Logo

ماكرون في دمشق: 14 مذكرة اقتصادية قبل التوجه مع الشرع إلى تركيا

الرأي الثالث - وكالات

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، مساء الاثنين، في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سورية منذ إسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث يلتقي نظيره السوري أحمد الشرع، 

ويرافقه وفد اقتصادي فرنسي رفيع المستوى، وسط استعدادات لتوقيع 14 مذكرة اقتصادية بين البلدين، وإعادة 23 قطعة أثرية سورية كانت محفوظة في متحف اللوفر بباريس.

ولدى وصوله إلى المطار، أكد ماكرون أن زيارته تأتي لتأكيد التزام فرنسا بدعم السوريين، قائلاً: "أتيت لأؤكد التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب الشعب السوري من أجل سورية ذات سيادة موحدة بتعدديتها وتنعم بالسلام مع جيرانها".

 وأضاف: "فلنفتح معاً صفحة جديدة من الاستقرار والسلام".

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون والشرع سيرأسان، غداً الثلاثاء، مؤتمراً اقتصادياً مخصصاً لبحث ملفات إعادة إعمار سورية، 

مضيفة أن ماكرون سيحضر، مساء اليوم، مأدبة عشاء يقيمها الرئيس السوري في دمشق. وينتظر ماكرون يوم سياسي واقتصادي مكثّف الثلاثاء، يتضمن لقاء مع فاعلين من المجتمع المدني السوري، 

ومباحثات ثنائية في قصر الشعب، ومنتدى اقتصادياً مخصصاً لإعادة إعمار سورية والبحث في قضية "الممرات الاستراتيجية"، ثم مراسم توقيع اتفاقات ومؤتمراً صحافياً مشتركاً بين الرئيسين.

وفي مقابلة مع قناة "بي إم إف تي في" الفرنسية، قال الرئيس السوري إن فرنسا "من أصدقاء الشعب السوري منذ أيام الثورة التي قمعها النظام البائد"، مضيفاً أنه منذ "التحرير"، تواصل الرئيس الفرنسي مع دمشق، 

وكان لفرنسا "دور بنّاء في إلغاء العقوبات عن سورية". وأضاف الشرع خلال المقابلة أن سورية تشهد اليوم مرحلة إعادة إعمار، وتملك العديد من المقومات، لكنها بحاجة إلى الدول المتقدمة في مجال التقنيات، 

مشيراً إلى أن فرنسا من أكثر الدول تطوراً في هذا المجال. وأوضح أن نظام الأسد كان ينشط في صناعة وتجارة المخدرات، مضيفاً أنه منذ إسقاط النظام السابق، جرى تفكيك شبكات صناعة وتجارة المخدرات.
 
ووصف الشرع زيارة ماكرون إلى دمشق بأنها "تطور مهم في العلاقة بين البلدين"، مؤكداً أن فرنسا ستعمل في قطاعات البنية التحتية والقطاع المالي، إلى جانب قطاعات أخرى تستطيع الإسهام فيها. 

وأضاف أن زيارة ماكرون ستشهد توقيع اتفاقيات بين البلدين، مشيراً إلى أن إعادة بناء الدولة تقوم على "أطر متعددة مثل إعادة الإعمار وتمكين مؤسسات الدولة". 

وأكد الشرع أن سورية تجاوزت الكثير من العقبات، وأنها أنشأت خلال الأشهر الأخيرة علاقات ممتازة مع العديد من الدول، معتبراً أن فرنسا كان لها دور في انفتاح سورية على الخارج.

واستقبل وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ماكرون والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، 

فيما أكدت مصادر أن الزيارة ستشهد توقيع 14 مذكرة اقتصادية بين البلدين، إلى جانب إعلان فرنسا إعادة 23 قطعة أثرية سورية كانت محفوظة في متحف اللوفر. 

وأضافت المصادر نفسها أن الرئيس الفرنسي سيتوجه غداً الثلاثاء إلى تركيا برفقة الشرع للمشاركة في القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي تستضيفها أنقرة وتتواصل حتى الأربعاء.

وقالت الرئاسة الفرنسية، في مذكرة إعلامية أُرسلت إلى الصحافيين بعد وصول ماكرون، إن الزيارة تأتي بعد عام على زيارة الشرع إلى باريس، وتندرج في إطار "الدعم الثابت" الذي تقول فرنسا إنها تقدمه إلى الشعب السوري. 

