Logo

نفير الحوثيين.. هل يعيد الحرب إلى اليمن؟

 بعد أكثر من أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة أبريل 2022، عاد المشهد العسكري في اليمن إلى دائرة التوتر، مع تصاعد خطاب جماعة الحوثي، وإعلانها النفير العام، وتدشين مرحلة جديدة من التعبئة العسكرية، بالتزامن مع اشتباكات ميدانية في محافظة الضالع، وارتفاع وتيرة التحذيرات من احتمال انهيار مسار التهدئة.

التصعيد الحوثي لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع تحولات إقليمية كبيرة، أبرزها التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير، الذي أنهى المواجهة العسكرية المباشرة تقريباً، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في المنطقة.

وتحاول الجماعة استثمار زخم التفاهمات الثنائية التي جرت بينها وبين الجانب السعودي في 2023، وإنهاء حالة الجمود التي أصابت الملف اليمني بسبب انشغال العالم بالحرب الإقليمية، إلى جانب تزايد السخط الشعبي في مناطق سيطرتها بسبب تدهور الوضع المعيشي وانعدام الرواتب

خطاب التعبئة

التحول الأبرز تمثل في خطاب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الذي دعا إلى الحفاظ على روح النفير العام، وتكثيف برامج التعبئة العسكرية، مؤكداً أن الجماعة لن تقبل باستمرار ما أسماه "العدوان والحصار"، وأنها ستتحرك بكل الوسائل المشروعة لاستعادة ما أسماه "حقوق اليمن".

ولم يقتصر الأمر على الخطاب، بل تبعته بيانات من قوات التعبئة العامة، وهي مليشيا تابعة للجماعة، أعلنت فيها تجهيز مئات آلاف المقاتلين، ومئات الألوية الشعبية، مع مضاعفة برامج التدريب والتأهيل العسكري.

ويقول الباحثون إن هذا المستوى من التعبئة يعد الأعلى منذ سنوات، ويعكس استعداد الجماعة لسيناريوهات متعددة، سواء بهدف الضغط السياسي أو الاستعداد لمواجهة عسكرية إذا اقتضت التطورات ذلك.
 
تصعيد ميداني

خلال الأيام الماضية، شهدت جبهات الضالع مواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، تخللتها عمليات قصف متبادل، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، في أول تصعيد ميداني لافت منذ أشهر.

بالتزامن، أعلن الحوثيون مقتل ضابطين برتبة عقيد في جبهات القتال، بينما عقد وزير الدفاع اليمني اجتماعاً موسعاً في مأرب، شدد خلاله على رفع الجاهزية العسكرية والاستعداد لأي تطورات ميدانية.

ويعد هذا التصعيد مؤشراً على أن حالة الهدوء التي سادت معظم الجبهات منذ عام 2022 باتت أكثر هشاشة، خصوصاً مع تصاعد الخطاب العسكري من الجانبين.

رسائل سياسية

لا يقرأ كثير من المحللين التصعيد الحوثي باعتباره قراراً فورياً بالعودة إلى الحرب، بل يعتبرونه ورقة ضغط تفاوضية في لحظة إقليمية حساسة.

ويرى الصحفي والباحث أحمد الشلفي أن الجماعة تسعى إلى رفع سقف التفاوض، خصوصاً في الملفات الاقتصادية المرتبطة بالرواتب، وإعادة تصدير النفط، والتدفقات المالية، في ظل استمرار القيود الأمريكية على أي ترتيبات اقتصادية تمنح الحوثيين مكاسب خارج إطار تسوية سياسية شاملة.
 
كما يعتقد أن التصعيد يحمل رسالة مباشرة إلى السعودية بأن الجماعة ما تزال تمتلك أوراق ضغط، مع استمرار قنوات التواصل بين الجانبين، وعدم وجود مؤشرات حتى الآن على انهيار مسار التهدئة.

ويضيف الشلفي، في منشور على منصة "إكس"، أن المواجهة تبدو "مؤجلة أكثر منها ملغاة"، وأن التهديدات الحالية أقرب إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية منها إلى قرار بالحرب الشاملة.

