Logo

احتجاجات عدن وحضرموت... أكسيجين سياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي

الرأي الثالث

 تتسارع الأحداث في عدن وحضرموت، جنوبي اليمن وشرقيه، على خلفية تزايد الاحتجاجات والاحتقان الشعبي بسبب انهيار الخدمات، ليتحول الشارع إلى ساحة نزال سياسي بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، في ظل توقف شبه تام للعملية السياسية في عدن.

 وأتاح التعثر الحكومي في وقف انهيار ملف الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، لـ"الانتقالي" استعادة دور المبادرة، والدفع بأنصاره للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية الحالية، ضد الحكومة.

وتكتسب الأوضاع في عدن وحضرموت أهمية استثنائية، عقب الأحداث التي شهدتها في الأشهر الماضية.

 وكانت القوات اليمنية أخرجت، بغطاء جوي للطيران الحربي السعودي، قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من حضرموت والمهرة في يناير/كانون الثاني الماضي 

 بعدما شنت هجوماً على المحافظتين في محاولة للسيطرة عليهما في ديسمبر/كانون الأول 2025 وتجاهلت جميع مساعي احتواء الأزمة، ما قاد إلى التدخل العسكري السعودي المباشر لتتسارع التطورات العسكرية بعدها 

 ما أجبر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي الذي قاد التصعيد إلى الفرار من اليمن باتجاه الإمارات، وما أعقب ذلك من تضييق على المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن.

وبدت واضحة منذ يوم الثلاثاء الماضي وصباح أمس الأربعاء مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي بقوة في هذه الاحتجاجات، والدفع نحو مزيد من التأجيج والتصعيد 

 مستغلاً حالة الغضب لدى الناس تجاه الفشل في حل مشاكل الخدمات، بحسب مصدر في التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية، والذي أعلن عن تشكيله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في عدن ويضم 23 حزباً ومكوناً سياسياً. 

وحذر المصدر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، من أن الأوضاع قد تخرج عن السيطرة إذا لم يكن هناك سعي جاد ومسؤول لمنع الانفجار الشعبي في عدن، وقطع الطريق أمام مساعي "الانتقالي" وغيره في الدفع بالأزمات التي تضرب المواطنين نحو الأسوأ 

معتبراً أن هذه الأحداث بدرجة رئيسية يقف خلفها تعثر الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، سواء سياسياً أو اقتصادياً 

 فضلاً عن تبخر الوعود السعودية، في حلحلة الأوضاع وتحسين ملف الخدمات، بعد أن انشغلت خلال الفترة الماضية بالجانب العسكري والأمني، وابتعدت عن الأزمات المتصلة بحياة الناس، ما أدى إلى نقمة شعبية وسياسية، ضد الحكومة، بسبب تعثرها في إيجاد حلول لهذه الأزمات التي ضاعفت من معاناة المواطنين.

المجلس الانتقالي الجنوبي يدعو أنصاره للاحتجاج

وزادت من الاحتقان الشعبي والسياسي دعوة المجلس الانتقالي الجنوبي في بيان الاثنين الماضي، أنصاره إلى الاحتجاج على تردي الخدمات وانقطاع الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المناطق 

 متهماً ما يسميها "سلطات الأمر الواقع، المدعومة سعودياً"، بالفشل في إيجاد حلول لوقف انهيار الخدمات، وحملهم المسؤولية الكاملة على خلفية زيادة معاناة المواطنين. 

ويراهن المجلس الانتقالي الجنوبي على فشل المكونات السياسية الجنوبية في تقديم نفسها ممثلة للجنوب، خصوصاً مع تعثر تقدم أي حوارات جنوبية ــ جنوبية، بما فيها مؤتمر الحوار الجنوبي ــ الجنوبي، وغياب الحلول السياسية من قبل الحكومة أو السعودية في ما يخص الشأن الجنوبي منذ أحداث حضرموت والمهرة، 

ثم اتخاذ قيادات من "الانتقالي الجنوبي" المطالِب بالانفصال، من الرياض في 9 يناير الماضي، قراراً بحله، وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية والتنظيمية. 

