قمة حلف الأطلسي في أنقرة: مستقبل الحلف وأولويات الإنفاق الدفاعي
الرأي الثالث - وكالات
في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين، وتتكثف النقاشات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي "ناتو"، تتجه الأنظار إلى قمة الحلف الـ36، التي تنطلق غداً الثلاثاء في العاصمة التركية أنقرة،
وهي قمة وصفتها تركيا، مراراً على لسان مسؤوليها، بأنها تاريخية ومهمة ونقطة تحول في مستقبل الحلف.
تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، والهجمات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وعلى دول الجوار، والحرب الأميركية الإسرائيلية المزدوجة على إيران، وتطورات الذكاء الاصطناعي، وتحديات طرق التجارة وسلاسل التوريد،
كلها متغيرات دولية فرضت على الحلف تحديات كبيرة، سواء على صعيد استمرار التحالف، أو تبني استراتيجيات وعقائد جديدة تواكب التطورات في تكتيكات الحروب.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدد بالانسحاب من الحلف على خلفية عدم استجابة الحلفاء الأوروبيين لتأمين فتح مضيق هرمز، بعد إغلاقه من قبل إيران عقب الحرب التي بدأت في 27 فبراير/شباط الماضي.
في المقابل، يرى الاتحاد الأوروبي أن الولايات المتحدة تقاعست عن دعم الحليف الأوكراني أمام روسيا منذ بدء الحرب عام 2022، وهو ما وضع الحلف أمام شرخ كبير دفع الجانب الأوروبي إلى العمل على تحديث البنية الأمنية.
وأطلقت هذه التطورات مناقشات جديدة تتعلق بالإنفاق الدفاعي، وتطوير التعاون على مستوى الصناعات الدفاعية، فضلاً عن أهمية وضع استراتيجيات وعقائد جديدة تواكب تطورات الحرب، وزيادة استخدام المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، وفشل منظومات الدفاع، خاصة في ظل ما أفرزته الحرب على إيران ورد طهران على الهجمات التي استهدفتها.
ومن بين هذه التطورات المهمة والاستراتيجية، يبرز منتدى الصناعات الدفاعية المنتظر عقده على هامش القمة، بعد اعتماده ضمن فعالياتها، إذ تستغل أنقرة هذه النقطة لتعزيز مكانتها داخل الحلف، وتوسيع التعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع دوله، مستندة إلى التطور الكبير الذي حققته في السنوات السابقة،
فضلاً عن مساعيها وموقعها الجغرافي لتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة من جهة، ومع الجانب الأوروبي من جهة أخرى.
وأوضح متحدث في الخارجية التركية عن قمة الحلف في أنقرة وأهميتها، قائلة: "تعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، أي في تركيا، بعد 22 عاماً.
ونظراً لانعقادها في ظل تزايد حالة عدم اليقين الدولي وتكثيف النقاشات حول تحول الحلف، ستكون قمة أنقرة من أهم القمم في تاريخ الحلف.
كما سيعقد منتدى الصناعات الدفاعية ضمن فعاليات قمة الناتو في أنقرة، وهي المرة الأولى التي يدرج فيها المنتدى ضمن البرنامج الرسمي للقمة".
وأضاف: "من المتوقع أن يحضر القمة رؤساء دول وحكومات 32 دولة حليفة، بمن فيهم الرئيس الأميركي ترامب، بالإضافة إلى رؤساء دول وحكومات من شركاء الناتو، كما سيشارك في القمة نحو 70 وزيراً من الحلفاء والشركاء.
وهناك إجماع جرى تأكيده في الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية الناتو، الذي عقد في تركيا في مايو/أيار الماضي، وفي اجتماعات الناتو اللاحقة، على ضرورة أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون، على وجه الخصوص، مسؤولية إضافية في تأمين القدرات الدفاعية التي يحتاجها الحلف، وأن تصبح عملية تقاسم الأعباء عبر الحلف أكثر عدلاً، وقد سبق الإعلان عن ذلك".
وعن التوقعات من القمة، قالت الخارجية في حديثها: "من المتوقع أن تجرى خلال قمة الناتو في أنقرة، المقرر عقدها الأسبوع المقبل، مناقشات مهمة على مستوى القادة حول وضع الحلف ومستقبله، بما في ذلك القضايا المذكورة أعلاه.
