسع الذي طال المزارع والحظائر ومخازن الأعلاف والمستشفيات البيطرية خلال الحرب، إلى جانب منع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية إلى القطاع.

وأوضحت أن شح الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في "القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية"، وسط خسائر وصفتها بـ"الكارثية"، تهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع.

ومع حلول عيد الأضحى، تزايدت شكاوى العائلات الفلسطينية النازحة من قلة المساعدات الإنسانية، وعدم انتظام وصولها، الأمر الذي يفاقم معاناة الأسر التي تعتمد بشكل شبه كامل على ما تقدمه المؤسسات الإغاثية في ظل انعدام مصادر الدخل.

كما أن فقدان مصادر الدخل جعل الكثير من الآباء عاجزين عن توفير أبسط متطلبات العيد، ومن أصعب المشاعر أن ترى أبناءك ينتظرون فرحة لا تستطيع تأمينها لهم. حتى الزينة التي كانت تملأ الشوارع اختفت، لأن الناس لم تعد تملك القدرة النفسية أو المادية على الاحتفال، 

فالأولوية أصبحت لتأمين الطعام والنجاة. يفتقد الناس الشعور بالحياة الطبيعية، فالعيد كان يعني البيت والدفء واللمة العائلية والأمان، لكن الحرب سلبت من الفلسطينين كل هذه الأشياء، وأصبح العيد يحمل الكثير من الحزن والحنين أكثر من الفرح".

ومع اتساع رقعة الاحتياجات، تستقبل كثير من العائلات العيد من دون القدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وسط شعور متزايد بالخوف من استمرار الأزمة الإنسانية من دون حلول حقيقية. في حين يحاول كثيرون التمسك بما تبقى من روح العيد، 

إذ لم تعد المناسبة مرتبطة بالمظاهر والاحتفالات بقدر ما هي محاولة للحفاظ على التماسك النفسي، ومنح الأطفال شيئاً من الأمل وسط الركام والخيام والخسارات الكبيرة.