أزمة داخلية

في المقابل، يربط خبراء الشأن الحوثي بين التصعيد والأوضاع الداخلية للجماعة، ويقول الباحث المتخصص عدنان الجبرني إن الجماعة تمر بمرحلة معقدة تنظيمياً ومالياً، مع تزايد التذمر داخل صفوف المقاتلين، وتأخر صرف المستحقات، وتراجع الثقة داخل بعض الهياكل التنظيمية.

ويشير الجبرني إلى أن عبد الملك الحوثي أعاد ترتيب أولويات الإنفاق خلال العام الأخير، بحيث باتت الموارد تتجه بصورة أكبر نحو التصنيع العسكري والبنية التحتية العسكرية، بدلاً من الإنفاق التشغيلي، وهو ما خلق ضغوطاً داخلية متزايدة.

ويرى أن استحداث قوات التعبئة ليس سوى نسخة يمنية من قوات "الباسيج" الإيرانية، تقوم على تنظيم الموالين داخل الأحياء والقرى وإخضاعهم لتدريبات محدودة، بما يوفر احتياطاً بشرياً لأي مواجهة مقبلة.
 
ارتباط إقليمي

لا يمكن فصل التصعيد عن المتغيرات الإقليمية، فقد جاء بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي أرست وقفاً للحرب بين البلدين، وأعادت فتح مضيق هرمز، وبدأت مرحلة تفاوض تمتد 60 يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي.

ويبدو أن الحوثيين يسعون إلى ضمان ألا يؤدي هذا التقارب الأمريكي الإيراني إلى تهميش ملف اليمن، خاصة مع حديث المبعوث الأممي هانس غروندبرغ مؤخراً عن أن خفض التصعيد الإقليمي يمثل "نافذة فرصة" لإحياء العملية السياسية اليمنية، داعياً الأطراف إلى استغلالها.

وكان غروندبرغ قد أكد في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن أن التأثير العسكري للحرب الإقليمية على اليمن ظل محدوداً، وأن الهدوء النسبي منذ هدنة 2022 ما زال قائماً، لكنه حذر، في الوقت نفسه، من أن استمرار الجمود السياسي يهدد بإعادة إنتاج الصراع، معلناً عزمه الدعوة إلى اجتماع ثلاثي للجنة التنسيق العسكري يضم الحكومة اليمنية، والحوثيين، وقيادة قوات التحالف بقيادة السعودية، بهدف خفض التصعيد وتعزيز قنوات التواصل.

هدنة متعثرة

دخلت هدنة الأمم المتحدة حيز التنفيذ في 2 أبريل 2022، وشكلت أول وقف شامل للعمليات العسكرية منذ سنوات، قبل تمديدها مرتين حتى أكتوبر من العام نفسه.

واستمر الالتزام غير المعلن بخفض العمليات العسكرية، بالتوازي مع مفاوضات مباشرة بين السعودية والحوثيين، ثم إعلان المبعوث الأممي، في 23 ديسمبر 2023، توصل الأطراف إلى تفاهمات ضمن خريطة طريق تشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإجراءات اقتصادية، واستئناف العملية السياسية، إلا أن تنفيذها ظل معلقاً بسبب الخلافات حول تفاصيلها والارتباط بالتطورات الإقليمية.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعاد الاتفاق الأمريكي الإيراني إحياء الآمال بإعادة تحريك هذا المسار، لكن التصعيد الحوثي الأخير يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الأطراف على الحفاظ على الهدوء، في ظل استمرار الملفات الجوهرية دون حل.
 
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على عودة الحرب الشاملة، لكن المؤكد أن اليمن دخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي والعسكري، فجماعة الحوثي تحاول تحسين شروطها قبل أي تسوية محتملة، والحكومة ترفع جاهزيتها تحسباً لأي طارئ، فيما تسعى الأمم المتحدة والسعودية إلى منع انهيار حالة خفض التصعيد.

ويبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الأطراف على الفصل بين التفاهمات الإقليمية والصراع اليمني، وتحويل نافذة الفرصة الحالية إلى مسار سياسي حقيقي ينهي حرباً تدخل عامها الثاني عشر، بعدما خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

نفير "إعلامي"

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور علي الذهب، أن إعلان النفير الحوثي ما هو إلا عمل إعلامي موجه نحو الداخل والخارج، مشيراً إلى افتقار هذه الدعوة إلى الجانب المنظم، وغياب الإطار الزمني والمكاني.

وأضاف الذهب، أن هذا الإعلان "يأتي في سياق الإثارة الإعلامية القوية، في مواجهة تصاعد المطالب الشعبية في مناطق سيطرة الجماعة"، لافتاً إلى أنها محاولة واضحة للهروب من هذه المطالب.

وقال: "كما أنها رسالة للخارج، باعتبارها تتزامن مع التسويات الحاصلة بين إيران والولايات المتحدة، وما يشار إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد يتفرغون للأذرع الإيرانية الإقليمية، ومنهم الحوثيون".

وأشار إلى أن هذه التحركات الحوثية مرتبطة أيضاً بإجراءات الحكومة الشرعية الأخيرة، والمتمثلة في إعادة تنظيم قواتها العسكرية والأمنية، وهو ما يدفع الجماعة إلى مواجهة هذا التحشيد المنظم بالدعوة إلى حشد شعبي.

واستطرد قائلاً: "من الدوافع، الهروب من الاستحقاقات الشعبية المطلبية، التي تقض مضاجع الحوثيين من وقت إلى آخر، فيحاولون الهروب منها إلى تسخين المجتمع، وجعله في حالة عنف عالية تنسيه هذه المطالب، وتجعله في مرمى العنف المضاد من قبل الأجهزة القمعية، التي تنشر الخوف بحجة أن الجماعة في حالة حرب".
 
أجندة مقبلة

من جانبه، يذهب المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي لأبعد من ذلك، مشيراً إلى أن قوات التعبئة العامة التي أعلن عنها الحوثيون تحمل رسائل مبطنة بأن حرب الحوثيين القادمة ستستند هذه المرة إلى مدد هائل مزعوم من قوات الشعب، "الذين ظهر بعض أفرادهم وهم يمزقون ثيابهم؛ احتجاجاً على سياسة التجويع التي تسببت بها الطغمة الانقلابية المهيمنة في صنعاء".

ولفت التميمي، في مقال على حسابه بمنصة "فيسبوك"، إلى أن هذا الاسم المستنسخ من قوات الباسيج الإيرانية "خطوة تعمدت إظهار أن ثمة تعدداً في المراكز العسكرية، تماماً كما هو الحال في إيران: مقر خاتم الأنبياء، وقيادة الحرس الثوري، وقيادة الباسيج، وهكذا".

واستطرد قائلاً: "هذا التطور في إعادة فرض خيار الحرب مجدداً، وإظهار العداء والتربص بالمملكة العربية السعودية، يستند إلى اعتقاد خاطئ لدى هذه الجماعة الانقلابية بأنها قادرة على استخدام الملاحة الدولية في البحر الأحمر كورقة رهان لإمضاء إرادتها في فرض الانقلاب وتبعاته السياسية والجيوسياسية على اليمن والإقليم والعالم".

ويشير إلى أن تحرك الجماعة يستدعي العمل الجاد على إعادة الملف اليمني إلى مرجعيته الوطنية وشرعيته الدولية، باعتباره ملفاً يُعنى بإنهاء الانقلاب وتبعاته، كما يستدعي تعاوناً من نوع مختلف بين الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية، يُغلق بشكل نهائي الوقائع الناتجة عن المشروع الانفصالي ومشاريع الضرار السياسية والعسكرية الأخرى، ويطلق الموارد وطاقات التعبئة لاستعادة الدولة.

 الخليج أونلاين 
عبدالله جابر