وفي إطار هذه المناقشات، تؤكد تركيا الدور القيادي للناتو في بنية الأمن الأوروبي الأطلسي، وتشدد على ضرورة أن تكمل المبادرات الدفاعية المتعلقة بالأمن الأوروبي جهود الناتو، وأن تنفذ بطريقة شاملة تتيح المشاركة الكاملة لجميع حلفاء الناتو،
كما تشدد على ضرورة إزالة العقوبات والقيود والعقبات التي تعترض مجال الصناعات الدفاعية بين الحلفاء".
وفي تصريح صحافي مقتضب، قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، الاثنين، إنه جرى تخصيص 1800 طاولة عمل لأكثر من 2500 صحافي يغطون القمة
مضيفاً: "ينتظر أن تكون هناك إرادة من دول الحلف من أجل تقوية العلاقات داخل الناتو، ولقاءات ثنائية بين البلدان، إذ ستكون قضايا الأمن والدفاع والأمن الأوروبي والتعاون في الصناعات الدفاعية حاضرة".
ومن المؤكد أن مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في القمة تحمل أهمية كبرى، وستكون لديه لقاءات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع، بحسب البيت الأبيض
كما ستكون هناك زيارة رسمية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ سبق لترامب أن صرح بأن السبب الرئيسي للمشاركة في القمة هو الدعوة التي تلقاها من الرئيس أردوغان، واصفاً إياه بأنه رئيس يحترمه.
وعن القمة وأهميتها، قالت مروة سونا أوزال أوزجان، عضو الهيئة التدريسية في قسم العلاقات الدولية بجامعة "قرق قلعة"، إن "حلف الناتو يمر حالياً بواحدة من أشمل عمليات التحول منذ تأسيسه عام 1949
إلّا أن هذا التحول ليس سهلاً، بل هو فترة إعادة هيكلة شاقة يعيد فيها الحلف تعريف هويته وإدراكه للتهديدات وأولوياته الاستراتيجية. ويشير مفهوم الناتو 3.0، الذي كثر الحديث عنه مؤخراً، إلى هذا التحول الهيكلي أيضاً".
وأضافت: "تاريخياً، بنى الناتو وجوده إلى حد كبير على إدراك مشترك للتهديدات. خلال الحرب الباردة كان هذا التهديد هو الاتحاد السوفيتي، أما اليوم فقد عادت روسيا، بعد الحرب على أوكرانيا، لتصنَّف مجدداً كتهديد عسكري رئيسي للحلف
وإلى جانب ذلك، دخلت الصين بشكل دائم في أجندة الناتو الاستراتيجية في سياق التكنولوجيا، والبنية التحتية الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والتنافس على النفوذ العالمي.
لكن السؤال الأهم هو: هل سيمضي هذا التحول عبر شرخ في العلاقات الأطلسية، أم سيتحد الناتو كعادته على خط استراتيجي واحد قائم على إدراك مشترك للتهديدات؟
والإجابة عن هذا السؤال بالغة الأهمية مع عودة ترامب، إذ بات نهج واشنطن تجاه حلف الناتو يظهر بوضوح أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين لم يعودوا يتشاركون المصالح والمخاوف الأمنية نفسها في كل قضية".
وأكدت أنّ "الأهمية التاريخية لقمة الناتو لا تقتصر على الإعلان عن خطط دفاعية جديدة فحسب، بل تتعداها إلى تحديد ما إذا كان الناتو سيعرف الأمن من خلال الردع العسكري فقط،
أم سيجعل الدبلوماسية والاستقرار عنصرَين أساسيَّين في بنيته الأمنية. ولهذا يواجه الحلف مسارَين مختلفَين: الأول نهج يشدد باستمرار من حدة إدراك التهديدات، بما يعمق التكتلات والمواجهات الجديدة،
والثاني فهم أمني يحافظ على الردع مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، وإعطاء الأولوية لإدارة الأزمات، والمساهمة في الاستقرار الدولي".
وختمت أوزجان بالقول: "صحيح أن حلف الناتو منظمة أمنية، إلّا أن الدبلوماسية تعد في القرن الحادي والعشرين أحد أهم عناصر الأمن.
ومن هذا المنطلق، ستكون قمة أنقرة بمثابة قمة تبرهن، ليس على التحول العسكري لحلف الناتو فحسب، بل أيضاً على كيفية إرساء علاقة متينة بين الأمن ودبلوماسية الاستقرار".