وأضافت أن الرئيس الفرنسي سيعيد تأكيد تمسّك فرنسا بوحدة سورية وبانتقال سياسي "شامل وتعددي" في البلد، يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع السوري وأمنها وتمثيلها.

وبقيت الزيارة طيّ الكتمان الفرنسي حتى لحظة وصول ماكرون إلى دمشق، رغم التسريبات المتزايدة خلال الأسابيع الأخيرة عن احتمال انتقاله إلى العاصمة السورية قبيل قمة حلف الأطلسي في أنقرة. 

وخلال الأسبوعين الماضيين، لم تقدّم أي جهة رسمية، سواء في الإليزيه أو في الخارجية، تأكيداً علنياً للزيارة، على الرغم من تعدد المؤشرات حولها. 

ولم يصدر الموقف الرسمي إلا بعد هبوط الطائرة الرئاسية في مطار دمشق، في خيار ربطته مصادر فرنسية بالاعتبارات الأمنية في بلد لا يزال يمر بمرحلة انتقالية هشة، خصوصاً بعد تفجير وقع في العاصمة السورية الأسبوع الماضي وأعاد التذكير بحساسية الوضع الميداني.

وكانت الرئاسة السورية قد أعلنت، أمس الأحد، أن ماكرون سيزور سورية لبحث تعزيز العلاقات الثنائية والتداول في ملفات تلقى اهتماماً مشتركاً من البلدين، من دون أن تحدد موعد الزيارة.

 وذكرت أن الرئيس الفرنسي سيكون مصحوباً بوفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، وأنه سيشارك في لقاءات مع الشرع ووفود سورية. 

وجاء البيان الفرنسي ليؤكد هذا البعد الاقتصادي، إذ تحدث عن فتح "صفحة جديدة" من الشراكة الفرنسية السورية في المجالين الاقتصادي والأمني، وعن مواكبة الجهود الرامية إلى الاستقرار الإقليمي وتنويع طرق الإمداد بين أوروبا والشرق الأوسط.

انفتاح فرنسي

وبذلك، لا تقف الزيارة عند حدود استكمال استقبال الشرع في قصر الإليزيه بباريس، في السابع من مايو/ أيار 2025، بل تنقل الانفتاح الفرنسي على دمشق إلى مرحلة تتداخل فيها السياسة مع حسابات الأمن والاقتصاد ولبنان وطرق الإمداد. 

وكان ماكرون، خلال استقباله الشرع، قد وضع هذا الانفتاح في إطار دعم وحدة سورية وتعددها ودورها الممكن في أمن المنطقة. 

وفي مذكرتها بشأن زيارة دمشق اليوم، تحدثت الرئاسة الفرنسية عن فتح صفحة جديدة في الشراكة الفرنسية السورية في المجالين الاقتصادي والأمني، وعن مواكبة جهود الاستقرار الإقليمي وتنويع طرق الإمداد بين أوروبا والشرق الأوسط.
 
وقد تكثفت الاتصالات الفرنسية السورية، خلال الأشهر الماضية، على أكثر من مستوى. 

فقد زار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو دمشق في فبراير/ شباط الماضي، ثم توالت لقاءات أمنية وعسكرية واقتصادية في العاصمة السورية حتى الأيام الأخيرة التي سبقت زيارة ماكرون. 

وبحث وفد من السفارة الفرنسية مع وزارة الداخلية السورية سبل التعاون الأمني، في حين التقى مسؤول عسكري فرنسي رفيع مسؤولين في وزارة الدفاع السورية، في النصف الأول من يونيو/ حزيران الماضي. 

وتكشف هذه الاتصالات أهمية الملف الأمني في مقاربة باريس للعلاقة الجديدة مع دمشق، وخصوصاً ملف المقاتلين الأجانب، ومخيمات وسجون "داعش"، ومسار دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في مؤسسات الدولة السورية.

وبخلاف الاتصالات الرسمية مع دمشق، بقي الجزء المتعلق بالقوات الكردية في سورية أقل ظهوراً في الخطاب الفرنسي. 

فقد قام قائد "قسد" مظلوم عبدي بجولة أوروبية بدأت من إيطاليا في 17 يونيو/ حزيران الماضي، قبل انتقاله إلى فرنسا في اليوم التالي. 