ويحاول "الانتقالي"، بحسب قيادات داخله، استعادة زمام المبادرة بصفته صاحب الشعبية الأكثر حضوراً، بعد فشل الحكومة والرياض في إحداث تغيير يلامس حياة الناس.
 
عصيان مدني في عدن وحضرموت

وشهدت الساعات الماضية موجة من التصعيد الشعبي في عدن وحضرموت. وأدى عصيان مدني، أمس الأربعاء، إلى توقف الحركة والتنقل 

 فيما تفجّرت مناوشات بين المحتجين وقوات الأمن، التي استخدمت الرصاص الحي لتفريقهم، مع إغلاق غالبية الطرق الرئيسية، وإحراق الإطارات، بعد سقوط قتيل وجرحى في حضرموت، وعدد من الجرحى في عدن.

وتواصلت الاحتجاجات والغليان الشعبي في عموم مديريات العاصمة المؤقتة عدن، خصوصاً أمام منطقة المعاشيق التي يوجد فيها قصر المعاشيق ومقر الحكومة، تنديداً بانهيار الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، تتجاوز في أوقات 10 ساعات. 

وخرجت تظاهرات نسائية حاشدة خلال الأيام الماضية، ضد السلطات والحكومة، منددة بهذا الانهيار، بالتزامن مع ظهور موجة جديدة من الاحتجاجات، مع افتراش الكثير من المواطنين الأرصفة في الشوارع الرئيسية، فيما بات تعرف بـ"ثورة الفرشان".

وفي ما يتعلق بالوفيات التي يعتقد أن ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي ساهما في حدوثها، أكد مصدر خاص في مكتب الصحة العامة والسكان في عدن وجود تقارير أولية تشير إلى تسجيل وفيات،

 لكنه أوضح أنه لا توجد حتى الآن إحصائية دقيقة أو مؤكدة بشأن عددها. وعزا ذلك إلى تداخل عوامل صحية ومعيشية متعددة، 

فضلاً عن الضغط الكبير الذي تواجهه المستشفيات والمراكز الصحية العامة والخاصة، وما يرافقه من تأخر في توثيق الحالات وجمع البيانات، في ظل ما يعانيه القطاع الصحي الحكومي من نقص حاد في الإمكانات والخدمات.

وقالت الناشطة سلمى أمين، إنها وعائلتها يعيشون في جحيم هذه الأيام في عدن بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، خصوصاً في منطقة كريتر التي تقع في الأصل داخل فوهة بركان، 

ما يدفعها أحياناً إلى الخروج مع أطفالها ووالدتها إلى أحد المراكز التجارية أو الساحل هرباً من شدة الحر داخل المنازل، لأن الحياة داخل البيوت في هذه الأيام، بحسب وصفها، "أصبحت قاتلة". 

وعبّرت عن سخطها من "السلطات المحلية والحكومة وحتى الوعود السعودية، بسبب الفشل في حل أزمة الكهرباء".
 
واعتبر مصدر في السلطات المحلية في عدن، أن "ملف الخدمات أصبح أكبر من قدرات قيادة السلطة وإمكانياتها، خصوصاً ملف الكهرباء، الذي تحول من ملف خدماتي إلى سياسي، حيث يُستغل من قبل عدد من الأطراف لتأزيم وتعقيد الأوضاع أكثر فأكثر".

 وتحدث عن مخاوف لدى السلطات "من انهيار الوضع بشكل كامل في عدن وخروجها عن السيطرة، إذا لم تكن هناك حلول جذرية من قبل الحكومة والتحالف بقيادة السعودية الذي تدير الملف بشكل مباشر".
 