وتحدثت وسائل إعلام كردية عن لقاءات في باريس مع مسؤولين فرنسيين، من دون أن يصدر عن الجانب الفرنسي إعلان رسمي أو تفاصيل علنية، في مؤشر على حساسية التوازن الذي تحاول باريس الحفاظ عليه بين تواصل رسمي مع دمشق ودعم وحدة الدولة السورية، 

والإبقاء على خيط تواصل مع المكون الكردي، من دون إبراز هذا الملف في واجهة انفتاحها الجديد على دمشق.

ولا ينفصل الانفتاح الفرنسي على دمشق عن الملف اللبناني. فباريس، التي تدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار في البلد وإعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية، تنظر إلى سورية بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب يخص البلد. 

وكان الشرع قد تحدث، في مقابلة مع قناة "المشهد" بُثت في 21 يونيو الماضي، عن العمل على مقاربة مع واشنطن وباريس لا تعني تدخلاً سورياً مباشراً في لبنان، بل دوراً يمر عبر الدولة ومؤسساتها، بما يشمل تهدئة الجبهة اللبنانية، وضبط الحدود، وفتح قنوات سياسية قد تطاول حتى حزب الله، 

ما يتيح لباريس أن تبحث مع دمشق دوراً سورياً في الاستقرار اللبناني، من دون العودة إلى منطق الوصاية القديم.

وتأتي الزيارة أيضاً في لحظة بات فيها ملف الطاقة وطرق الإمداد في قلب الحسابات الفرنسية، بعد أزمة مضيق هرمز التي كشفت عن اعتماد فرنسي وأوروبي كبير على الإمدادات التي تمر من خلال المضيق. ففي قمة مجموعة السبع التي عُقدت في إيفيان الشهر الماضي، 

وفي لقاء تلاها مع التلفزيون الفرنسي، تحدث ماكرون عن السعي إلى تقليل الاعتماد على المضيق، وأشار في هذا السياق إلى إمكان الاعتماد على خطوط إمداد تمر عبر العراق وسورية ولبنان أو عبر السعودية، ما يشرح إدراج ملف "الممرات الاستراتيجية" في برنامج الزيارة إلى دمشق،

 إلى جانب إعادة الإعمار، لا بوصفه تفصيلاً اقتصادياً عادياً، بل إشارة إلى أن سورية قد تعود لتلعب دوراً مهماً في خريطة الطاقة والتجارة بين أوروبا والشرق الأوسط.

وفي وقت سابق، أفادت إذاعة "مونت كارلو الدولية" بأن فرنسا تعد من أبرز الدول الغربية التي تراهن على السلطات السورية الجديدة وعلى إعادة دمج دمشق تدريجياً في منظومة الشرعية الدولية، 

لافتة إلى أن الحكومة الفرنسية تجاهلت انتقادات اليمين واليمين المتطرف، وأصرت على تنظيم استقبال رسمي للرئيس السوري خلال زيارته إلى باريس في مايو/أيار الماضي 2025.

وأضافت أن باريس دعت السلطات السورية إلى العمل على مواجهة الإرهاب، واحترام التعددية الدينية وحقوق الأقليات، وتحسين العلاقات مع دول الجوار، لا سيما لبنان. 

كما أوضحت أن ماكرون يرافقه وفد كبير من ممثلي القطاعات الاقتصادية والتجارية، يضم شركات تنشط في مجالات الطاقة والدفاع والسياحة، بهدف إبرام عدد من الاتفاقيات، في إطار سعي فرنسا إلى الحصول على حصة من مشاريع إعادة إعمار سورية.
 
وتوجه الشرع إلى باريس في أول زيارة له إلى دولة غربية منذ توليه السلطة عقب إسقاط نظام الأسد. وخلال تلك الزيارة، رحّب الشرع بتأكيدات ماكرون بشأن العمل على رفع العقوبات المفروضة على سورية 

معتبراً أن زوال النظام السابق يستدعي زوال تلك العقوبات. كما أكد أنه لا مكان في مستقبل سورية للفتن الطائفية أو للاعتداءات الخارجية على السيادة السورية. 

وتطرق الشرع آنذاك إلى ملف المقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى سورية خلال الثورة، مؤكداً أنهم لم يكونوا جماعات، وبل أفراداً دعموا الشعب السوري، وأن الذين بقوا منهم في البلاد لن يشكلوا تهديداً لأي دولة.