وأعلن أن وقف العمل بالمرحلة الثانية من إنشاء محطة الطاقة الشمسية في عدن، الذي كانت بدأته الإمارات قبل خروجها من اليمن، مطلع يناير الماضي، تسبب أيضاً في تعثر إيجاد حلول للطاقة في العاصمة المؤقتة بشكل عام،

 فيما اكتفى مصدر في الحكومة بالقول إن هناك بوادر مساع تقوم بها حكومة شائع الزنداني، مع الجانب السعودي، في موضوع ملف الخدمات، وتحديداً الكهرباء، لتخفيف حدة الاحتقان، 

مشيراً إلى أنه جرى التوقيع، أول من أمس الثلاثاء، بين البرنامج السعودي ورئيس الحكومة على منحة سعودية بـ150 مليون دولار لتزويد محطات الكهرباء بالوقود.

تعزيزات أمنية إلى عدن وحضرموت

ومع تزايد وتصاعد الاحتقان والغليان الشعبي ودخول المجلس الانتقالي الجنوبي على الخط، دفعت الحكومة بتعزيزات عسكرية وأمنية كبيرة إلى عدن وحضرموت في محاولة لاحتواء الاحتجاجات، ومنع انزلاق الأوضاع إلى الأسوأ، خصوصاً أن الانفجار الشعبي ضد الحكومة بدأ يتصاعد، وسط محاولة محتجين اقتحام منطقة المعاشيق الحكومية.
 
وأصدرت اللجنة الأمنية في عدن بياناً، أمس الأربعاء، أكدت فيه أن حق التعبير السلمي عن الرأي والمطالبة بالحقوق المكفولة قانوناً ودستورياً يمثل حقاً أصيلاً للمواطنين ينبغي احترامه وحمايته، معربة عن تفهمها الكامل لحجم التحديات والصعوبات التي يواجهها المواطنون، 

ومؤكدة تضامنها مع المطالب المشروعة التي تصب في خدمة المصلحة العامة وتحسين مستوى الخدمات والأوضاع المعيشية. 

وشددت اللجنة على أنها ستعمل، بالتنسيق مع الجهات المختصة، على تأمين الفعاليات والاحتجاجات السلمية وحمايتها وضمان سلامة المشاركين فيها، بما يكفل ممارسة هذا الحق في إطار من النظام والمسؤولية.

وحذرت اللجنة الأمنية من أي محاولات لإخراج الاحتجاجات عن مسارها السلمي أو استغلالها للإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، أو تعطيل مصالح المواطنين والاعتداء على مؤسسات الدولة ومرافقها الخدمية،

 محذرة من أعمال الشغب أو الفوضى أو أي ممارسات من شأنها المساس بالأمن والاستقرار أو الإخلال بالسلم المجتمعي.

 كما حذرت اللجنة من "محاولات تسييس الاحتجاجات أو توظيفها لخدمة أجندات خاصة لا تمت بصلة للمطالب الشعبية المشروعة"، داعية الجميع إلى التحلي بروح المسؤولية الوطنية والحفاظ على الطابع السلمي والحضاري لهذه الفعاليات. 

وحددت اللجنة الأمنية ساحة العروض في خور مكسر مكاناً مخصصاً لإقامة الفعاليات والاحتجاجات والتجمعات الجماهيرية السلمية في المحافظة، "بما يتيح للمواطنين التعبير عن مطالبهم بصورة منظمة وآمنة، بعيداً عن إغلاق الشوارع الرئيسية والطرقات العامة أو تعطيل حركة السير والتنقل". 

ودعت اللجنة إلى "الامتناع عن حرق الإطارات أو اللجوء إلى أي وسائل من شأنها الإضرار بالبنية التحتية أو التسبب في تخريب الطرقات والممتلكات العامة، لما يترتب على ذلك من أضرار بيئية وصحية جسيمة نتيجة انبعاث الأدخنة والغازات السامة التي تؤثر مباشرة في صحة المواطنين 

ولا سيما الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي والأمراض المزمنة، فضلاً عما تسببه من اختناقات مرورية وإعاقة لحركة المواطنين وخدمات الطوارئ والإسعاف".

فارس الجلال